مراجعات مترجمة

The Hustler – 1961

Stay with this kid; he’s a LOSER.

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

بيرت: “أنت موهوب يا إدي.”

إدي: “موهوب؟ كيف خسرت إذًا؟”

بيرت: “إنها شخصيتك.”

نادرةٌ هي الشخصيات السينمائية التي يمكن أن تمس الجمهور بعبرتها نظراً لما تحمله من واقعية جمة، وشخصية فاست إدي فولسون هي من نوادر الشخصيات تلك. إن وطأة دور محتال لعبة البلياردو الذي مثله بول نيومان في فيلم (المخادع) عام 1961 تركت وقعاً أزلياً ولا يمحى لأن الفيلم لا يتمحور حول فوزه بمباراة البلياردو الختامية، بل كيف هزمته هذه اللعبة وجارت عليه حياته وخانته شخصيته، فالـ(المخادع) من الأفلام الأمريكية القليلة التي تعرض بطلاً ينتصر بالاستسلام، وبتقبله الحقيقة عوضاً عن تحديقه في الأحلام فحسب.

نشاهد أن مستطيل البلياردو هو باحة السجال في القصة، لكن الفيلم لا يحاول بتاتاً أن يتتبع اللعبة ضربة تلو الأخرى أو حتى تفسير قواعدها؛ فالرسالة هنا أن اللاعبين يبحثون ويتحدون في البأس القابع داخل قريرة كل واحد منهم. يمكن للفيلم أن يدور حول أي لعبة وضيعة أخرى تعتمد بجوهرها على الخداع والثقة بالذات وإدارة المال ونفسية المرء: وقد أعيدت الحكاية في فيلم (سينسيناتي كيد) مستبدلاً البلياردو بلعبة ورق البوكر، غير أن عالم البلياردو بقاعاته وفنادقه الرخيصة وحاناته ومحطات حافلاته يخلو من أي مكان لتختبئ وراءه أو تهرع إليه، وفي نهايته ستكشف بيدك عن قناعك وطينتك وسجيتك، لأن المهارة ليست المفتاح الوحيد للنجاح في لعبة البلياردو، وبابها فائدته محدودة.

لقد أفسح فيلم (المخادع) لبول نيومان في ذلك الوقت مكانة وقورة وسط أهم ممثلي هوليوود، لكن من المفيد أيضاً أن نلاحظ مدى أهمية زملائه الممثلين في القصة، وكيف استفاد الفيلم من تاريخ صنعه قبل طغيان عامل النجم المربح وفرض تواجد البطل في كل لقطة. اختبار شخصية نيومان الحقيقي لا يطرح أسئلته من فوق طاولة البلياردو بل من خلال علاقته مع سارا باكارد (بيبير لوري) التي نعرف لاحقاً تفاصيل حياتها بالقدر الذي نعرفه عن حياة فولسون؛ فهذا الفيلم مجرد من صبغة أفلام التسعينات الرجولية التي عجز صناع الأفلام فيها عن رؤية مهايا المرأة سوى من أبجديات خصالها، لأن الصراع المعني في (المخادع) بعيد كل البعد عن نزال مباريات فاست إدي مع مينوسوتا فاتس، ومتجذر تماماً في حب إدي لقلب سارا والنزوات التي تدمر روحه.

جورج سي. سكوت كان يسجل هنا ظهوره الثالث فقط في الأفلام بتمثيله دور بيرت غوردن، رجل الأعمال المقامر الحازم وقاسي القلب، متنقلاً بنفس تلك السلطة المطلقة التي سنراها مراراً في أفلامه اللاحقة: إنها أثير رجل برباطة جأشه الطبيعية المطلقة. فالطريقة التي يتلاعب بها مع سارا برميه لها بكلمة فظة هنا وهمسه باقتراح قذر هناك تحمل نفس الوحشية والألم الذي تسبب بهما عندما أمر بكسر إبهام إدي. لا يكف بيرت عن الحساب طوال الوقت، وعندما يخبر إدي أنه “فاشل” نعلم بأنه يقول ذلك ليدفعه إما للفوز أو ليقوم باستفزازه كي يخسر؛ إنه لا يدلي بأي من آرائه دون غاية محددة.

