Nostalghia – 1983

تاركوفسكي منحني أحد أعظم وأكبر الخبرات السينمائية التي لا تنسى في حياتي..

أنغمار بيرغمان

يقول Andrey Tarkovsky:

أنا لا أؤمن بوجود شكل فني محدد لفيلم يستطيع أن يفهمه الجميع. أردت القول أنه لايمكن تصوير فيلم كهذا. وفي كل الأحوال، فإن فيلماً كهذا في إعتقادي لايعتبر عملاً إبداعياً. العمل الأبداعي لا يمكن أن يُستوعَب دون أن يترك في أثره إحتجاجاً.
الفن هو أشبه بجبل تعلوه قمة وفي أسفله يمتد سهل فسيح. فالذي يقف في أعلى القمة لا يمكن أن يفهمه الجميع.
أنا لا تشغلني أو تقلقني كثيراً مسألة الجمهور. لكن، هل يعني ذلك أنني أستخف بإدراكه؟ أنا لا أفترض الجمهور هو جمع من الأغبياء، فضلاً عن أنني واثق بعدم وجود منتج سينمائي واحد في العالم هو على إستعداد لأن يوظف خمسة عشر كوبيكاً لأفلامي فيما لو وعدته بتصوير روائع فنية. إنني وببساطة أوظف في كل فيلم من أفلامي كل طاقاتي وإلتزاماتي وأظن أنني وبطريقتي الخاصة، إستطعت أن أجتذب إنتباه الجمهور من دون أن أغيّر من مبادئي.
أنا لست ذلك النموذج الذهني الذي يتبخر في الهواء ولست من سكان كوكب آخر. على العكس، إنني أحس بإرتباط وثيق وحميم يشدني إلى الأرض والناس.
بإختصار، إنني لا أريد أن أبدو أكثر أو أقل من ذلك المثقف الذي فيّ. إنني أقف على رصيف واحد حيث يقف المتفرج، لكن لديّ وظيفة أخرى، والمهمات التي على عاتقي مختلفة عن تلك التي لدى المتفرج. أما الشيء المهم لديّ في هذا السياق فهو ليس أن أصبح مفهوماً من قبل الجميع.
إذا كان الفيلم هو أحد أشكال التعبير الفنية، وأنا واثق أننا متفقون على ذلك، فهذا يستلزم منا أن لا ننسى أن الأنتاج الفني لا يمكن إعتباره سلعاً إستهلاكية، بل على العكس، إنه ذلك الحد الأقصى من الأبداع الذي يتم فيه التعبير عن الغايات المثلى المتباينة لزمننا.

– نحن في أحيان كثيرة، للأسف الشديد، نضطر إلى الاعتقاد بأن الأفلام ينبغي أن تبلغ مستوى التسلية المحضة. إذا أراد صانع الفيلم أن يوصل أفكاره إلى المتفرج فينبغي عليه أن يثق بجمهوره. عند ذاك وجب عليه أن يقف وإياه على رصيف واحد. أما أن ترغم الجمهور على استيعاب فيلمك فهذا عمل أحمق وتافه تماماً، حتى وإن كان موضوع الفيلم يتحدث عن شيء مألوف ومعروف للجميع. من الضروري جداً أن يؤخذ التقبل الجمالي للمتفرج بنظر الأعتبار، أما اللهاث خلف الذائقة الإستهلاكية للمتفرج فهو أمر غير مسموح به على الأطلاق.
إن معظم الأفلام المعاصرة تضع أمام نفسها على الدوام الهدف التالي وهو محاولة تفسير الظروف التي تحيط بأحداث الفيلم وتقديمها جاهزة إلى المتفرج. أنا أقول أن ليس هناك حاجة مطلقاً إلى التفسير في أي فيلم!. بدلاً من ذلك، ينبغي أن نخلق الحالة والإحساس اللذين يؤثران في المتفرج ويدعوانه إلى التفكير.
– إن أكثر سمة أعشقها في الناس هي الثبات الذي يمتزج بالعناد والجنون في محاولات للوصول إلى صفاء أكبر، هذا الثبات الذي ينبغي أن يتسم بالأمل.
– إن المغزى الحقيقي للحياة ينحصر في السعي الجاد من أجل إغناء ذواتنا روحياً، في أن نتغيّر ونصبح أناساً آخرين غير الذي كنا عليه بعد ولادتنا. إذا إستطعنا بلوغ هذا، في الزمن الفاصل بين الولادة والموت مع إن هذا صعب وفرص النجاح فيه ضئيلة، نكون حينها قد قدمّنا فائدة ما إلى الإنسانية.

