كلاسيكيات / مراجعات الأفلام

The Silence of the Lambs – 1991

اللقاءات الأربعة بين هانيبال ليكتر وكلاريس ستارلينغ

”People will say we’re in love.”

بقلم مهند الجندي.

تتأهب والخوف عن شمالها، بينما يتربص الترقب عن يمينها، ووقع ما سمعتهُ للتو من وصفٍ مفزعٍ عن حقيقته لا يزال صداه يتردد في إذنيها: “إنه وحش، ومختل عقلياً”. يُكمل هذا المشهد خطاه مصوراً كلاريس ستارلينغ تهوي في قعر الجحيم لتلاقي الشيطان لأول مرة: الطبيب النفسي هانيبال لكتر. ولأن عبقريته المشوبة بهول الدماء تقتضي عقلاً مدبراً وسريع البديهة ليبحث عن مفاتيحها وينصفه حقه، نكتشف في فيلم (صمت الحملان) للمخرج جوناثان ديمي أن اللقاءات الأربعة التي تجمع بينهما قد أعادت الروح إلى جسد لكتر وأعطته دافعاً وسبباً مجزياً ليتنفس الهواء مرة أخرى “لما لا تنظر لنفسك وتسجل ما تراه؟ أم لعلك تخشى فعل ذلك؟” تقيّده فطنتها وتأسره صراحتها متسلحةً بأصفاد طفولتها، قبل أن تطلق سراح دمعته، حينها فقط، لا تخشى من إبرام صفقة إنسانية في مخدع الشيطان، بلمسةٍ واحدة.

الإنسانية هذه هي القلب الذي ينبض منه الفيلم والسبب وراء فوزه عن استحقاق بخمس جوائز أوسكار رئيسة (أفضل فيلم وإخراج وممثل وممثلة وسيناريو مقتبس)، فـ(صمت الحملان) يعد من الأدلة الشحيحة على كلاسيكية السينما الأمريكية المعاصرة عن غيرها في مقدرتها على نقل الصور الروائية عموماً وتجسيدها بذات الحياة التي يمكن تخيلها عند القراءة، وفي هذه الحالة من خلال كتابة صاحب الرواية ثوماس هاريس على وجه الخصوص بعيد صدورها عام 1988. تدفعنا الرمزية التي تفوق جوناثان ديمي على نفسه في التقاطها وتقديمها مستنداً على سيناريو تيد تالي لأن نهتم بأمر الشخصيات التي نراها، وبالتالي فهي أهلٌ لأن يدرسها كل مخرج جديد أو أي مهتم حقيقي لمعرفة شأن الأفلام والفنية الخفية التي تقوم عليها الصناعة السينمائية الجديرة بالمشاهدة؛ الافتتاحية الأولى للأحداث وكلاريس تجري تمريناتها البدنية الاعتيادية بين الأشجار والعقبات العسكرية المعتادة تعطي تلميحاً لمفهوم “تخطي الصعاب” الذي لازم طفولة كلاريس ولا يزال يؤرق يومياتها، فيتبين لنا أن جميع اختياراتها في مرحلة البلوغ هي ردة فعل مباشرة لما شهدته في نعومة أظافرها، بدءً من عملها بمكتب التحقيقات الفيدرالي وأعين الرجال تطوق يومياتها كإشارة لمنظور كلاريس حول عائق صعود الدور “الأنثوي” في مهنةٍ للرجال (أنثوي وليس النسائي لوجود فرق طفيف)، وصولاً إلى سعيها الشغوف للقبض على القاتل المتسلسل بوفالو بيل الباحث عن تحوله وتغيره الجسدي والنفسي، كحالها أيضاً.

من متدربة إلى عميلة، ومن فراشة إلى امرأة كما يوضح غلاف الفيلم. يشرح سؤال هانيبال لكتر المنطقي ذلك عند اقتراب نهاية الفيلم “هل توقفت الحملان عن الصراخ؟” هل لمست كلاريس ذاك التغيير المنشود؟

