مراجعات الأفلام

The Double Life of Veronique – 1991

“لطالما شعرت أني أعيش في مكانين.”

فرنسي بولندي نرويجي.

تتطلب الأفلام النادرة من المشاهد عادةً أن يُعطي اهتمامه الكامل للحكاية التي تروى أمامه، وذلك غالباً ما يحدث تلقائياً إن كانت الأحداث تتحتم عليه ذلك. غير أن فيلم (حياة فيرونيك المزدوجة) للمخرج كريستوف كيسلوفيسكي هو من الحالات التي تستجوب عاملاً أشد صعوبةً، على المرء أن يتمتع بحياةٍ مسهبة في التفكير والتأمل خارج سطور الفيلم ليقرأ سطوره الداخلية بأوضح صورة. فتجربة هذا العمل ككل لن تجد تواصلاً مشبعاً إلا مع أولئك الذين عرفوا أياماً عضال من التواصل الذاتي والاكتشاف الروحاني، ثمة شيءٌ حول الساعة والنصف الني نقضيها مع فيرونيك وفيرونيكا تجعلنا بين مد وجزر لا يمكن إنكاره حسب الخلفية الثقافية التي تمثل حضورنا في هذا العالم، فنقترب منهما ونبتعد، نستاء لغموضهما ونرتاح لمجاورتهما، ننفر من أفعالهما ونعذر حيرتهما. أمرٌ يشبه العلاقة الخفية الحاضرة بين فيرونيك وفيرونيكا وبين بولندا وفرنسا، تلك التي يعرفها كيسلوفيسكي كما جاء في الفيلم حسن المعرفة، فهو بدوره عرف حياةً زاخرةً باكتشافاتٍ ذاتية وروحانية خارج السينما وداخلها. نعم، أصبت، إنها حياة كيسلوفيسكي المزدوجة.     

 لم يقم كيسلوفيسكي بإخراج هذا لفيلم لفئة معينة من الجمهور، نحن في نهاية المطاف نتابع قصة لها بداية وحبكة وخاتمة، بشكل أو بآخر، لكن حاله كحال الكثير من الأفلام الخاصة لصانعها، تحمل في طياتها نسبة متفاوتة من الفعالية لدى كل مشاهد، يصف كيسلوفيسكي هذا الشيء في أدق تعبير: “(حياة فيرونيك المزدوجة) يُناقش أموراً لا يمكن تسميتها، فإن فعلت، ستبدو غبيةً وخاوية من الأهمية.”. تلك الحياة الغنية للمرء تختلف بدرجاتها وبمعانيها، وبالتالي ستختلف نظرتنا حول قيمة ما نراه على الشاشة؛ حيث أن الكثير من مشاهد القصة تظهر كتلك اللحظات الصغيرة التي من الممكن أن نمر أو مررنا بشاكلتها مع أنفسنا، دون أن نشرك بها أحد، لا للعيب ضروري فيها، إنما لأنها تُنطق بلغات وكلمات وحروف لن تجدها إلا عند صاحبها. دائرة فكرية وشيفرة خاصة للغاية نُشكلها في باطن عقولنا أثناء الثواني المعدودة قبيل أو بعيد نهوضنا من الفراش أو عبر نظراتنا من زجاج النافذة، وخلالها فقط نتحرر في البحث والسؤال عن نظيرٍ شخصي لنا، هل أنا الوحيد في تأملي هذا، أم أن وحدتي لها نصفٌ ثانٍ مكمل؟     