بطاقة تعريف فيلم (الحنين)

إخراج: Andrey Tarkovsky
كتابة: Andrey Tarkovsky وTonino Guerra
بطولة:Oleg Yankovskiy وErland Josephson وDomiziana Giordano
تاريخ الصدور:مايو 1983
المدة: 125 دقيقة
البلد: الاتحاد السوفييتي + إيطاليا

  داخل الهامش..!

(نوستالجيا لا تعني مجرد الإحساس بالحزن. إنها مرض، ألم معنوي يعذّب الروح ويماثل فقدان الإيمان والأمل. أولئك الذين لا يستطيعون قهر هذا الإحساس.. يموتون)

(أردتُ الفيلم أن يكون عن الارتباط القاتل للروس بجذورهم الوطنية, ذلك الارتباط الذي سيحملونه معهم لبقية حياتهم بصرف النظر في أي قدر قد يرميهم به. ما كنتُ أتخيله وأنا أصنع Nostalghia هو ذلك الإحساس الشديد بالشوق الذي يملأ فضاء شاشة ذلك الفيلم ليصبح القطعة الباقية من حياتي, والتي من الآن حتى نهاية أيامي سأحمل دائها المؤلم في روحي).

ستاركوفسكي – النحت في الزمن

Nostalghia… ثـــــورة “الحنيـــــن” …

   من جديد أعود إلى تاركوفسكي..! أشعر به يتغلغل في ذاتي ليتحدث عن أشياء تضج بها أفكاري أحياناً دونما جواب. فحين نتحدث عن الشوق والحنين فنحن لا شك نتحدث عن مشاعر لا يمكن توصيف ماهيتها, وخفايا مغرقة في النفس البشرية يصعب إيجاد فيزيائية لها. لذا فذلك الغوص الذي يراه تاركوفسكي في الجذور يبدو حالةً مناسبة جداً لرغبته في الدوران حول أشكال فضفاضة لا يطرح بها تفسيراً أو رأياً بل يترك للمُشاهد التفكير والتمعن بها ككتاب يفهمه كل قارئ على هواه.. على قدر ثقافته أو تجربته أو إحساسه. هذا أساساً هو تاركوفسكي!

   منذ بدء تدفق الصورة (وأصر على هنا على كلمة “التدفق” كونها ترتبط بنوع من اللاوعي الذي يحاكيه تاركوفسكي على الدوام) يبدأ العمل بطرح جدليات كلامية أو تمثيلية ليستفزنا كمشاهدين, ويحرّك فينا رغبةً أكبر للبحث عن تقاطعات أفكارنا ومعتقداتنا وتجاربنا مع منطقية الحياة ووجوديتها. يطرح الأفكار لنا ولا يطرح إجابات فهو غير معني أساساً بالإجابة, كونه يدرك أن الصور التي نراها هي فهمنا الخاص, ويقر مرة أخرى لنا بالذكاء لسنتوعب وفقاً لشخصياتنا نحن, فلا فرض لتفسيرات تتفاوت من شخص لآخر…

يجب أن تسأل نفسك لماذا تبدو النساء أكثر ورعاً من الرجال..

تريدين السعادة.. هناك أشياء أهم منها.

الشعر لا يُترجم مثل الفن كله.

ماذا يعني الإيمان؟ وماذا يعني الجنون؟

قطرة مع قطرة.. تصبحان قطرة كبيرة.. لا اثنتان..

كلكم تريدون الحرية.. تتحدثون عن الحرية.. لكن حين تحصلون عليها لا تعرفون ماذا تفعلون بها.. ولا حتى ماهيتها..

ربما ليس هناك ما يُحّطم فيك.. لأنه لا وجود لك من الأساس.

يجب علينا الاستماع إلى تلك الأصوات التي تبدو لنا بلا معنى.

