مراجعات الأفلام

Inception – 2010

 

الموت هو الملاذ الأخير

“أعتقد أني وجدت وسيلة عودتي إلى البيت، بهذا الحلم الأخير.”

بقلم مهند الجندي.

بين ضروب تلك الأحلام والأمواج، فوق ذلك الشاطئ الموحل، وصل منهكاً، بعد أن أحبها، وقتلها بين أحضانه. تحديداً من قعر عالم النسيان، إلى أدنى درجات الغثيان، تبدأ أحلام وأحداث فيلم (استهلال) للمخرج كريستوفر نولان ووقائعه الداكنة وموسيقاه المكبوتة تخترقان أحاسيسنا حتى قبل بدء المجريات، أو معرفتنا بماهية إحساسنا أساساً، ممثلةً لناظرنا تلك الانعكاسات المتناقضة التي تستحوذ أفق دوم كوب، بانقضاض غموضها وغربتها وحنينها وضياعها على جوارحه وغرائزنا، فيرتسم أمامنا مشهدٌ قاتم يعكس عقل بطلنا الباطن الحالك ورحلته الطويلة القصيرة في وداع زوجته والعودة لأطفاله. من بين جميع أبطال أفلام كريستوفر نولان، دوم كوب هو الأكثر قرباً وجمعاً لمواضيع المخرج المفضلة، كرجل فقد أعز ناسه، هارباً ومطارداً لأفعاله ومتاهاته، وهو الآن في مهمة يسابق بها الزمن لينقذ فيها ما تبقى من حياته، حتى لو كان موت حلمه المفضل هو الملاذ الأخير.

يستخدم كريستوفر نولان، وهو صانع أفلام يوحي بجنين ستانلي كوبريك جديد، قصة حب مأساوية كأداة ودلالة لهواجس المرء وشوائب العقل الباطن لما فات من ذكريات مضنية تهيمن على ضميره وتؤنب أنفاسه. فكرة الفيلم تقوم على أننا نتحكم بمجريات أحلامنا إن تسنى لنا التحكم بواقعنا، لكن بما أننا لا نتمكن من فعل ذلك دائماً، فإن للأحلام أيضاً قوانين خاصة لا يمكن التكهن بها، فهي بدورها، أحياناً، تتحكم بحياتنا. إن نظرة المخرج الميئوس منها تجاه الواقع دفعت به أن يوظف نوع الخيال العلمي ليبتكر عوالم كاملة في الأحلام بحثاً عن حلول لم يجدها بطله في يقظته. ليس أن الفيلم لا ينبض بأفكار كبيرة أخرى، إلا أنها تدور جملةً وتفصيلاً كشرايين غليظة بين أوصال علاقة كوب ومول، والسر الحميم الذي حفظه والد روبيرت فيشر عن ابنه، وعلاقة كريستوفر نولان بسينما أكثر تحرراً وطموحاً وإلهاماً.

وظيفة دوم كوب (ليوناردو دي كابريو) مثيرة للاهتمام بالفعل، فهو مختص باختراق أحلام الآخرين واستخراج أو “سرقة” فكرة ما منهم وهم في أضعف حالاتهم العقلية. مهمة كوب التي يفتتح بها الفيلم داخل عقل رجل حذق اسمه سايتو (كيت واتانابي) تنوء بالفشل، لافتقاره وشركيه آرثر (جوزيف غوردن)، وهو منسق العمليات، لفريق كفؤ متمرس بنجاح مثل هذه المهمات الحساسة، فقد تتطلب الأمور أحيانا اختراق حلم ضمن آخر، وربما أكثر. جزء من التعقيدات التي يوجهها كوب في إتمام مهماته، هو هيمنة حضور زوجته مول (ماريان كوتيار) على عقله الباطن مما يشتت تركيزه فتفسد سيرها كما هو مخطط. كوب كان قد اضطر لهجرة ولديه في الولايات المتحدة لأنه متهم بقتل زوجته، وبالتالي سُيقبض عليه فور دخوله حدودها.