 كتب ستانلي كوبريك في مقدمة كتاب “الوصايا العشرة” الذي وضعه كل من كريستوف كيسلوفيسكي وكريستوف بيزيوفيتش: “أتردد دائماً في الحديث عن خاصية واحدة حول فيلم ما من أعمال صانع أفلام مهم، لأن ذلك سيعمل حتماً على تبسيط وتقليص قيمة العناصر الأخرى فيه. لكن في كتاب السيناريوهات هذا الذي خطه كريستوف كيسلوفيسكي وزميله كريستوف بيزيوفيتش، تصح الإشارة إلى أنهما يملكان الميزة النادرة في عرض أفكارهما بأسلوب درامي عوضاً عن القيام بمناقشته فحسب. وعندما يوصلان نقاطهما عبر الأحداث الدرامية للقصة فهما يحصلان على القوة الإضافية في السماح للجمهور أن يكتشف بنفسه ما يحدث فعلاً بدلاً من أن يتم تلقينهم بذلك. أضف إلى أنهما يقومان بذلك بمهارة باهرة لدرجة أنك لا تتوقع أبداً قدوم هذه الأفكار ولا تدرك إلا بعد مرور وقت طويل كم رسخت هذه النقاط في أعماق قلبك.”.

 خاصية اكتشاف الجمهور للأحداث هذه التي يتحدث عنها كوبريك جعلته يهجر الولايات المتحدة منذ أوائل مسيرته والعيش والعمل من بريطانيا هرباً من سمة التلقين التي تنضح بها السينما الأمريكية. ففي الوقت الذي تعمد به بعض تلك الأفلام على توفير تجربة مريحة سهلة الهضم للجمهور وتجهد في تلقينهم كافة الأجوبة حول قصة الفيلم وحول الحياة، نجد في سيناريوهات كيسلوفيسكي والعديد من الأفلام الأوروبية الهامة أنها تسعى لابتكار “شعور” أو حالة محددة تدمج المشاهد فيها بإرادته ودونها، كأداة للتعبير عن خلجات الاجتماعية للبشر ما بين الواقع الملموس للمرء والواقعية السينمائية. (حياة فيرونيك المزدوجة) لا يقدم حلولاً بمعلقة من ذهب، المغزى من إنتاجه هو وصف أسلوبي من كيسلوفيسكي حول لا محدودية الاتصال البشري وحاجة الإنسان لنقل مشاعره المكبوتة في داخله للإنسان الآخر.

 مشاهدة الفيلم، عدا تلك المقاطع الإباحية، لها وقعٌ كسماع المرء لمعزوفة طويلة متواصلة، تلحن قصةً تعرفها عن ذلك الشعور الموحش الداخلي والسري للإنسان، وهذه المراجعة هي كحال الفيلم ليست بصدد عرض حبكة بالمعنى التقليدي للكلمة، لأن (حياة فيرونيك المزدوجة) ليس تقليدياً بشيء من الناحية القصصية. فأول إنجاز يحقق المخرج هنا يمكن في اختياره سرد هذه الحكاية بنفس الإحساس البعيد القريب بين فيرونيك وفيرونيكا وبلديهما، وبيننا ونحن نتابع تفاصيل حياتهما المتماثلة والمتضاربة في نفس الوقت. افتتاحية القصة نفسها تحكي منظوراً “مقلوباً” للأشياء، أضواء الطريق تمسي نجوماً، والسماء تتحول إلى ضباب، والنظر لورقة الشجر بالعدسة المكبرة، ونشهد هذه اللحظات بين عيني طفلة شقراء جميلة، حيث ومضات من الجذور والبراءة والغموض تلمع من مشهدٍ يقترح بخفية أن هذه الطفلة هي المفتاح والأساس لمخيلة فيرونيكا وفيرونيك. وخلال استعراض طاقم الفيلم، نلمح سير فتاة، نعلم لاحقاً أنها فيرونيكا، التي تصطدم بأحد المارة وتسقط منها النوتات الموسيقية. ثم نتعرف على حياة كل من فيرونيكا وفيرونيك والموت والحياة بين بولندا وفرنسا على التوالي.