ليس المهم أن نفعل أم لا, بل يجب علينا تنمية الأمنيات.

عيون البشر جميعاً تنظر إلى أسوأ الأشياء.. حيث ننغمس جميعنا.

أي عالم هذا لو أخبرك رجل مجنون أنه يجب عليك الخزي من نفسك!

   وفيما اخترتُ أعلاه ألفُ رأيِ ورأي, ولا أعتقد أنني أحاول أيضاً ولا أُعنى بفرض رأيي أو تفسيراتي على القرّاء.. إنما هي جدليات قد نختلف في فهمهما بل حتى قد لا نتفق معها.. لكن جماليتها تكمن في أنها كذلك مطاطة مثيرة للعجب.

   لن أدخل في تفاصيل استقرائية هذه المرة فأنا أتحدث عن عمل مترابط.. وليس كما فيلم “المرآة” التي يصعب أن نستوعبها زمانياً على الأقل. فمن الواضح هذه المرة أن بطل الرواية (أندريه) هو شاعر روسي مسافر إلى إيطاليا بغرض البحث في السيرة الذاتية لـ(بافل سوزنوفسكي) وهو شاعر غنائي آخر كان في إيطاليا قبله, والمثير للجدل في ذلك الشاعر أنه حين عاد إلى روسيا -بعد أن خشي العودة إليها سنيناً طوالاً- أدمن الخمرة وانتحر..! وخلال هذا البحث يستكشف “أندريه” ذلك الحنين الجامح إلى الوطن, والشوق الجارف الذي لا يحتمل, وهي ذات الأمور التي قاسى منها “سوزنوفسكي” قبله. ومع مع تطور علاقته ثم جفاءه لمترجمته (يوجينا) التي تبدو أكثر تعلقاً به يبدو يزداد عزلة وإنطواء. وهو أخيراً يرتبط نفسياً وفكرياً برجل قيل أنه مجنون يدعى (دومينيكو) يسكن في بلدة صغيرة من (توسكانيا) تشتهر بحمامات المياه المعدنية الساخنة التي قيل أن البقاء في مياهها يطيل العمر بسبب أن إحدى القديسات قد زارتها. ارتباطه بهذا الرجل الكهل يبدأ ربما بشعور كل منهما بالعزلة عن المحيط ثم ينتقل ليجعل من “اندريه” يرى في جنو ذلك المجنون الكثير من الحكمة, ويجد نفسه تلقائياً منساقاً إلى أفكار هذا العجوز بل إلى أفعاله التي كان يرغب بالقيام بها دون أن يتمكن, ومنها اجتياز الحمام المعدني الساخن مع شمعة منارة دون أن تنطفئ..

   جدليات الصورة كذلك أكثر من كثيرة.. وقد حاول تاركوفسكي على الغالب تطعيمها بنوع لذيذ من الفلاش باك الذكي مع حركات بطيئة للكاميرا ومشاهد تنزاح إلى الطول بشكل واضح. فمنذ البدء بترنيمة حزينة شجية على خلفية صورة الريف الإيطالي الضبابي بمناظره الخلابة, ثم الكنيسة وما يحدث داخلها, والبلدة القديمة, والتركيز على الأماكن المظلمة, أمور عدة تطلق العنان للمُشاهد ليشعر بالحالة المطلوبة من التفكير الشخصي البعيد عن فرض شيء ثابت..
أما (دوميزيانا جيوردانو) التي أدت دور المترجمة “يوجينا” التي تجاوزت علاقتها بـ”أندريه” علاقة المترجمة بالسائح وبدأت تبحث فيه عن رجل يشبع رغبتها دون جدوى, فكانت في نظراتها وظلمة زوايا غرفتها,فتنة رائعة الجمال.. كأن هذه المرأة فيما حصل بينها وبين “أندريه” تمثل صوتاً ينادينا به من نحبه في وطنٍ نحن غرباء فيه لكن الحنين القاتل إلى الوطن يصرّ على أن يبقينا غرباء لا نستمع لهذا النداء, لا نستمع ونصم آذاننا حتى حينما حاولت “يوجينا” إيهامه بوجود خليل أكثر منه رجولية..!