يعرف سايتو مدى براعة كوب في عمله، لذا يقرر إبرام صفقة معه لتخدمها سوياً، رغم خطورتها القصوى، بأن ينشئ فكرة جديدة داخل عقل روبيرت فيشر (كيليان ميرفي) وهو ابن المنافس الرئيسي لسايتو ويبدد قواه الاقتصادية، وبدوره يتعهد سايتو بأن يعيد كوب لبلاده سالماً في حال نجح بتنفيذ ما يريد، وذلك دون علمهما بالخلافات العائلية المحتدمة بين روبيرت ووالده والتي قد تصعب المهمة أكثر. يشرع كوب بعد ذلك بتشكيل فريقه الجديد، ويأخذ بنصيحة والده (مايكل كين) ويستعين بطالبة هندسة شابة فذة اسمها أريادني (إلن بيج)، لترسم له متاهات غزيرة التفاصيل ضمن الأحلام، وإيمز (توم هاري) البارع في تغيير هويته، ويوسف (ديلب راو) الكيميائي الذي يحضر مخدر ثقيل يكفي لبقائهم في سبات طويل حتى إكمال المهمة. لكن بما أنهم الآن في دنيا الأحلام، عليهم توقع حدوث أي شيء وفي أي لحظة.

في الوقت الذي تضمحل بها إنتاجات هوليوود سنة إثر الأخرى، بالأجزاء المكملة المكررة ومحاولات باهتة لإعادة إنتاج أفلام أوروبية وآسيوية مميزة، يتجرأ كريستوفر نولان بمعاملة الجمهور بذات الذكاء والنضج اللذان يتمتع بهما. ولاكتشاف قيمة الفيلم، على المشاهد أن يتفكر في صعوبة تركيب ونقل مثل هذه القصة على الشاشة، حيث يتطلب الأمر من نولان أن يبنى عالم من الأحلام يجمع بين مخيلته ومخيلة الجمهور، لا بل الربط بينهما حتى يجد القبول والتفاعل المرجوين. كل ذلك لكسب انتماء وفضول المشاهد إليه، فلا يمكن له أن يختلق أحلاماً تخلو من مواضيع تستفز عواطفنا ومشاعرنا سواءً عن الحب أو علاقة الأب بابنه.

بيد أن موهبة نولان لا تتجلى في خلق خرافات وأعاجيب بصرية يمكن لقسم المؤثرات الخاصة أن بتفنن ويشطح بها (وهذا ما اشتكى منه الكثير من النقاد الغربيين، أن نسبة الخيال فيه شحيحة بالنسبة لفيلم تدور أحداث في الأحلام)، بل إن بُعد نظره وبصيرته تُقاس كلياً في تحول فيلمٍ يُسهب بالحديث عن استخراج وزرع الأفكار من العقل والأحلام إلى حكاية تجسد ما يدور في كواليس ذهن الإنسان، تلك المعوقات التي يرفض التخلي عنها أو الإقرار بوجودها أصلاً، ليس فقط من خلال الدرجات المتعددة التي يغوص بها نولان ضمن الأحلام وحيويته الجادة في فعل ذلك، لكن أيضاً بموازنته بين جميع هذه القصص المتداخلة ووصوله لخاتمة تصف عبثية الحياة والخيط الشفاف بين الحلم والواقع. من المنعش فعلاً أن نشاهد مخرج بريطاني يعمل في النظام الهوليودي يحترم مخيلة المشاهد لإيصال أفكاره.

