Moonrise Kingdom – 2012

فيلم عن الحياة، عن الحب، عن التمرد، و عن الحب أيضاً.

قبل حوالي خمسة أشهر من هنا، كان الجمهور السينمائي و النقاد السينمائيون حول العالم يترقبون بداية أهم احتفال سينمائي سنوي -مهرجان كان-، و كانت “كان” قد جهزت لنا مفاجأة سارة مع الافتتاح، إنه فيلم “مملكة القمر” للمخرج الموهوب “وس أندرسون”. الرجل الذي عودنا على أفلام من نوعية الميكرو-دراما أو الدراما الكوميدية، يقدم هذا العام فيلم مغامرات كوميدي، و يختار لموقع تصويره جزر “نيو إنكلند”، و التي لطالما اجتذبت مخرجين كبار، أهمهم سكورسيسي في فيلمه “جزيرة شاتر”، و بولانسكي مؤخراً في فيلمه “الكاتب الشبح”. من الواضح في هذا الفيلم أن أسلوب “ويس أندرسون” قد نضج كثيراً، بحيث أصبح لابد من اعتباره واحداً من أفضل المخرجين في هوليوود حالياً. و إذا كان أندرسون عادة ما يصنع من أفلامه فقاعة منعزلة عن الواقع، لكنها في نفس الوقت جزء منه، فإن فيلمه هذا كان مثالاً واضحاً على ذلك. و إذا كانت شخوص ويس أندرسون عادة ما يتصرفون كما لو كانوا أطفالاً تائهين، فإن فيلمه هذا كان حول هؤلاء الأطفال التائهين، و الذين يبحثون لهم عن مكان في مجتمع أمريكي أنذاك فقد كل ما كان يملك من براءة و جمال، و إن بدا الفيلم مجرد مغامرة لطفلين يريدان الانعزال عن العالم.

الطفلان الذان اختارهما ويس أندرسون لفيلمه هما فتى و فتاة مضطربان نفسيان، منبوذان من أصدقائهما، أيّ بمعنى آخر، الشكل التقليدي لفيلم مغامرات أطفال، إلا أنه في نفس الوقت ليس فيلم مغامرات للأطفال، فقصة الحب التي ستجمع الشخصيتان، ستظهر لنا أن بداخل “سوزي” ( Kara Hayward ) توجد لوليتا صغيرة، و أن هناك شاب ناضج في روح “سام” ( Jared Gilman). و المشاهد التي جرت على الشاطئ توضح مدى النضج الذي أرادنا ويس أندرسون أن نلمحه عند شخصيتيه، و الصدمة التي أرادنا أن نحس بها عندما نكتشف ذلك. و هي صدمة ليست بالمفاجِئة، كون مَشاهد هذا الفيلم مليئة بالصدمات، سواء من خلال تفاعلات الشخصيات الغريبة، أو الكوادر المختارة لتصويرها. هناك أمر آخر لابد أن يلاحظه كل من شاهد هذا العمل، و هو أن أندرسون، في محاولته لخلق تلك الفقاعة السابق ذكرها، قام بتقزيم العالم بشكل غريب، تفاصيل القصة تقول ذلك، و لكن أيضاً طريقة تصويره لإطاراته و اختياره لها، و تلاعبه بالظلال، ليجعلنا نحس أن أكبر المروج ما هو إلا ساحة صغيرة خُلقت ليلعب فيها هذان الطفلان، و أن أكثر الجزر شساعة ما هو إلا مكان صغير صنع ليختبئ فيه سام و سوزي في طريقتهما الخاصة للعب الغميضة.

ما يمكن ملاحظته كذلك أن حيثيات “مملكة القمر” هي تفاصيل غنية جداً، أجاد أندرسون بشدة التعامل معها، و بالأخص الشخصيات الثانوية في الفيلم، و علاقاتها ببعضها البعض. كان التعامل مع السيناريو ذكياً جداً، بحيث تمكن من العمل على خطوط كثيرة، دونما ثقة و تعمق زائدين، ولا سطحية عن خوف و تردد، مع منح الأهمية الكاملة لعلاقة الحب التي تجمع الطفلين، و إعطاء الفرصة لكل ما يجري من أحداث أخرى لأن تدور حولها، في فلك متوازن، و ترابط أشبه بالتجاذب الكوني. هنا تكمن قوة هذا الفيلم، الترابط، و الكيمياء التي وُجدت بين الشخصيات، كل شيء كان يمشي بنظام معيّن، لا يوجد توهان، ولا حشو قد يفسد متعة المشاهدة. مع العمل الجماعي الذي قام به طاقم العمل، و الأسماء الضخمة التي مثلت في هذا الفيلم، بداية بـ “بيل موراي” و “إدوارد نورتن” وصولاً إلى الموهوبة صاحبة الدور الصغير “تيلدا سوينتون”، كان من المستحيل أن يخرج أندرسون بفيلم سيء من تجربته هذه.

في ختام الحديث عن فيلم “مملكة القمر”، و بعد أن ذكرت جل نقاطه الإجابية، ربما يجب التطرق للنهاية، و التي في رأيي لم تكن بمستوى الفيلم ككل، تسارع الأحداث و تسرع أندرسون في الوصول إلى نهاية سعيدة جاء مصطنعاً بعض الشيء، خصوصاً أن فيلم المغامرات الكوميدي اختلط بفيلم آخر هنا، صنفه مغاير تماماً، فيلم كوارث، مع العاصفة التي كان من المنتظر أن تحل على الجزيرة، كما لو كانت عاصفة تغيير، معلنة ثورة الطفلين على قواعد الراشدين، و رفضهم التام للأطارات التي حددوها لهم مسبقاً في حياتهم. هذه الامتدادات و الإسقاطات التي حملها معه هذا الحدث في الفيلم، كانت يمكن أن تكون أعمق بكثير، إلا أن أندرسون أبى أن يأخذ فيلمه طابعاً جدياً، و حتى الميكرو-دراما المعهودة لم تكن واضحة هنا، فذهب أندرسون بكوميدياه في مهب الرياح مع العاصفة، و انجر نحو رسم الابتسامة على وجه المشاهد، محاولاً في نفس الوقت تجنب الابتذال الهولييودي، فسقط في فخ الاصطناع و التسرع. و أعتقد أن الخلل هنا لم يكن في السيناريو، بل في طريقة المعالجة، و عدم تمكنه من الصاق “إتكيت” الواقعية و المنطقية السينمائية على نهايته السعيدة. 

IMDb | RT

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s