الترميزات الطفولية كذلك كانت حاضرة في جدليات الصورة بالطبع.. بدءاً بالرغبة الأنثوية في الحصول على طفل التي برر بها كاهن الكنيسة لـ”يوجينيا” تواجد نساء كثيرات داخلها. ومروراً بالطفلة التي ظهرت فجأة لـ”أندريه” خلال سكره داخل مستنقع المياه, والتي كانت أشبه بحالة نحاكي بها طفولتنا. فالقصة التي سردها “أندريه” لها كانت تؤكد عدم شعوره في الارتياح في إيطاليا, وتظهر جلياً الحنين الذي يمزّقه مرة أخرى, مع خوفه من أن يعود إلى وطنه فيجد هذا الوطن غير قادر على فهمه ويبلغ بالتالي مصير الشاعر الذي يبحث في سيرته.. وأخيراً في ابن “دومينيكو” الذي حبسه أبوه سبع سنوات داخل المنزل بحجة أنه لا يجب أن يخرج أحد من العائلة لأنه ينتظر نهاية العالم, فلما أخرجت الشرطة العائلة بالقوة, ركض الطفل خارج المنزل كأنه أرنب تحرر من قفص.. وعندما توقف عن الركض سأل والده بيأس: هل هذه نهاية العالم؟!

المشهد التالي الذي يحمل جدلية ثورية هذه المرة, هو الخطاب الذي ألقاه “دومينيكو” من فوق تمثال (ماركوس أوريليوس) في روما, والذي لو أمعنا النظر فيه لوجدنا فيه بذور الثورة على كل القيود وكل ما هو قديم وجامد ومتخلف ولا إنساني, ودعوةً للإتحاد والعودة إلى الفطرة الصحيحة. بعدها أحرق “دومينيكو” نفسه كذبيحة للخلاص بين جمهور يبدو غير قادراً على فهمه, في مشهد يبدو حالياً مألوفاً ضمن فصول “الربيع العربي” تاركاً لنا مساحة فارغة جداً لنتفكّر في ما طرحه من أقوال.

من جهة أخرى فصورة أندريه يقطع المياه حاملاً شمعته المضيئة, هو من أحد أجمل المشاهد التي تبقى في الذهن. فهو ترميز عميق للعديد والعديد من الأشياء. فلعله الأمل الذي لا تخبو جذوته, أو لعلها القدرة على تحقيق المستحيل مهما طال الزمن, أو ربما هي العاطفة التي تربطنا بالآخرين دون أن نفهم لماذا.. وعندما بلغ “أندريه” مراده سقط على الأرض وبدأ صوت نواح بعيد وتراءت له صورة طفل تُربّت أمه على كتفيه. صورة أخرى تجعلنا نحن إلى الطفولة ونجري بسرعة نظرة عابرة إلى أحلامنا الطفولية وما حققناه منها..

   حتى الموسيقى -على قلتها- كانت لها جدلياتها الخاصة هنا. فما بين أغنيات الموت, وأهازيج الفولكلور الروسي, ومعزوفات بيتهوفن وفيردي, أزمنة موغلة في القدم تعيدنا أكثر للخلف, إلى حال الخوف من انقضاء الزمن دون أن نحقق فيه أي شيء, وإلى بساطة القدماء وحبهم للجميع ونبذ التعقيدات.

   يُختتم الفيلم بعبارة (في ذكرى أمي).. ليترك المشاهد في صراع ذكريات الزمن والوطن والأحباء المغادرين, يتركنا نستجمع فتافيت باقية فينا من أوطاننا. دعوة للتأمل الكبير والصمت خلال ساعتين من الزمن, وعودة إلى ماضي وأمنيات لم يعد من الممكن إصلاحها في حياتنا أو ربما لم يعد في عمرنا يقية لها.. ربما هي اليأس, أو فلسفة ماورائية لشخصية مأزومة. إنه الحنين يقتلنا من جهة, لكن من جهة أخرى يعلن ثورتنا المتأخرة علّ من وراءنا يكمل الدرب ويحمل أفكارنا راية تحقق تطلعاتنا وتريحنا ونحن هناك في عالم البرزخ البعيد, وتمنح من بعدنا الخلاص.

