كلاسيكيات

East of Eden – 1955

( الإنسان لديه خيار؛ والخيار هو الذي يصنع الرجل )

صبيٌ صغير في عالمٍ من الأتراح والفقدان والضياع يجثو على قدميه ليلجأ إليها وكأنها بوصلة حياته البيداء. يبحث عنها دون كللٍ بين سراب المنى ليلملم شظايا روحه المكسورة. تذرف أيامه ساعات من الوحدة وقطرات من الكبد، ويجلد الغموض والفضول تفكيره وهو ينتظرها. يتعقب خطاها منقباً عن إجاباتٍ لأميالٍ من الأسئلة. يطوف خلفها حالماً أن ترشده إلى كينونة ذاته، عابساً لغلبة أمره “علي أن أعرف من أنا، علي أن أعرف من أشبه”. تخذله محاولته الأولى، تخذله حقيقتها، تخذله نفسه لأنه منها، لكن ما يكون هو إذا لم تكن هي كل أسبابه. يلهث في محاولته الثانية وراء الشعور بالحب، يطرق سرها، إلا أن بصيص نجاته ينكمش في وجهه، فيناجيها بصرخةٍ اعتاد أن يحبسها في صدره طوال حياته “كلميني، أرجوكِ، أماه”.

إن فيلم (شرق عدن) للمخرج إيليا كازان هو أحد الأفلام الثلاث التي نقشها الممثل جيمس دين بأداء خلد اسمه في عالم السينما إلى الأبد، وهو من الأيقونات القليلة التي تركت بصمةً مغيرة في هوليوود على الرغم من أنه لم يظهر سوى في ثلاثة أفلام فقط. السبب في هذا يعود بنسبة كبيرة لذلك التفهم الدقيق الذي احتواه تجسيده لصورة الشاب المراهق الحائر، وقد لا ينطبق على جيمس – في أي من أفلامه الثلاث – المعنى التقليدي للأداء أو التمثيل؛ فعلى إثر التمعن في مواضيع أفلامه وأبعاد الشخصيات التي لعبها، والخلفية التي انطوت عليها حياته الاجتماعية والبيئة التي ترعرع وسطها، يسهل على المرء تفهم منبع مهارة هذا المتفجر، والتعابير الجوفاء الصماء التي أنطقها جيمس دين بفنيته وحرصه على ما هو ثوري وجديد ومفاجئ في كل إيماءةٍ له، إلى أن حولته عبقريته من غلامٍ سينمائي إلى جحفلٍ أسطوري. (الجحفل: الرجل عظيم القدر).

أحس جيمس دين برمق الحياة لأول مرة في الثامن من فبراير عام 1931 في مدينة ماريون بولاية إنديانا، وهو الضنى الوحيد لأبويه. وكان مقرباً للغاية من والدته – الوحيدة التي استطاعت فهمه – ولم يفترقان عن بعضهما أبداً. توفيت والدته جراء إصابتها بمرض السرطان عام 1940؛ ويزعم البعض أن سبب كآبة دين وقلة اختلاطه اجتماعياً يعزوه خسارته لأمه في عمر مبكر، وحتى في السنوات اللاحقة، بقي يحاول استرداد فهم والدته له في جميع علاقاته مع النساء وطوال مسيرته الفنية.

أقتبس له هذه الجملة وهو يتذكر الأيام التي قضاها يعمل ويلهو في مزرعة والديه، والتي رغم غرابتها فهي إشارة إلى الفتى الذي ما يزال يمكث بداخله، يقول: “قد لا يبدو على الأبقار والدجاج والخيول أنهم مدربي دراما من الدرجة الأولى، لكن صدق أو لا تصدق فقد تعلمت منهم الكثير عن التمثيل، لقد أضاف لي العمل في المزرعة منظور جديد حول الحياة، الأمر الذي ساعدني كثيراً بتجسيد الشخصيات”. لاحظ المخرج إيليا كازان ذلك الصبي في جيمس دين، ونظراً لعشقه حرفة التمثيل وسمعته كمخرج “الممثلين” وبدايته مسيرته كواحد منهم، فقد عرف كازان كيف يثير البركان الذي يحبسه دين في أوصاله وبالتالي وظف أدائه كما تطلبت شخصيته في هذا الفيلم تماماً.