نتعرف أيضاً على مينيسوتا فاتس بطل البلياردو الأسطوري الذي يلعب دوره جاكي غليسين، وهو الرجل الذي ينبغي على إدي أن يهزمه كي يثبت أنه الأفضل في اللعبة. غليسين وسكوت ترشحا لجائزة أوسكار أفضل ممثل مساعد عن دوريهما؛ المثير للاهتمام أنهما سوياً يتركان بصمةً لا تنسى مع أن سكوت لديه الكثير من الحوار بينما غليسين لا ينطق سوى بعدد محدود من الكلمات باستثناء قصده للجيوب الكرات التي يضربها. يترك عندنا دور غليسين هذا الانطباع البليغ بحضوره ولغة جسده ووجه الساكن والطريقة البسيطة المركزة التي يدرس بها الطاولة وعدم إتيانه بأي حركة دون مقصد محدد. يظهر لنا وكأن لعبة البلياردو قد خلصته من خطاياه السابقة، رجل سار وعبر بين ردهات كرباته وتنازلاته ومراهناته الملتوية وحركاته المخادعة ولبس جلد رجل يلعب اللعبة بطريقته الرزينة والأنيقة. يبدو أنه قد اعتزل الاحتيال؛ على عكس إدي، فإن مينيسوتا فاتس يقتات عيشه بالفوز مراراً ودون الاعتماد على أحد، لدرجة أن اللاعبين الآخرين يختبرون مستوياتهم باللعب معه. إنه حاكم لمملكة دنيئة، وعند نهاية الفيلم وبينما يتقارع إدي مع بيرت في مواجهتهم الأخيرة دون هوادة، يجلس هامداً على الأرض مستمعاً لما كان قد سمعه سابقاً ولمرات لا تحصى وهو على اليقين أنه لو كان يريد مواصلة ممارسة موهبته هذه، فعليه إذاً أن يتقبل مملكته بما فيها.

قام روبيرت روسين بإنتاج وإخراج الفيلم، وهو كاتب من فترة الأربعينات رفض في بادئ الأمر أن “يسمي أسماءً” عندما استدعي خلال حملة معارضي المكارثية، لكنه غير رأيه فيما بعد، وصرح بأنه شيوعي وذكر اسم 57 شيوعياً آخر. لقد كان هذا هو الثمن الذي تحتم عليه دفعه ليتمكن من الاستمرار بالعمل في هوليوود، ولا بد من وجود علاقة ما أو إشارة مستترة بين الثمن الذي اضطر روبيرت وسين دفعه مع تلك التنازلات التي طُلب من فاست إدي فولسون القيام بها. كتب سيناريو الفيلم كل من روبيرت روسين وسيدني كارول اللذين اقتبساه عن رواية وولتر تيفيز، وتم تصويره بالأبيض والأسود بعدسة يوجين شوفتان الذي نال عنها جائزة الأوسكار. ولمعرفة سبب صحة اختيار تصوير الفيلم بالأبيض والأسود، قارنه مع فيلم (لون المال) لعام 1986 للمخرج مارتن سكورسيزي الذي لعب فيه بول نيومان دور فاست إدي أيضاً، سيبدو لك الأخير أنه فيلم مبهج وحي أكثر من اللازم ليعرض كآبة وظلمات صالات البلياردو في منتصف الليل (الغريب أن نيومان حصل على أوسكاره الوحيد عن فيلم “لون المال”، إلا إذا كانت هذه الجائزة بمثابة تعويض متأخر عن فيلم “المخادع”).

إلا أن أهم قرار اتخذه المخرج روسين يكمن في إعطاء جميع شخصيات فيلمه ما يستحقونه من وقت على الشاشة لنتفهم أبعاد كل واحدة منها. وشخصية سارا هي أكثر المستفيدات من هذا القرار، إنها امرأة ضعيفة مدمنة على الكحول تجلس في محطة انتظار الحافلة عندما يخاصمها النوم، وتذهب إلى الجامعة في يومي الثلاثاء والخميس وتلازم الشراب بقية أيام الأسبوع، تصد إدي عندما يحاول تقبيلها لأول مرة بالقول “أنت مندفع جداً” وتطلعه على حكمتها كذلك بهذه الجملة: “اسمع، أنا لدي بعض المشاكل وأعتقد أنك أيضاً ربما تمر ببعض المتاعب، فلعله من الأفضل أن نفترق”.

وحينما يعمد بيرت على اصطحاب إدي إلى “لويزفيل” للعب مباراة مربحة يواجه فيها مليونير يدعى فيندلي (موري هاملتين)، ينهار إدي أمام دموع سارا ويأخذها معه. غير أن بيرت يراها كعائق له ويعمل على تدميرها بخبرته ووحشيته خلال أيام وجيزة، وفي اللحظة التي علم بها أن إبهام إدي قد شفي يقول له “لا أريد أن أرهان بنقودي على شخص معوق” وهي جملة موجهة بالأساس إلى سارا. وحين تغرق بالشرب وتتكئ على الجدار أثناء الحفلة التي يقيمها فيندلي، يتوجه بيرت إليها ويهمس بإذنها شيء لا نتمكن سماعه، بيد أنه يجعلها ترشق بشرابها عليه ومن ثم تنهار، ومن هنا تبدأ العد التنازلي وتلوح بيدها إلى الحياة. إن كنف الفيلم على اللجوء إلى هذين الممثلين المساعدين يخلق كماً كبيراً من الضغينة في الفيلم، ويضيف عمقاً وطعماً خاصاً للقصة؛ ومن خلال تمعننا في هاذين الأمرين نلاحظ الفارق المتمثل في أن الكثير من الأفلام المعاصرة تسير وفق بعد واحد وخط يتيم، بحيث أنها تروي قصة واحدة حول شخصية واحدة وبتسرع واضح.