عن شخصيات فيلم (الحنين) ومدلولاتها يقول تاركوفسكي:

   لقد قمت برحلات وجولات إلى إيطاليا، وفي عام 1980 عقدت العزم على أن أعمل فيلماً سوية وصديقي الكاتب والشاعر والسيناريست الأيطالي تونينو غوييرا. في هذا الفيلم أردت أن أوظف مجمل إنطباعاتي عن تلك الرحلات لهذا الفيلم. البطل الرئيسي ”غورتشاكوف” الذي لعب دوره أوليغ يانكوفسكي، هو مثقف روسي يسافر في مهمة إلى إيطاليا، وتسمية الفيلم جاءت من كلمة “نوستالجيا” أي الحنين. وهذه الكلمة لاتعني بالضبط، الشوق إلى ذلك العالم الذي يقف بعيداً عنا، والذي لم نستطع أن نتوحد فيه، وإنما تعني أيضاً، ذلك الشوق إلى الوطن، إلى منزل الطفولة النائي، إلى إنتمائنا الروحي. لقد أجرينا تطورات جوهرية على الحدث ولمرات عديدة في مرحلة كتابة السيناريو ومرحلة التصوير. لقد أردت أن أعبر في هذا الفيلم عن إستحالة العيش في عالم منفصل. غورتشاكوف، أستاذ تأريخ ذي شهرة عالمية ومعرفة بتأريخ الآثار الأيطالية تتاح له ولأول مرة إمكانية مشاهدة الأبنية المعمارية والآثار الإيطالية، تلك التي أصبح خبيراً بها من خلال الرسوم والصور الفوتوغرافية فقط!. إلا أنه، وبعد وقت وجيز من وصوله إلى إيطاليا، بدأ يدرك إستحالة أن يكون الأنسان وسيطاً أو مترجماً أو مختصاً بالأنتاج الفني مالم يكن هو نفسه جزءاً من تلك الثقافة التي خلقت هذا الأنتاج الفني.
هدف رحلة غورتشاكوف إلى إيطاليا على وجه الخصوص هو العثور على أثر لأحد الموسيقيين الروس القليلي الشهرة، والذي عاش في القرن الثامن عشر، وهو قن سابق تابع إلى كونت روسي، كان بعثه إلى إيطاليا ليتعلم هناك موسيقى البلاط. لقد درس ذلك القن في الكونسيرفاتور ” معهد عال لموسيقى ” عند جان بلتيستي مارتيني، وأصبح فيما بعد موسيقاراً شهيراً، وعاش في إيطاليا حراً طليقاً.
إن أحد المشاهد الهامة في الفيلم هو المشهد الذي يُطلع فيه غورتشاكوف مرشدته ومترجمته الشابة والتي تنحدر من أصل سلافي، على الرسالة التي كتبها الموسيقار وبعث بها إلى روسيا، وفيها يعّبر عن شوقه وحنينه إلى الوطن. قيل فيما بعد أن ذلك الموسيقار عاد إلى روسيا لكنه أصبح مدمناً على الكحول ومات منتحراً!.
إن تأريخ إيطاليا وفتنتها كانا قد فجّرا عند غورتشاكوف إنطباعات مذهلة، فأصبح يعاني من عدم القدرة على أن يوّحد في نفسه مابين إيطاليا ووطنه روسيا. الأنطباعات الأولى التي منحتها أياه إيطاليا كانت تحمل طابعاً معرفياً، إلا أنه سرعان ما أدرك بإن عودته إلى الوطن ستضع نهاية لهذه المعرفة، وإن ما سيتبقى منها هو قشرتها الخارجية فقط. هذا الأحساس فجّر لديه شعوراً بالحزن لاسيما حين أدرك أن ليس بإستطاعته نسيان تلك الأنطباعات، وإستحالة إستنتاج شيء جديد من المعارف التي إكتسبها في إيطاليا. هذه الحالة أصبحت فيما بعد تزيد وتضاعف من وجعه الروحي.
الحنين، يتضمن في وعي غورتشاكوف، عدم قدرة أقربائه وأصدقائه من أن شاطرونه تلك الأنطباعات، وهذا ما جعل بقاؤه في إيطاليا معذباً، لكن ذلك في ذات الوقت، أيقظ فيه ضرورة البحث عن صلة قربى بالروح، تلك الروح التي سوف تشاطره معاناته.