تاريخ المخرج هو مزيج من الإنجازات الفنية والعثرات السياسية، فقد حصل على جائزة الأوسكار مرتين عن فيلمي (اتفاقية النبلاء) عام 1947 و(رصيف الميناء) عام 1954 (ترشح لها ثلاث مرات أخرى عن أفلام (عربة اسمها الرغبة) عام 1951 و(شرق عدن) عام 1955 و(أميركا… أميركا) عام 1964، قبل أن يُكرم عن مسيرته كاملةً عام 1999). إلا أن ماضي إيليا كازان مع الحزب الشيوعي وتوجهاته الحزبية في الفترة ما بين 1934 إلى 1936 عاد ليطارده في الحقبة المكارثية، حيث اضطر أن يدلي بشهادة توشي ببعض زملائه مما شوه سمعته في نظر الأوساط اليسارية، تاركاً له كذلك علامةً سوداء في الوسط الهوليودي.

إيليا كازان وجون ستاينبيك صاحب رواية الفيلم – حاصل على جائزة نوبل للأدب عام 1962 وجوائز كثيرة عديدة – تجمعهما علاقة وطيدة (عملا سوياً من قبل في فيلم “يحيا زاباتا!” عام 1952)، ويكمن سببها لما يشتركان فيه من تأثر وتعلق دفين لمواضيع العائلة وروابط الدم التي توصل بين الآباء والأبناء. وقد صدرت رواية “شرق عدن” عام 1952 واقتبسها للشاشة الكبيرة الكاتب بول أوزبورن (كاتب سيناريو فيلم “سايونارا” عام 1957 مع مارلون براندو). وبعد قراءة كازان للراوية، شعر بأنه إذا أراد تحويلها إلى فيلم سينمائي فعليه أن يركز على الفصل الأخير منها، وبالتحديد الصفحات الثمانين الأخيرة؛ فقد رأى فيها جوهر القصة وتلخيصاً لنبض الشخصيات وتوليفاً لصلة بليغة مباشرة بين القارئ والنص الذي بين يديه، خاصةً مع حلول ذروة الحكاية بقسوتها وتأثيرها الخالص على المشاعر الآدمية.

تقع أحداث القصة في وادي ساليناس شمال كاليفورنيا عام 1917، ونتعرف على عائلة تراسك المكونة من الأب آدم (رايموند مايسي) وولديه آرون (ريتشارد دافالوس) وكايلب “كال” (جيمس دين) وخطيبة آرون المستقبلية أبرا (جولي هاريس). يعمل آدم في مجال الزراعة، وهو مولع بالاختراعات ومهتم حالياً بتحقيق فكرته المتمثلة في تبريد الخضراوات والحفاظ على جودتها لفترة زمنية طويلة. آدم كان قد أخبر ولديه أن والدتهما كايت (جو فان فليت) توفيت منذ نعومة أظافرهما، إلا أن الحقيقة توضح أنها هجرته لكثرة الخلافات بينهما والتناقض الجذري في شخصيتهما؛ فآدم رجل متدين جاد ومتحفظ يؤمن بالوطنية والقيم الأخلاقية (حتى أنه اختار لولديه اسمين من التوراة)، في حين أن كايت امرأة متحررة مستقلة ولا تعترف بمبادئ زوجها.

يُبلّغ كال من شخص مجهول أن والدته حيةٌ ترزق، فيصبح شغله الشاغل التعرف عليها حتى ولو تتطلب منه الأمر أن يقطع في القطار مسافة 25 كم إلى “مونتري” حيث تقطن. دافع كال في اكتشاف هوية وخصال والدته يأتي من الوضع الأسري الذي يعيش فيه مع والده؛ فآدم يرى قرة عينه في ابنه آرون بغيرته الوطنية ونجاحاته العلمية وكمالياته الأخلاقية والتزاماته الدينية، وبكلمات أخرى فهو مثال مصغر عن آدم. في حين أن كال يناقض آرون تماماً، وكأنه الوريث الوحيد لجينات والدته، بطيشه وعبثه وعفويته.

 يختلج كال إحساسٌ مستمر بأنه مهجور ولا يشبه أحد في العائلة، فوالده يمتعض من تصرفاته اللامبالية ومزاجه المتقلب واستهتاره للانضباط والسلوك الذي يتمنى التصرف عليه، كما أن شقيقه آرون لا يرى فيه سوى الجانب الهزلي السطحي، وأبرا تخشاه وتؤكد ذلك باللقب الذي بات معروفاً به “طواف خلسة”. ولذلك فإن كال يرى فرصة الحديث مع والدته وكأنها مرساة النجاة التي ستنقذه من معاناته النفسية وتعوضه عن الحنان الذي يفتقده في منزل والده الحازم، لكن ماذا ستكون ردة فعله حينما يكتشف أن والدته التي يعول عليها كي توفر له الدفء والعطف تدير حانةً وبيتاً للماخور؟   

