Magnolia – 1999


عملية قيصريه لولادة الحياة في زهرة الماغنوليا ..!

في تقاطع للطُرق تَصطدم شخصيات العمل المتبعثرة في زوايا الشوارع المتقابلة ذات المفترق , كل منهم ينتظر إشارته المرورية ليرحل في مسربه الخاص, ذلك المسرب الذي يُعبر عن صفة الاختيارية في المجتمع البشري, نلتقط الأنفاس ونتوقف لبرهة مع كل شخصية ,, أحدهم يغير رأيه يغير المسار ويعود , أما الآخر فيتوقف دون حراك فقراره سيغير في مجريات ومسارات حياته , وفي مسربين آخرين يقرر أحدهم إنهاء حياة والآخر إنقاذ حياة ..!

الفقدان، الألم، والعجز عن الاتصال الحقيقي بمن يحيطونك , تلك الفقاعة التي تزداد مع الأيام لتصل الى حد الانفجار الذي يحول الأجساد الإنسانية إلى أشلاء في لحظات، وفي لحظات أخرى تعيد تكوين جزيئاتها وتعيد اختيار مسرب جديد للوصول إلى الطريق الذي نجد فيه معنى السلام .. لعل كل ما أثير سابقاً هي مجرد كلمات نثرت حروفها في الجزء المجهول من التدوينة، ولعلها هي بيت القصيد الحقيقي الذي أود أن أطلق له العنان في تصوري لما قدمه بول توماس اندرسون في شبكة الحياة; تلك الشبكة التي تملؤها الثقوب; تلك العملية القيصرية لولادة الحياة في زهرة الماغنوليا; تلك الزهرة التي لا تستطيع العيش إلا في ظروف جوية خاصة وتربة مثالية، وإن وجدت تلك الميزات تطلق أحد أجمل العطور في الأجواء.. بول توماس اندرسون كمن يصف البشرية بزهرة الماغنوليا فنحن إن وجدنا الجذور الصالحة وأقصد الآباء والأجواء المناسبة واقصد البيئة والتربية السليمة وأخيراً إن أخترنا المسار الحقيقي لوجودنا في العالم والتي عبر عنها بالعمر القصير لتلك الزهرة فبالتأكيد سوف يكون للبشرية ذاك العطر الفواح الذي يتطاير في رحاب العالم ..

لن أدخل المقال في أزقة الاستعراض النصي ولكني سأحاول ان أقتطف من كل قصاصة ذلك العطر الذي حاول بول توماس أن يجعل المشاهد يتنشقه فيما قدمه.. زهرة الماغنوليا قدم عدة قصاصات يتلاعب فيها الفلاش باك والميلودراما العائلية بشكل يجعل كل دقيقة من دقائق العمل تمثل الذورة في المشاهدة, وأرى أن تلك الجزيئية تستحق أن يُتطرق لها فـأن يستطيع مخرج وكاتب العمل بول توماس اندرسون أن يجعل عمله يغلي بالشخصيات والصراعات الملحمية في مختلف الصعد تلاحظ أنك في كل دقيقة تتلمس انخماد النيران في مشهد ليتفجر في المشهد المقابل، لتكون سلسلة من الثورات الانسانية في الانقلاب على تلك التربة غير الصالحة للحياة، وكأنما تلك الشجيرات (الشخصيات) تنسلخ عن تلك الجذور وعن أرضها ..

زهرة الماغنوليا تعبر عن الإنسان وتأثره بمجتمعه والغربة التي يعتاشها من خلال الصراعات الذاتية أو التربوية أو العقد النفسية التي نشأ عليها من خلال العائلة وبالتحديد الاباء ,, بول توماس اندرسون في عمله يحمل وزر تساقط أوراق زهرة الماغنوليا وموتها وأقصد بذاك المجتمع الانساني والأبناء تحديداً بعدة عوامل أهمها تلك الحالات من فقدانها لمعنى الأبوة او الانفصال عنهم ومثلت تلك النقطة شخصية فرانك تي جي (توم كروز) الذي كان شخصية تشهد على الجنون الغريزي والفطرة السادية واللاهوت الذكري لنرصد أن تحت شخصية فرانك تقبع عقدة نفسية سببها موت والدته وتخلي والده عنه , ومن جهة أخرى تظهر شخصية كلوديا واليسون (ميلورا والترز) التي تقوم ببيع جسدها من أجل حفنة من المخدرات، ليظهر أمامنا أن كلوديا عانت في مراهقتها من تحرش والدها , وعلى ذات الاتجاه تظهر مسابقة تلفزيونية لمجموعة من الفتية للإجابة عن مجموعة من الاسئلة ونتوقف عند شخصية ستانلي الفتى الذكي (جيرمي بلاكمان) والذي يوضع في زاوية ضيقة من التحرش ولكن هنا التحرش ليس بطابع جسدي ولكن بطابع نفسي بحت والاستغلال المادي من قبل الأب لولده للحصول على مردود مادي من خلال المسابقة ,, تظهر أيضاً العديد من الشخصيات منها شخصية الشرطي جيم (جون ريلي) والذي تظهر عليه ملامح السذاجة أو الانغلاق على النفس , ورجل المبيعات دوني سميث (وليام ماكي ) رجل يعاني من انهيار في كافة جزيئات حياته العملية والشخصية , لنصل إلى شخصية باتريسيا (جوليان مور) الزوجة التي تشهد صراع زوجها مع مرض السرطان والتي تعاني من تأنيب الضمير على ما اقترفته من خيانة له منذ زمن بعيد. وأخيراً شخصية الممرض فيل بارما (فيليب سيمور هوفمان ) الذي يقوم برعاية إيرل (جاسون روباردس) والد فرانك وزوج باتريسيا .. لنتوقف في هذه اللحظة عن الولوج في الحديث عن الشخصيات لأنني أرى أنها جميعاً ترسم ذات الأفكار في لوحة بول توماس اندرسون التي كانت تقود كافة الشخصيات إلى تلك الحالة من فقدان الوجود في هذا العالم، وإزاحة تلك الاقنعة الهشة التي تظهرهم بالشكل المثالي..