فيلم ” الحنين ” هو نوع من الجدل حول طبيعة الحنين نفسه، أو عن طبيعة المعاناة التي تسمى ” نوستالجيا ” والتي تتضمن معنىً أوسع بكثير من الأكتئاب.
إن هذا الأنسان الروسي غورتشاكوف بمقدوره أن ينفصل ويفترق بعناد كبير عن أصدقائه ومعارفه الجدد، إلا أن شوقه إلى إيطاليا صار جزءاً مكوناً لذلك الأحساس الذي لديه، والذي هو الحنين.
لقد حاول غورتشاكوف أن يكشف عن إنطباعاته في أول لقاء له مع أحد الإيطاليين وهو معلم رياضيات إسمه دومينيكو ” لعب دوره الممثل السويدي أورلند جوزيفسن ” والذي يعتبره أهالي المدينة الواقعة في توسكانيا، رجلاً مجنوناً.
دومينيكو هذا كان قد إحتجز عائلته في منزل منعزل قرابة سبع سنوات مهدداً أياهم بحلول نهاية العالم!. هذا المجنون الصغير، الحالم الغامض، أصبح كما لو أنه شريك لغورتشاكوف. لقد كان دومينيكو واعياً بأحاسسيه وشكوكه، وكان يعي أيضاً أقصى حالات القلق الروحي لغورتشاكوف، بل كان مدركاً لكيفية تضخم ذلك القلق!.
دومينيكو كان يبحث عن مغزى للحياة، ذلك المغزى الذي يكمن في مفهوم الحرية والجنون. وهو من جانب آخر كان يمتلك إحساساً طفولياً وعاطفية غير مألوفة، وتلك صفات لاتوجد لدى غورتشاكوف.
إن جرحه الطري الأخير كان ينزف بسبب من أزمته الحياتية العميقة. هكذا، وكمجنون إيطالي صغير، تجده يحدق ببساطة في الأشياء، مقتنعاً أن وعيه الباطن ووجدانه المتنور سيعثران عبر مجمل الوضع العام على علاج لأمراض المجتمع.
إن صدقه الطفولي في معاشرة العالم المحيط به، يذكرنا بصدق ويقين الطفولة. دومينيكو كانت تشغله فكرة إنجاز طقس ما، وهو أن يحمل بيده شمعة مضيئة ويسير في حوض ماء ساخن في حمام روماني قديم وضخم يقع في قلب ريف توسكانيا، وقد حاول غورتشاكوف القيام بذلك في وقت متأخر جداً بدلاً عنه، أما هو فقد كان يعتقد بأن المعضلة بحاجة إلى فعل أكبر، إلى وجوب تقديم تضحية أكبر. وهكذا سافر إلى العاصمة روما وإعتلى تمثال الأمبراطور ماركوس أفريلي، الفيلسوف الوحيد الذي جلس على عرش روما، والذي كان يدعو الناس إلى التكافل والتفاهم المشترك. من هناك، من أعلى التمثال، وقف دومينيكو يلقي خطبته المؤثرة وسط جمع من المجانين، عن محنة البشر وعدم قدرتهم على التوحد. وبعد أن أنهى تلك الخطبة صب الزيت على جسده وأضرم فيه النار وأحرق نفسه منجزاً ذلك الطقس بإيمان هادىء في الخلاص.
غورتشاكوف ينظر إلى دومينيكو المجنون على أنه شخصية متماسكة ومنطقية. دومينيكو كان يؤمن في كل ما يفعل، في حين كان ينقص غورتشاكوف ذلك الأيمان، لهذا تجده مشدوداً إلى دومينيكو. وهكذا وبفضل تطور علاقتهما، يصبح دومينيكو شريكه الذهني. إن أشد الناس قوة في الحياة هم أولئك الذين نجحوا في الحفاظ على الصدق الطفولي والثبات الوجداني في أرواحهم حتى النهاية.

IMDb | RT

Torrent | Arabic Subtitle|Youtube

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s