إحدى الخصال التي اشتهرت بها كتابات جون ستاينبيك هي مقدرة هذا الروائي على نقل حكايات وصور حقيقية من شتى الأنواع وتحويلها إلى صياغة أدبية من المرجح أن تراها في الحي الذي تعيش فيه لتخاطب الشأن النفسي الذي تمر فيه مهما كانت أوضاعك. يقول ثوماس ابن ستاينبيك أن الهدف الوحيد من كتابات والده كان مساعدة الناس على فهم بعضهم البعض، وأنها يجب أن تمد يد المساعدة للناس لفهم ماذا يحصل مع الناس الآخرين، ولإعادة ربط البشر بإنسانيتهم وبذاكرتهم عن العطف والألم وبذاكرتهم عن أشياءٍ نسوها. ومن المواضيع التي يوظفها ستاينبيك في هذا الفيلم هي قصة “ولدي سيدنا آدم” والمذكوران في التوراة المحرف باسمي “قابيل وهابيل”. يعالج (شرق عدن) قصة كال وشقيقه آرون بروح تلك القصة لكن ليس بحذافيرها؛ يستلهم منها النزاع الذي يحدث بين الشقيقين على حب أبرا، إلا أن هذا الخلاف لم يكن أساسه خطف قلب امرأة بقدر ما هو محصلة المقارنة المستمرة التي فرضها عليهما والدهما وفي كل شيء، حتى باتت علاقتهما عبارة عن منافسة ينتصر فيها من يدمر الآخر أولاً، وكلٌ وفق مصادره وأسلحته.

 يتعمد إيليا كازان باستخدام أسلوب التدريج والتحول البطيء المروع في إظهار وتأكيد هذا الموضوع؛ حيث تبدأ علاقة الأخوين بشيء من الود لتتحول على مهل إلى شيء مأساوي (كما هو الحال في فيلمه الأسبق “رصيف الميناء” مع مارلون براندو)، وهو النهج الذي تسري عليه معظم الخيوط الدرامية المتشعبة للفيلم. إلا أن بلاغة كازان وبصمته المعتادة تتجلى في مقدرته العالية على رفع درامية القصة وحدة التوتر في كل مشهد. قد تنطوي أحداث الرواية على عدة قضايا عالمية كالعائلة والدين والرضا والنضج، لكن كازان يوظف كل ما في جعبته لجعل هذه المواضيع ذات عواطف وآلام لا نتفهم جراحها إلا عبر أداء الممثلين الذي تستنبطه عين إيليا كازان الواقعية (كازان نفسه لم يعرف حياةً عائليةً مستقرة). كما أن المخرج لا يغفل تسليط الضوء على المناظر العامة لوادي ساليناس والتقاط مشاهد رائعة شاهقة للمزارع والبحر – وهي مبهرة بالنسبة لتقنية الموجودة في الخمسينيات – بهدف تقريب روح المكان للمشاهد وتفسير رغبة الجميع بالعمل في مجال الزراعة والربح السريع خصوصاً أن الحرب العالمية الأولى ومخاطرها على الأبواب.

 تركيز كاتب السيناريو بول أوزبورن والمخرج إيليا كازان على تصوير الفصل الأخير من رواية جون ستاينبيك ترك كثيراً من التفاصيل التي كانت ستفسر الحكاية بشكل أسهب وتجهلنا نتفهم الشخصيات ومشاكلها بإطار أكثر شمولية، غير أن رؤية كازان التي نراها في الفيلم مهتمة بذروة الرواية وليس بتفاصيلها أكثر من أي شيء آخر (مباشرةً ومن المشهد الأول يرينا كال وهو يتتبع والدته إلى حيث تسكن وكأنه المشهد الأخير للفيلم). وهنا يبرز إبداع الفيلم الحقيقي، لأن عفوية وتفهم الممثلين لأدوارهم يسهل علينا الشعور بما يمرون به بالرغم من تعرفنا للتو على عائلة تعاني من مكابد تنبعث من ماضيٍ نجهله، بيد أن امتياز وصف المشاهد الموجعة للقلب إن كانت باحتدام أعضاء أسرة أو بصفاء ضمير كل واحدٍ منهم يسمح لنا أن نتكيف ونتفكر في موقف ورأي الشخصيات برمتها، لاسيما اللقطات النفيسة التي تجمع بين الثلاثي جيمس دين وجولي هاريس ورايموند مايسي (أشيد بذكر جولي هاريس هنا التي تدعم مشاهد جيمس دين كثيراً بصدرٍ رحب وإحساسٍ عالٍ وخاصةً في حوارها الصريح مع والد كال “عليك أن تعطيه إشارةً ما بأنك تحبه، وإلا لن يكون رجلاً أبداً، سوف يستمر بالشعور بالذنب والوحدة، ما لم تطلق سراحه”).