(المخادع) من نوعية الأفلام المتسلحة بمشاهد نفسية هائلة لدرجة أنها تطوي نفسها وتخلد في ألبوم ذكرياتنا. ويتضح هذا الأمر أكثر في المباراتين اللتين جمعا بين إدي وفاتس، حيث يشير لهما أحد النقاد المرموقين بالقول “مباراتا إدي الحاسمتان مع ينيسوتا فاتس” مع أن المباراة الأولى في الحقيقة – وهي الأطول بينهما – تأتي بعد مرور ثلث الأحداث، والمواجهة الأخيرة بينهما لا تحظى بالكثير من الوقت على الشاشة، غير أنها ترسم الخاتمةً المثلى للفيلم، حيث يقول إدي: “إنك لاعب بلياردو ماهر يا فاتس” ويرد عليه فاتس: “وأنت كذلك يا إدي”.

ظننت وأنا أتذكر الفيلم أن المباراة الثانية كانت الأطول بينهما، وكأن اللعب فيها استمر طوال الليل حتى طلوع فجر اليوم الذي يليه، لكن نظراً لسمعة مينيسوتا فاتس كلاعب أسطوري وحاجة إدي الحارقة كي يهزمه، فإن المخرج روسين أدرك بحكمته أنه لا داعي لإعادة أجواء المباراة الأولى الطويلة لينقل لنا هذا الشعور والتأثير. الفيلم كان رابع عمل تحرره ديدي آلن البارعة (سجلت حضورها التالي في فيلم “بوني وكلايد” الرائع)، وهي تجد هنا الإيقاع الصحيح لمباريات البلياردو ودوران اللاعبين والعصي والكرات والوجوه المتتبعة كي تفسر نشوة اللاعبين ورغبتهم بالفوز، نلاحظ أن تحريرها “ينقل” لنا المباريات بشمولية إلى حد أننا حتى إن لم نكن نفهم اللعبة، سنتناسى ذلك تلقائياً.


اللقاء الأول بين إدي وفاتس كان حول البلياردو، بينما الثاني كان تصديقاً لتوقعات بيري، حول الشخصية. إن سر بيرت يكمن في أن تعريفه لكلمة “الشخصية” لا يشير إلى الطيبة أو الاستقامة أو أي من ميزات أولاد الكشافة، بل تعني في قاموسه القدرة الغدارة في وضع الفوز كأولوية على أي شيء آخر، وأن لا يغويك المجهول أبداً.

لقد زخر الفيلم بعدد من الشخصيات المعروفة التي لعبت أدواراً صغيرة فيه دون ملاحظتنا لذلك، وهم: ويلي وسكوني بطل أمريكا في البلياردو لمدة أربع سنين، له دخول صغير بدور “ويلي” الذي يجمع رهان مباراة تحدث في بداية الأحداث، بالإضافة إلى تصميمه بعض الضربات الفنية وراء الكواليس، على الرغم أن سمعة الفيلم تفيد أن غليسون ونيومان قد نفذا ضرباتهما شخصياً. موري هاملتون (السيد فيندلي) لعب شخصية مهمة بعد ستة سنوات بدور السيد روبنسون في فيلم (الخريج). وأحد سقاة البار هو بطل الملاكمة جاك لاموتا الملقب بالثور الهائج. ومايرون مكروميك الممثل المسرحي الذي ظهر سينمائياً في مناسبات عدة يلعب هنا دور أول مدير في حياة إدي بهجوميته وصراحته والذي يتخلى عنه إدي أثناء سعيه للصعود نحو القمة.

من بين جميع الوجوه الموجودة في الفيلم وأغلبها تعتريها ملامح التردي والتعب والوهن والقسوة، يسطع وجهة بول نيومان كالنقيض بإشراقه ووسامته، إلا أنه اختيار صحيح للدور؛ فهو ليس وسيماً جداً ليفنى في هذا العالم البشع، بل هو مخادعٌ بابتسامته الصبيانية العريضة وبحياء طلبه لرغبة أي أحد في اللعب معه، لقد استغل وجهه بنفس القدر الذي استغل فيه مهاراته في البلياردو. إنه مخادعٌ قلباً لا قالباً، وذلك حال أدهى المخادعين.

IMDB | RT

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s