كلاريس ستارلينغ (جودي فوستر) طالبة طموحة ومتقدة الذهن تتدرب في أكاديمية الشرطة وتسعى لأن تصبح عميلة في مكتب التحقيقات الفدرالي. يوكلها رئيسها وأستاذها السابق جاك كروفورد (سكوت غلين) بمهمة استجواب رجل مختل يدعى هانيبال لكتر (أنثوني هوبكينز) في زنزانته الزجاجية التي يشرف عليها الدكتور فريدريك شيلتون (أنثوني هيلد). لكتر هو طبيب نفسي فذ على مستوى العالم تحول إلى آكل للحوم البشر (واسمه يعبر عن هذه الصراعات المتحملة بوضوح “الطبيب المحاضر آكل لحوم البشر”). سرعان ما يدرك لكتر حيلة كروفورد: فهو يستخدم ستارلينغ كطعم على أمل أن تستدرج بعض المعلومات حول القاتل جيم غام (تيد ليفين). ينشأ بين لكتر وستارلينغ رابط وثيق وغريب، ومع تتطور علاقتهما يتفقان على تبادل المعلومات مقابل حصول كل واحد منهما على خدمة شخصية من الآخر: يقدم لكتر لها المساعدة في قضية القاتل على أن تعترف له بمتاعبها الشخصية. غير أن هروبه من السجن يجعل من كلاريس تعمل وحيدة، وتطرق باب منزل القاتل دون علمها بذلك، ويصل الفيلم إلى الذروة عند محاولة ستارليغ بمطاردة هذا القاتل المتخنث المعروف بلقب بوفالو بيل.

يتضح من الطرق المختلفة التي يصور بها المخرج جوناثان ديمي اللقاءات الأربعة بين كلاريس ولكتر تفهمه العميق لأمرين مهمين، أولاً: كلتا هاتين الشخصيتان بحاجة للتمعن بتاريخهما المليء إما بالأحزان أو بالجنون أو بالعبقرية، وحاضريهما الذي يعتمدان فيه على بعضهما كي يمضيان قدماً إلى المستقبل. ثانياً: سعة مخيلة ديمي وعنايته بالتفاصيل العامة لهذه المشاهد كألوان الإضاءة وإبراز توتر ومعنى كل لقاء منهم على حدا، بهدف شرح النتائج التي ستترتب من المزج بين تحقيق كلاريس وتحليل لكتر النفسي في قضية بوفالو بيل؛ حيث نشعر من حواره مع كلاريس ومساعدته لها بأن لكتر بات طليقاً من حبس زنزانته لأول مرة، ويعدو خارجها بمخيلته ليرى الحمل الذي لم تتمكن من إنقاذه في طفولتها، وبالتالي ينقذ نفسه ليشعر بالإنسانية مجدداً.

ويتعمد تيد تالي مستعيناً بوصف رواية ثوماس هاريس على تقديم أول لقاء بينهما بتحضير متقن ومتأني ليهيئ المشاهدين لرؤية هانيال لكتر لأول مرة، فالعالم السفلي الذي يعيش فيه الآن حبيساً بين جدران جرائمه وجنونه يظهر لنا وكأن كلاريس تغرق بأنفاسها في بحر الظلمات واللون الأحمر يغمر الشاشة بحثاً عن استشارة تسهم في القبض على قاتل متسلسل من آخر على شاكلته. تمثل شخصية كلاريس وهو تسير لملاقاته بحالتها كامرأة ومتدربة شابة كافة المواضيع التي يناقشها الفيلم ضمنياً، فذكرياتها القديمة المؤلمة وشغفها لإثبات نفسها في مجال العمل الذي أودى بحياة والدها يقترح بالفعل أن كلاريس ربما لا تزال بحاجة حتى هذا اليوم إلى علاج نفسي يداوي ما شهدته في الماضي، وبذلك فإن “التغيير” الجنسي الذي يشغل بال بوفالو بيل مشيراً له بواسطة شرنقة الفراشة يعبر أيضاً عن مراحل نمو و”تغير” شخصية كلاريس بدءً من دخولها إلى عالم لكتر. وتكمن المفارقة بنوع الفراشة التي يعتني بها، وهي تحمل اسم Acherontia styx وتمتاز بالمقدرة على إخراج رائحة مطابقة لرائحة النحل كي تتمكن من التسلسل إلى الخلية وسرقة العسل منه، وهو الأمر الذي ينطبق على أفعال بوفالو بيل الذي يرتدي بدوره الملابس نسائية والماكياج ويحترف الخياطة ليتسلسل بائساً إلى خلية النساء المجازية ولتخرج منه رائحة الأنوثة.

