مراجعات مترجمة

Synecdoche, New York – 2008

اختيار الناقد روجير إيبيرت كأفضل فيلم للعقد الأول من الألفية

“I know how to do the play now. It will all take place over the course of one day. And that day will be the day before you died. That day was the happiest day of my life. Then I’ll be able to live it forever.”

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

أعتقد أن عليك مشاهدة فيلم (نيويورك مجازاً) للمخرج تشارلي كوفمان مرتين، شخصياً شاهدته المرة الأولى وعرفت حينها أنه فيلم عظيم وأنني لم أتشربه تماماً. شاهدته المرة الثانية لأني كنت بحاجة لذلك، والمرة الثالثة لأني أردت ذلك. سيبقى عملاً حاضراً لإرباك المشاهدين وسيعيش إلى الأبد. كثير من الناس هذه الأيام لا يتوجهون لمشاهدة أي فيلم على الإطلاق، ثمة وسائل أخرى تغنيهم عنها. إنما علينا أن نحلم بطريقة ما، وليس من الضروري أن نختار الأفلام لفعل ذلك. لكن إن لم “نلجأ للأفلام” بأي نوع منها، فهذا يعني أن عقولنا ستذبل وتمرض.

يتمتع هذا الفيلم بالعمق الذي يمتاز به الأدب الأشهر، تماماً مثل رواية “ساتري” للكاتب كورماك مكارثي التي أذكرها دائماً؛ فلا يتوجب عليك العودة مراراً لمشاهدته كي تفهمه، بل أنت مضطر للعودة لتدرك كم هو فعلاً عمل مميز. قد يثبط شكل الفيلم من همتك، أو يربك مضمونه، إلا أنه يشرح نفسه كوحدة واحدة، وحينها قد تعود لمشاهدته مرة أخرى وتشعر أنك طلسم.

لما يسرع الناس لمشاهدة أفلاماً يعرفون مسبقاً أنها رديئة، وبنفس الوقت يخشون من الذهاب لفيلم يعتقدون أنه جيد؟ موضوع فيلم (نيويورك مجازاً) يجسد تماماً الحياة البشرية وطريقة عملها. باستخدامه لمخرج مسرحي من المنطقة الشمالية في نيويورك، وعرضه لكيفية سير كل حياة وكيفية تأقلمها وفشلها. فكر بالمسألة قليلاً، يا إلهي، ستجد أن الفيلم يتحدث عنك، مهماً كنت.

إليكم الطريقة التي من المفترض أن تسير بها الحياة. نحن نعبر عن ذاتنا ونظهر إلى العالم. ونحاول أن نحقق رغباتنا. ثم ننطوي على أنفسنا وبعدها نموت. يقدم هذا الفيلم حياةً تكبر بعمرها من الـ40 إلى الـ80 وفقاً لهذا المقياس.كايدن كونارد (فيليب سيمور هوفمان) مخرج مسرحي بكل ما تحتويه وظيفته من معوقات ورثاء للذات وعظمة وبرود وغرور وخوف. بكلمات أخرى، قد أكون مثل كايدن، أو هو مثلك. الوظيفة والاسم والمعترك والجنس والبيئة جميعها تتغير. أما الشخص فيبقى نفسه إلى حد كبير.

وإليكم تفسير ذلك. نحن نقرر القيام بأمر ما، إن حالفنا الحظ، أو فعل شيء نحتاجه، إن كنا مثل معظم البشر. فنستخدمه كوسيلة للحصول على الغذاء والمسكن والملبس والرفيق والراحة وقراءة أول صفحة لنا من شكسبير وألعاب الطائرات ودمى الفتاة الأمريكية والقليل من الأرز والجنس والعزلة ورحلة إلى البندقية ومنتجات شركة نايك وشرب الماء وعمليات التجميل ورعاية الطفل والكلاب والدواء والتعليم والسيارات والترفيه الروحاني، وكل ما نعتقد أننا بحاجة إليه. ولكي يتمكن من تحقيق ذلك، نمثل دوراً نطلقه عليه “أنا”، كمحاولة لتنصيف أنفسنا كشخص يمكن له، ويفترض منه، أن يحصل على هذه الأمور.

وخلال ذلك، نضع الأشخاص المحيطين بحياتنا ضمن تصنيفات ونملي عليهم كيفية التصرف لخدمتنا أو لصالحنا. ولأننا لا نقدر أن نجبرهم على التصرف وفق رغباتنا، نقوم بالتعامل مع صورهم الخيالية التي نبتكرها في عقولنا. غير أنها ستكون صورة متناقضة لنا وذات إرادة مستقلة خاصة بها. وما سيحدث في النهاية أن صوراً خيالية جديدة عنا ستتعامل مع صورة خيالية عنهم. وأحياناً تختلف صورنا الذاتية مع بضعها البعض. فنستسلم للفخ، لكن هل من بديل؟ إن حالتي في الحضيض. فأندم. وأعيد المحاولة مرة أخرى.

تذكر هذه الفكرة ودعها تتفاعل مع العمر والإحباط والحكمة الأسمى والمزيد من القلق. ستفهم ما يحاول هذا الفيلم قوله عن حياة كايدن كونارد وحياة من هم حوله. تشارلي كوفمان هو من الكتاب المهمين القلائل الذي يجعلون كتابة السيناريوهات أشبه بمحيطهم الخاص، إلى جانب ديفيد ماميت. وهي أمرٌ يختلف عن صفة الكاتب العظيم (فولكنر وبنتير وكوكتو) الذي يكتب السيناريوهات، فكومان يكتب على مستوى الروافد العليا التي تصل لمستوى كتابة برغمن. والآن، لأول مرة، يخرج كتابته.