تركيبة الشيء والفكرة التي تبنى وتتطور عليها ضمن العقل هي ما يسعى نولان تصويره والوصول إليه سينمائياً. وهكذا فإن الصور الماثلة في الفيلم تستدعي تحليلات كثيرة وتستجوب وقفة متأنية حولها، وربما أكثر مما سيسترعي معظم النقاد، أو ما يسمح به النسق السريع للفيلم، وخاصة الدوافع التي حفزت نولان لكتابة مثل هذا السيناريو والخيارات البصرية التي فضلها عن غيرها. فانتبه مثلاً لتهدم المباني بشكل متوالي أو تتطابق الطرق على بعضها، الفوضى والتفجيرات وأعمال الشغب التي تعم الحلم الافتتاحي، الثلج الذي اكتسح أحد الأحلام الحساسة، الغرفة على شكل الخزنة التي ترقد بها إحدى الشخصيات. جميع تلك الصور موجودة لوضع المشاهد في عالم لا يملك أي سلطة فيه، لتوليد شعور بعدم الطمأنينة طوال الوقت. كما أن هذه التفاصيل والمعطيات الموجودة في الأحلام، لا تصف الحالة الشعورية والذهنية التي يمر بها الحالم أو القيود المهيمنة عليه فحسب، وإلا لما كانت مهمة كوب صعبة المنال، بل هي خطورة أن يتشارك مجموعة من الأشخاص داخل حلم واحد، لأن كل واحد منهم لديه خلفية ذهنية قد تتضارب مع الآخر. هنا يُبرر اختيار نولان لتشكيل فريق منوع الخلفيات ليساعد كوب في مهمته الأخطر هذه، فطالبة الهندسة لا تزال تكتشف هذا العالم وستنشئ متاهات خالية من منغصات العقل الباطن، ومنتحل الشخصيات يشكل عنصر الأمان للشخص المستهدف الذي يؤدي دوره كبوصلة تقدوهم جميعاً لتنفيذ مهامهم دون طلبه أو علمه بذلك، وهذا هو مفتاح عمل كوب ونجاحه ليستيقظ روبيرت فبشر من نومه بفكرة تبدو من محض إرادته.

وإن كان الفيلم متأثراً بأفلام مثل (مدينة مظلمة) و(ثلاثية الماتريكس)، سواءً بجوهر الأول أو تقنية الثاني، فهو على الأقل يغربل استخدام المؤثرات الخاصة للرمق الأخير، ويصور مشاهد الإثارة والخيال بأقرب وسيلة ممكنة من المنطقية والجدية المقبولة لموضوع الفيلم. المفاجئ، المخيب للأمل في الواقع، هي الطريقة التقليدية (المتعمدة منه) التي اختارها نولان لتقديم الحلم الرئيسي، فبالنسبة لمخرج عُرف بسرد المألوف بأسلوب غير ذلك، نجد أن بحث كوب عن أعضاء فريقه وتشكيله لهم ليس فيه من جديد عن أي فيلم سرقة معهود للجمهور. عدا عن ذلك، ثمة بعض العناصر الدرامية التي تفتقر للتوليف الصحيح، كعلاقة كوب بوالده، والطريقة سريعة الإقناع التي تدخل بها أريادني في الصورة لتمثيل وجهة نظر الجمهور في أعضاء الفريق، أضف إلى أن مشاهد الحركة تفتقد لما هو فعلاً ثوري أو مغاير عن ما رأيناه مسبقاً في سلسلة الماتريكس للأخوين واشوفسكي أو (القاتل الهارب) لريدلي سكوت (رغم أن الكثير منها صور بالكاميرات الحية حتى تلك التي تعرض آرثر يقاتل رجلي أمن في ممر الفندق مع توقف عمل الجاذبية).

وبما أن (استهلال) يعد من الحالات النادرة التي تعرض لنا فريقا محترفاً من اللصوص تسعى لزرع شيء جديد بدلاً من سرقته، كنت أمني النفس لو نهج نولان أسلوب آخر لسرد مواضيعه، فالمونتاج المتأرجح بين أربعة لقطات في وقت واحد يشوش تركيز المرء بطريقة سلبية، ولا يشبع المشاهد بما يراه من حركة أو دراما، بل أنه أضحى، في الكثير من الأحيان، أمراً مزعجاً ومبتذلاً عن الكثير من الأفلام الرديئة. لكن ماذا لو اختار المخرج أسلوباً أكثر تمهلاً وتأملاً لسرد قصته، فيسمح لنا بمساحة ذهنية أكبر للتفكر ملياً سواءً بالحبكة العاطفية بين كوب ومول أو المعالجة السريالية الشخصية بين روبيرت ووالده. علاقة الحب بين كوب ومول خصوصاً، وهي جوهر الفيلم، تستفيد من ذلك الصبر والشرح المركز المنشود. وبمساعدة تمثيل كل من ليوناردو ديكابريو وماريان كوتيار وكيليان ميرفي، نتفهم بأن فكرة المجسم ورمزه للتفريق بين الحلم والواقع في حركته وجموده، هو تشخيص مزدوج بين العنصرين المادي والإنساني، فالأحلام كما تراها عين نولان، تصور أسرار المرء الدفينة وأكثرها قرباً من قلبه، لذلك لا يتوقف المجسم فيها عن الدوران، حيث كل شيء وارد، بينما في الواقع حيث يتولى العنصر المادي زمام السيطرة، يتوقف المجسم لمحدودية احتمالات أحلام اليقظة وتحكم الإنسان فيها.