تتجلى إنسانية الفيلم أيضاً في الحقائق المتعارف عليها عن الطبيعة الخلقية المتباينة بين الرجال والنساء، وكذلك في الفوارق الفطرية بين الجنسين. يصوغ (صمت الحملان) فكرة أن هؤلاء القتلة الذكور بقوتهم الجسدية وذكائهم العقلي قد تشكلوا وكبروا بنفس الظروف الاجتماعية المروعة التي أحاطت بكلاريس وأنوثتها، بيد أنها اختارت أن تتحدى هذا المعترك على أن تسلم أمرها للجنون (يعي لكتر هذه الحقيقة وهو الأمر الذي يبكيه)، فعجزها عن إنقاذ الحمل من الذبح وفقدانها لوالديها لم يتبدل أو يصمت صراخه إلا عندما تمكنت من لعب دور أولئك الرجال خلال المشهد الذي تنقذ به امرأة أخرى من هذا القاتل الذكر؛ حينها فقط تحتم عليها الأمر أن ترمي منديل الأنوثة بضعفها وحساسيتها وعطفها لتعتمر خوذة الرجل بطاقته وتدبيره وتصميمه.

يصور جوناثان ديمي هذه اللقطة باللون الأخضر تحت منظار بوفالو بيل الخاص بالرؤية الليلية كأداة استعارة وتشبيه للون الغابة العشبي والتي شهدت محاولة كلاريس الصغيرة بالفرار والحمل بين ذراعيها، تذكر هنا تحديداً وقوف كلاريس في الغرفة الثانية لمنزل بوفالو بيل، وتمعن في الطريقة التي تحوم بها الكاميرا كالفراشة إلى يمين كلاريس فتلتقط صورة هي كذلك لفراشة مرسومة ومن ثم تتابع الكاميرا رفرفتها بين أرجاء المكان، وبينما نناظر تأملها في محتويات الغرفة ترمق مقلتاها أدوات الخياطة فتلمح نزول إحدى فراشاته على بكرة الخيوط، وإذ بها تعطي كلاريس الإشارة النهائية لتشهر مسدسها وتنهض لمواجهته بثورتها الذكرية فتهبها سكينتها النفسية الضالة إلى الأبد.

استخدم المخرج في اللقاء الأول بين كلاريس ولكتر إضاءة كافية وطبيعية، فيشرع لكتر بعرض آرائه حول كلاريس “تبدين لي كفتاة ريفية بسيطة” بيد أنه يجدها أوعى وأبعد تفكيراً مما تصور خاصةً بتحرياتها وفق المعلومات الغامضة التي يزودها بها وصراحتها بالتعامل معه بغض النظر عن مشاكله (لاحظ تعابير وجهها عندما يذكر لها أنه لم يحتفظ بحياته بأي تذكار من قتلاه: إنها تفكر بأسلوب قتله كتقنية عمل دون الحكم على شخصيته، حسب النظرية أنك إذا فهمت نمط عمل المرء ستفهم بالتالي طباعه الحقيقية التي تدفعه لذلك أساساً).

يختار جوناثان ديمي في بداية اللقاء الثاني إضاءةً أكثر عتمة مع تصاعد احتدام الأحداث وظهور أدلة جديدة “سأساعدك في القبض عليه يا كلاريس” حيث نعلم أن لكتر كذلك يتمنى “التغير” والحصول على إطلالة يتمكن من خلالها رؤية شجرة ما أو نهر بعيداً عن هذه الزنزانة التي يقبع فيها تحت عذاب الدكتور شيلتون منذ ثمان سنوات.

غير أن اللقاءين الثالث والرابع هما الأكثر تعقيداً وأهمية وأكثرهما جمالاً في التصوير؛ فمن النادر جداً أن نتمكن كمشاهدين من مصافحة يد الذكاء السينمائي عبر الشاشة. إن سر إعجابنا بشخصية مختل عقلي وقاتل مثل هانيبال لكتر يعود لسبب أنه من الشخصيات الشريرة القليلة التي تهتم بالجانب الإنساني والعقلي، نلحظ أنه يصب تركيزه في الحديث عن متاعب وآلام كلاريس، نشعر بصراعه الداخلي كطبيب التهم نفسه أولاً وأضحى آكلاً للحوم البشر. فهو ليس بطلاً سينمائياً اعتدنا على تقدير إنجازاته المغوارة، بل هو رجل مثقف ورسام وصاحب مخيلة ثاقبة وعلى دراية بأن قوة البشر لا تنجم عن عوامل وراثية أو إثر محسوبية ما أو حتى ثروة مادية بقدر ما تنبعث بجوهرها من العقل البشري وإمكانياته غير المحدودة للوصول إلى ما يشاء.