من الواضح أن العقل هو شغله الشاغل، وحبكته الوحيدة هو كيف يتخاطب العقل مع الواقع والخيال والهلوسة والرغبة والأحلام. وإلا عن ماذا كانت تتحدث أفلامه الأخرى إذا؟ “ذاتية جون مالكوفتش” و”سعادة أبدية للعقل النظيف” و”اقتباس” و”طبيعة الإنسان” و”اعترافات عقل خطير”. أسلوبه واضح. في أحد أفلامه، يدخل الناس داخل عقل جون مالكوفيتش، وفي فيلم ثانٍ، كاتبٌ يراقب شقيقه التوأم وهو ينجز ما يعجز عنه هو. وفي ثالث، مقدم لبرنامج إعلان يعمل كجاسوس دولي، أو يعتقد أنه جاسوس. وفي “طبيعة الإنسان” يقوم رجل كانت قد تشكلت طفولته على يد والديه المستبدين بتدريب فئران بيضاء على الجلوس حول طاولة صغيرة وتعليمهم كيفية استخدام الأواني الفضية المناسبة دائماً. هل السلوك أمر مكتسب أم ملقن؟

موضوع (نيويورك مجازاً) ليس عن المسرح، مع أنه يبدو كذلك. فشخصية المخرج المسرحي تعد مثالية لتمثيل دور يرى كوفمان أننا جميعنا نلعبه. مواقع التصوير المذهلة، وهي عبارة عن كومة من غرف منفصلة وضعت وفق بعضها، هي التصنيفات التي نحددها لمشاريع حياتنا. والممثلون هم الأشخاص اللذين يلعبون أدوراً قمنا باختيارهم من وجهة نظرنا. وبعضهم يلعبون دورين اثنين لتقديم ما لا يمكن أن يحدث في الواقع أو أمور ليس لها متسع كافٍ من الوقت. وفي هذه الأثناء، فإن مصدر كل هذه المجريات “أنا” يزداد عمراً وتعباً ومرضاً ويئساً. هل هو حلم أم حقيقة؟ إن العالم كخشبة المسرح، ونحن لسنا سوى الممثلين فوقها. كل ما يحدث هو جزء من مسرحية، والمسرحية حقيقية.

لم تكن هذه مراجعة اعتيادية، فلا حاجة لذكر أسماء الشخصيات أو أسماء الممثلين أو تعيين صفات لتمثيلهم. انظر من يمثل في الفيلم، وستعرف رأيي بهم. الأكيد أن الفيلم لم يبدو غريباً لطاقم التمثيل، فهو يجسد ما يفعلونه طوال اليوم، خاصةً انتظارهم اللحظة التي يتخذ بها المخرج قراره الأخير.

أتسأل عن معنى عنوان الفيلم؟ معناه أنه العنوان. فتخطى تعريفه.

IMDB

Advertisements

7 thoughts on “Synecdoche, New York – 2008

  1. تحيتي لك أستاذي الكريم. أرجو أن تسمح لي بأن أسلط الضوء على جزئية صغيرة لم أجدها في المقال: هناك نفس أدبي واضح في الفيلم وإشارات -في الحوار وفي الأداء- إلى أعمال أدبية عظيمة أعتقد أن الاطلاع عليها سوف يضاعف من المتعة الفكرية التي يعيشها مشاهد هذا الفيلم، حيث تتداعى إلى الذهن منها صور ومواقف مدفونة في أعماق اللاشعور، ولا يستخرجها من هناك سوى عمل فني لا يقل عنها جودة وابتكارا. ومن هذه الأعمال الأدبية مسرحية “موت بائع متجول” لآرثر ميلر ورواية “المحاكمة” لفرانز كافكا ومسرحية “هيدا غابلر” لهنريك إبسن. ولعلي أضيف إليهما مسرحية غير مذكورة في الفيلم لكنني على يقين من أن القائمين على الفيلم تأثروا بها وهي مسرحية “بعد السقوط” لآرثر ميلر أيضا.

    أشكرك يا صديقي على جهودك الخارقة واختياراتك الحاذقة، وأنتظر منك، كما كل متابعيك، كل جديد وجميل

  2. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..
    لا تصدف سعادتي بوجود شخصك الكريم أبو سعد في المدونة 🙂 ..
    لا يمكن أن أنسى الأحباء أبدا سلمك الله ..

    العفو منك وأتمنى أن يكون الفيلم قد أعجبك .. فهو يحتاج لتحليل ونقاش مطول ..
    تحياتي لك ..

    • شاهدت الفيلم قبل قليل …لا اقدر ان اوصف الشعور والحالة الي كنت بها فور انتهائي من مشاهدته…فجاة بدء يتبادر الى ذهني …هل هذا افضل فيلم شاهدته بحياتي ؟؟
      عرجت بشكل مباشر الى النت للبحث عن مراجعات حول الفيلم …واول ما اتى على بالي هو شخصك الكريم …
      بالمناسبة الفيلم لايحتاج الى اعادة من اجل فهم مغزى مايحصل …
      نعم حصل لي التباس في فهم العنوان الرئيسي للقصة وتداخل اسماء الشخصيات فلم استطع اميز بينهم خاصة بالمراحل الاخيرة من الفيلم ..
      الله كم هو جميل هالاحساس الي يمتلك عند مشاهدة افلام مثل Synecdoche, New York

  3. السلام عليكم استاذ مهند تحية طيبة اتمنى تكون ما نسيتنا , اشكرك جزيلا على هذا المقال الرائع الي كنت في حاجة له فأنا انهيت الفيلم قبل قليل وكنت ابحث عن احد يفسر لي ما شاهدته , لابد اشاهده مرة آخرى قريبا , شكرا لك مرة آخرى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s