يثبت كريستوفر نولان هنا مرة أخرى بأنه راوي متميز للقصص، ومهتم عموماً بما هو غير تقليدي (تنقل في مواقع تصوير عديدة بين المغرب واليابان وكندا وفرنسا والولايات المتحدة لتأكيد ذلك، وفعل حسناً بتوظيفه المثير للموسيقى المبهرة من هانز زيمر) رغم هوسه المبالغ بعض الشيء بمقاطع الحركة ضخمة الإنتاج ضمن هذا العمل تحديداً، إلا أن الفيلم يمنح قدر هائل من المتعة والتشويق، فيشغل العقل والعين في آنٍ واحد. ما يوفره فيلم (استهلال) أكثر من أي شيء آخر أيضاً، وينجح إجمالاً بتقديمه في عصر بات الإبداع السينمائي أمراً صعباً حتى على الأساتذة من الكتاب والمخرجين والممثلين، هو محاولة بناء تجربة سينمائية ذات معالم خاصة من الصفر تذهب بطريقها لتتحدى من لديهم الرغبة والقدرة في معُاينة مضمون الحكاية وليس سطحها فقط، تذكر أنه سيناريو وحوار مبتكر كلياً، لا اقتباس واستناد ولا شيء من هذا القبيل، لذلك فإن أهميته ستزداد مع الشهور والسنوات القادمة لا محالة، حتى لو طفئت شمعته قليلاً بين فينة الأخرى. بيد أنني في النهاية، أشعر صدقاً، أن تحفة كريستوفر نولان الخالصة لا تزال عالقة بمكان ما في أحلامه. وقد يحتاج بدوره لعملية “استهلال” يجريها شقيقه جوناثان نولان كما فعل مسبقاً في (فارس الظلام)، أفضل أعماله حتى الآن.

 

Advertisements

6 thoughts on “Inception – 2010

  1. Cobb : I can access your mind through your dreams
    9/10
    افضل فلم للعبقري نولان لحد الان من وجهة نظري
    فلم مليئ بالاحداث والتفاصيل الرائعة والذكية ,
    اتفق معك في المشاهد الخاصة بين كوب ومول التي كانت سريعة ومتداخلة مع تفاصيل الاحداث المستمرة
    اعتقد عقلي كان في حالة شد عضلي لدبلجة وفهم مايحصل بسرعه
    فلم للتاريخ واخذ مكان ما في عقلي وأستمتع في كل مرة اعيد مشاهدة هذه التحفة
    كالعادة اخي مهند استمتع كثيراً في مراجعاتك المكملة للافلام تحياتي

  2. ياراجل حرام عليك دا فيلم جامد جدا انت ظالمه جدا ..وغير كده ليه بتقول دارك نايت افضل اعماله ..من وجهت نظري ان لولا ممثل الجوكر في الفيلم ده لاصبح عمل عادي جدا

  3. يا أهلا وسهلا أخي المحترم محمد ..
    في البداية أشكرك على المجاملة اللطيفة والعطرة في حق المدونة ..

    عموماً يبدو أن أُعجبت بالفيلم أكثر منك .. رغم أني أوافق ملاحظاتك حول نتيجة العمل ككل .. وموسيقاه فعلا تستحق الإشادة ..

    والعفو من شخصك الكريم 🙂 ..

  4. شكرا للأخ العزيز مهند على هذا الجهد الجبار..أعجبتني الجملة التي اختتمت بها مقالتك حول هذا الفيلم عندما قلت إن “تحفة نولان الخالصة لا تزال عالقة بمكان ما في أحلامه”. ولعلي لا أضيف جديدا إذا قلت إن خيبة الأمل هي الانطباع الأكبر الذي يخرج به المشاهد بعد أن كان منى النفس بوجبة سينمائية شهية. فلا الأداء مقنع ولا الحبكة محكمة. وربما كان ثمة عنصر واحد، برأيي، يستدعي الاهتمام: الموسيقى

    شكرا لك أيها الفاضل ويعطيك ألف عافية:)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s