وفي النهاية، الفضل كله يعود لمثول جيمس الدين الاستثنائي، بأداءٍ “يقطع مثل السيف ويعصف بالوجدان” كما كتب نزار قباني في واحدة من قصائده. أي حركة يقوم بها جيمس للتعبير عن شخصية كال تبدو طبيعيةً وصحيحة، وكأنهما روحين في جسدٍ واحد. انظر إلى الطريقة التي يضع بها يديه في جيبيه وهو يجري كطفلٍ يلعب في الباحة الخلفية للمنزل، وشاهد كيف يجد صعوبة في النطق الكلمات لقلة ثقته بنفسه، وسافر في يأسه في اكتناز القبول من الجميع وكأنه الفرح الذي سيطرد أحزانه، وراقب ابتسامته وهو يكاد يقفز من السعادة لأن والده رضي عنه ولو لمرة، وتمعن في دمعته التي تسرق قلوبنا عنوةً ودون استئذان “الليلة، حتى أنني حاولت أن أشتري حبك، لكن الآن لم أعد أريد هذا الحب، لم أعد بحاجه إليه. لم أعد أريد أي نوع من الحب، إنه لا يجدي نفعاً، ولا مستقبل فيه”.

قال إيليا كازان عن جيمس دين ذات مرة: “اخترت جيمي لأنه يجسد حقيقة (كال) فعلاً، فلا داعي للبحث عن شخص أفضل منه، كان يحمل ضغينةً في قلبه تجاه كل الآباء، وكان شخصاً موسوساً ملهوفاً بالانتقام، انطوائيَ الطبع ويشعرُ بالظلم، وقد بدئنا نتوقع أن شيئاً خارقاً سيحدث من أدائه مع دخولنا في الربع الثالث لأحداث الفيلم، عندها فقط أدركنا كم كان بارعاً. لم أشهد بحياتي شيئاً مماثلاً لموهبته في الأفلام”. كان آخر يوم للفيلم يوماً مؤثراً جداً بالنسبة لجيمس دين، وهذا تحديداً ما تتذكره جولي هاريس: “في اليوم الأخير من التصوير، توجهت إلى غرفته وطرقت الباب وبدا لي أنني سمعت صوت بكاء، فناديت “جيمي؟” ومن ثم طرقت الباب مرةً أخرى، وعندها تأكدت أنه صوت بكاء بالفعل؛ فتحت الباب، فرأيت جيمي وسألته “ماذا حدث؟” فأجابني والدموع تنهمر منه “لقد انتهى الفيلم… انتهى… انتهى!” وكأنه صبيٌ صغير، ما أجمله”. والمفارقة أن جيمس دين لن ينتهي أبداً.

About these ads

One thought on “East of Eden – 1955

  1. شكرا لك استاذ مهند على المراجعة المميزة , (شرق عدن) فيلم عظيم , ايليا كازان هذا المخرج الكبير هو بحق مكتشف المواهب الفذة , هو الذين قدم مارلون براندو للعالم ثم قدم لنا جيمس دين , قصة الفيلم شائكة اظن يمكن وصفها بقصة حياة عائلة مفككة , جيمس دين نجح في تقمص الدور و سيظل يتذكره محبي الفن السابع بشخصية الشاب المتمرد , مشاكل دين مع ابيه لا تنتهي نجد دين يريد ارضاء ابيه بكل الطرق و لكنه لا يعرف كيف عدم وجود الام سبب فراغ و إضطراب في حياة الشاب و محاولاته الشاقة للبحث عن امه و التعرف عليها تبين لنا بان هذا الشاب و بالرغم من كل التمرد و عنفوان الشباب إلا انه شاب محب لولديه لا ننسى علاقة الاخين كانت جيدة إلا ان بدا ينظر دين لـ صديقة اخيه نظرة اخرى , فيلم سلسل و ممتع بأداء قوي من جيمس دين و اداءات جيدة من بقية طاقم العمل بالإضافة الى إخراج محنك من القدير اليا كازان الذي عرف كيف يوجه دفة الفيلم بنجاح , النتيجة يخرج لنا فيلم اسطوري لا يمكن تجاهله و ينصح بمشاهدته سواء لمحبي جيمس دين خاصة و لعشاق الفن السابع عامة , شكررررررررا استاذ مهند على النقد الرائع لهذا الفيلم الجميل …

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s