 يستمر ذلك الإطار المقلوب والمكبر للأشياء يرافق الشخصيتين في معظم الأحيان، عبر تلك الكرة الزجاجية التي يملكانها وتجاورهما أينما ذهبا أو عدسة المكبر أو حتى نظارات والد فيرونيكا وسيجارة فيرونيك المعكوسة. ثمة عرض مزدوج لشخصيتها في العديد من المشاهد سواء عبر الزجاج أو المرايا أو الظلال. كلتا الفتاتان يشتركان بعدة خصال واضحة، محبة الغناء والموسيقى، وعلاقة وطيدة حميمة تجاه أبيهما دون وجود أمهما، وتقرب طائش من الرجال ومعاشرتهم بهدف العثور على ذلك التواصل الضال الذي يبحثان عنه، والرغبة في مساعدة الآخرين (وتشقق في الشفاه). تتسم فيرونيكا التي تعيش في بولندا بشيء من المراهقة، وبمنظور حالم للأشياء، فتتخيل غبار السقف وكأنه مطرها الملهم، وشغفها في الغناء والتعلق فيه يبدو أحياناً وكأنه سيقتلع فلبها من مكانه، وتؤدي تجاربها حتى تنفذ الأنفاس من صدرها. ويستخدم كيسلوفيسكي ذلك الاصطدام الصغير ليؤخر سير فيرونيكا فتتمكن من مشاهدة فيرونيك التي كانت تلتقط صوراً لإحدى المظاهرات، وهي امرأة بخلقة تطابق ملامح وجه فيرونيكا إلى حد عجيب.

 وبينما يتبين لنا أن فيرونيكا تبحث عن دلالات عن وجود نصفها الآخر في الاستماع للموسيقى وغنائها، تلقى حتفها وهي تغني في حفلها الكبير الأول، ثم ننتقل إلى فيرونيك في فرنسا، بصحبة أحد الرجال، إلا أن مزاجها ينقلب فجأةً إلى حزن ساكن وتفضل البقاء لوحدها، وكأن موت فيرونيكا بشعرها بخسارة شيء ما فيها. فيرونيك قصيرة الشعر تتخلى عن الغناء لتمارس تدريس الموسيقى، وتقابل فناناً بتحريك الدمى وتتعلق به أثناء عرضه الذي يدور حول راقصة باليه تموت وهي تمارس وصلتها قبل أن تتحول روحها إلى فراشة وتغادر المكان، حينها تلتقي عين فيرونيك بعين محرك الدمى عبر المرآة، جميع الأطفال يتابعون الأحداث، بينما فيرونيك تتابع صانعها وكأنه يحركها من الداخل. تبدأ من هذه النقطة باستلام مجموعة من الطرود مجهولة المرسل، وحينما تُبلغ أنه كاتب لقصص الأطفال، تنهمك بقراءة كتبه وتعجب بها. يستخدم محرك الدمى هذه الطرود كإشارات تساعد فيرونيك في البحث عنه والاجتماع به، وهي بدورها لا تكل عن ذلك حتى تجده وتلاقيه لشرب القهوة، لكن هل وجدت ضالتها وحبها في هذا الرجل فعلاً؟

 الإنجاز الثاني الذي حققه المخرج في هذا الفيلم، إضافةً لذاك التنحي المتعمد منه في ركن دوافعه السياسية كخلفية وراء الأحداث، هو أن كيسلوفيسكي لا يجعل من القصة تبدو كأحجية أو لغز بقطع متناثرة كي يلتقطها ويجمعها المشاهد للحصول على مغزاه، إنما يصوره بالضبط بشعور التأمل الذي يعتري بطلتيه طوال الوقت، ليس على المتابع سوى أن يُسلم نفسه للصور الماثلة أمامه، حيث أنها ستحمل معنى مختلف لدى كل فرد في الجمهور. أساليب الكاميرا المستخدمة هنا ليست لجذب اهتمام المشاهد بهدف القول “أنا صانع أفلام مثقف فانتبهوا”، أو لتحويل المشاهدين إلى أطباء نفسيين أو محليين سياسيين، ثمة هدف محدد لها ألا وهو رسم ذلك الشعور المؤجج بالفضول والحيرة والبحث داخل أوصال فيرونيكا وفيرونيك والإنسان بشكل عام، وكان من المحتم على كيسلوفيسكي وهو فنان صاحب أسلوب أن يعبر عنها بطريقته الفلسفية هذه والتي تقبل احتمالات لا تنتهي.