يُزاوج لكتر أيضاً ما بين الغرائز الحيوانية والذوق البشري الرفيع، لأنه يتذوق الموسيقى ويعرف طعم أشهى وأرقى أنواع الطعام والشراب (راجع المشهد الذي يقتل به الشرطيين، يبدو وكأنه يضربهما بعصا قائد الأوركسترا، ويصغي لأنغام الموسيقى متخيلاً نفسه يتمشى برفقة كلاريس على تلك الإطلالة التي أوهمته بها) إلا أنه بنفس الوقت لا يردع نفسه من تناول من يزعجه على العشاء؛ وعليه، بطريقة أو بأخرى، نجد أنفسنا متأرجحين بين حبنا وكرهنا له، فنتقبل هروبه من السجن سراً لأنه في النهاية وفى بوعده لكلاريس وساهم بالقبض على بوفالو بيل وأسكت صراخ حملها الوديع.

انتبه لأداء الممثل أنثوني هوبكينز عند بداية اللقاء الثالث، نسمع صوت أنفاس لكتر وهو يطرب على أوصاف الجزيرة التي سيذهب إليها إذا تمكنت كلاريس من القبض على بوفالو بيل من خلال مساعدته. يوظف المخرج جوناثان ديمي طوال أحداث الفيلم تقريباً بصمته الشهيرة بوضع وجه الممثل بأكمله أمام الكاميرا على أنه يقر ويعترف مجمل جراحه وخطاياه، ولغة جسد هوبكينز هي المستفيدة الأكبر من هذه الخاصية. دقق في أوصاف أنفه وحركات يديه وثبات رموشه وعينيه، والطريقة التي يغير بها نبرة صوته وفقاً للجملة التي تخرج منه؛ فحديثه العلمي يمتاز بالصوت الجهوري وكأنه يخاطب طلابه في قاعة المحاضرات، أما إعجابه بصراحتها يتسم بالخجل والفضول والتفهم المركز “أنتِ صريحة جداً يا كلاريس… أعتقد أن التعرف عليك في الحياة عن قرب سيكون أمراً رائعاً”، أو كذلك في اللحظة التي يشيح بنظره عن كلاريس عندما يطلب منها الحديث عن حياتها الخاصة، فنلمس القليل من العذاب الذي تعرض له شخصياً.

يتجلى تعريف الإنسانية المذكورة في بداية المراجعة ضمن اللقاء الرابع والأخير بينهما، “كلاريس الشجاعة، ستعلمينني عندما تكف تلك الحملان عن الصراخ، أليس كذلك؟” فالمشهد بإنارته الساطعة يسلط الضوء على أصل ومحرك الأعمال التي يقوم بها القاتل المختل، وما هي الرغبات والحاجات التي سيشبعها بأعماله الرهيبة والفظيعة هذه. يتطلب (صمت الحملان) ساعات عدة من التحليل للوقوف على كافة جوانبه الفنية والأدبية والسينمائية، يكفي أنه يعرض هوس المجتمع الأمريكي في تتبع حال القتلة المتسلسلين المختلين والعودة إلى الجذور التي عجنت طينتهم هذه، والأشخاص المشرفين عليهم أمثال كروفورد وشيلتون، ورغبتهم المستترة في السيطرة وشهوة الاقتراب من كلاريس بأي طريقة.

لقد رسخت شهرة الفيلم في ذهننا لدراسته المبطنة حيال الاضطراب النفسي واستحالة نسيان مشاهدته بفضل براعة صناعته كفيلم رعب وإثارة، ولانطوائه أيضاً على علاقة الأب والبنت والأستاذ والتلميذة التي تجمع بين كلاريس ولكتر “الناس ستقول أن بيننا علاقة حب”، وهي فعلياً العلاقة التي تشرح رسائل (صمت الحملان) بحزمتها الغليظة والغزيرة، وتُسفر عن فيلمٍ سينمائي كلاسيكي معاصر لا يكف ولا يصمت عن الإبهار المتواصل حتى بعد مرور 20 عاماً تقريباً على تاريخ صدوره.

Advertisements

2 thoughts on “The Silence of the Lambs – 1991

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s