سأعود إلى المشهد الذي انتقيته لأفتتح فيه مراجعتي والذي أجده ذو لمسة مبهرة حقيقة في لوحة بول توماس اندرسون فلو مثل ذلك المفترق (الحياة) ومثلت مجموعة الشوارع والطرق المتقابلة مسارات البشر والتي من خلالها تكمن تلك السخرية القدرية في تلاعبها في اتصال جزء من البشر وانفصال الجزء الاخر , تلك العبثية القدرية التي حاول أن يرسمها بول في افتتاحيته في العمل وأوجزها من خلال التقاء الشخصيات، وكأننا نشهد أننا في كل لحظة نفتقد إنساناً فنعاود في لحظة أخرى الاتصال مع إنسان آخر في دائرة من الإعجاز الرباني المهيب.. ولا أخفي أيضاً أنني وجدت أن الثورة الحقيقة في زهرة الماغنوليا تمثلت في مشهد بسيط تطلق فيه كلوديا كلمتين (إنه غبي) وفي ذات اللحظات تبدأ أغنية إيمي مان (أستيقظ ) بالانبعاث في الخلفية، لتبدأ كافة شخصيات العمل بترديد الكلمات من خلفها; تلك اللحظة جعلتني أرى أن ماغنوليا يحمل لغة تحمل جزءً ضخماً من الأفكار الانسانية والعقائدية , فالبشر سخيفون أغبياء عاطفيون وهنا تكمن جمالية وجوديتنا في الحياة , نحن كما يرانا بول توماس اندرسون ضعفاء للغاية مهما حاولنا أن نبرز تلك القوة الكاذبة أمام الآخرين , فيظهر فرانك على المسرح بشكل سادي مخيف وفي مشهد التقائه مع والده يظهر مدى ضعفه وعجزه حتى عن التعبير عما يجول في ذاته , وتكررت ذات الازدواجية لشخصيات العمل في عدة مشاهد أخرى. وأيضاً لو لاحظنا أن معظم المشاهد تم تصويرها في مواقع داخلية مغلقة وأرى أن تلك إشارة تعبر عن الجدران التي نبنيها لحجز انفسنا عن الاتصال بالآخرين وأما المشاهد الخارجية فمعظمها كانت ممطرة وتلك الصورة عبرت عن غسل تلك الشوارع والزوايا من القذارة والمشاعر السلبية والسادية التي عمت الأجواء وانتهت بتساقط الضفادع من السماء.. وشخصياً لا أرى أن المشهد يُمثل مفصلية ذات أهمية للتركيز عليه والأرجح انه مقتبس من إحدى الجمل في الانجيل التي تطلق الوعيد من الإله بأنه إن استمرت الانسانية بانتهاك محارم الرب سوف يضربها بالضفادع ,, على العموم أرى أن بول حاول أن يصل في نهاية عمله إلى شد المشاهد بشكل عاطفي وفتح الباب على مصراعيه إلى علامات التساؤل; إلى أين ستستمر تلك الحالة؟! وهل من نهاية لتلك المعاناة ..!

زهرة الماغنوليا هي تلك المسارب الإنسانية التي نتخذها بعبثية اختياراتنا والتي تعمل على تجريدنا من أهم معاني الإنسانية وتحطيم أكثر الراوابط سامية من خلال محاولة إشباع الرغبات الشهوانية والمادية والتي تثمر من خلالها أوراق شوكية بدل تلك الزهور العطرة والتي تسهب في قطع أوصال البشرية أو محاولة الهرب من خلال فقدان الهوية أو صد أبواب العلاقات مع كافة أجزاء المجتمع والضياع في زوايا الظلمات النفسية ..

زهرة بول توماس اندرسون قدمت بشكل مثالي، وقالب أدائي عالٍ، ونص محكم، وثورة في التسلسل الحدثي ناهيك عن كوكبة الافكار التي ترصد البرود والانفصال في المجتمع الإنساني ..

فكرة واحدة على ”Magnolia – 1999

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s