 تقوم فلسفة كيسلوفيسكي في هذا الفيلم على الأمور التي بات يأخذها الإنسان كمسلمات يعيش معها يومياً لكن قلما يوظفها لصالح سبب وجوده في الكون؛ كمثل الحياة بعد الموت الموجودة في مشهدي عرض الدمية الراقصة وتحولها إلى فراشة وحياة فيرونيك بعد موت فيرونيكا، حيث أن المخرج لم يقم بتصوير قصتهما على شكل متزامن مشهد بمشهد، بل بتأثير حياة على أخرى والصلة المبطنة بينهما. كما أن النزعة الإنسانية بين البشر تقوم كما نعرف على طبيعة تكويننا وتقومينا الحسنة من الله عز وجل في هذا العالم، ونجد دعوة واضحة في الكثير من مواقف الفيلم للتأكيد على أن المثالية تقوم وفق محتوى العقل والأفكار وليس من الأشياء المادية الملموسة، وعليه جاء الاستخدام المكثف للموسيقى والغوص في معاني تمعن النظر في الأشياء بطرق مختلفة، كالأضواء والمباني والزجاج والشجر والبشر، بيد أن النشاط المادي للمرء يجعله يرى الأمور بطريقة أكثر جفافاً وأقل إلهاماً. ونلاحظ كذلك أن بطلتي الفيلم يتسمان بسعي متواصل لاكتشاف هويتهما من خلال خاصية الشكوكية الفلسفية التي تقوم على معرفة حقائق الأشياء الذاتية والخارجية، بيد أن ميزة الفيلم تكمن كما هي تلك النظريات، بأن وجه حقيقة الأشياء التي يُعنى بها الشخص في الحياة لا يمكن التعبير بل الشعور فيها، فماذا تستطيع أن تسمي المكان الذي تذهب إليه وأن تسمتع لموسيقاك المفضلة والمؤثرة؟

 سأكون مجرماً في حق الفيلم لو استطردت وأطلت في الحديث عنه، أو أن يقوم أي كاتب أو ناقد بإعراب مشاهده على أنها تحمل بُعداً واحداً أكيداً، فبطلتي الفيلم نفسهما لم يصلا لذلك، تماماً كحال معترك الحياة التي تكشف عن احتمالات متعددة في نظر كل إنسان.  

لتحميل الفيلم (تورنت)

Advertisements

6 thoughts on “The Double Life of Veronique – 1991

  1. شكرًا لك عزيزي على هذة المقالة واسعة …… الان اني أظن ان فية إسهاب كبير في سرد متكرر لكن الفيلم حسب ظني هو ليس الا مجموعة من لوحات تسلسل مشكلا لوحة واحدة الا وهو ما يعني انا ؟؟؟وحسب دولوز فنان المفقود في الفيلم هو عدم وجود المفهوم …..وبالتالي يبقى سؤال الفيلم ما هو هذا المفهوم الغائب والذي يتم ابداعة من خلال متوالية الصورية للفيلم

  2. الله على قراءتك يا مهند ، فيلم مُلهم ، بحقّ سطّر كيسلوفسكي اغلب جوانب الحياه في هاتين الشخصيّتين ، و ابدع في ذلك
    ممتع يا مهند ، وجميل هوَ الفيلم

  3. بعد تالث مشاهدة لهذا الفيلم لازلت اجزم ان كل ذلك” التفكير والتأمل خارج سطور الفيلم ” لم يصل بي الى ما اراد كيسلوفيسكي ان يوضحه …مايجعلني في حنين دائم لإعادة المشاهدة …شكرا اخي مهند

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s