Vivre Sa Vie – 1962

في مذكراتي الشخصية الدفينة ,, العديد من الصور الضبابية ,, والتي تطرح بعشوائية أمام ناظري , تلك الذكريات حول ما أعتاشته نفسي من العالم المحيط بِها .. في لحظات كثيرة أغيب عن الوعي وأعيش واقع أخر مع تلك الأفكار التي تجعلني أجد أن في داخلي مدينة راعيها النفس وتتعايش فيها الأفكار كالمواطنين وتحدها أسوار من الطموحات والأحلام التي كُفنت مع الأيام ..

البشرية بين الروح والجسد ..!

المخرج الفرنسي جان لوك غوادر احد رواد الموجة الفرنسية الجديدة يُقدم تجربه سينمائية مبهره بالقالب ألمشهدي العظيم ضمن أثنا عشر مشهد يرسم في كل منها فلسفية تبتعد عن الواقع المحض إلى الخيال البحت من الوعي إلى اللاوعي ,, لتلك المشاهد حالة خاصة تتجلى قوتها في البحث عن الحلقة التي تتصل فيها كل مشهد مع الأخر … غوادر جعل من الحياة الإنسانية مجرد أرقام من واحد إلى اثنا عشر , في لوحة ساخرة تطلع فيها على ازدواجية المفاهيم البشرية والحياة ’’ تلك الفلسفية التي تقبع بين الخلافات ألأيدلوجية .. ما وجه الاختلاف بين الرجل والمرأة ,, وما معنى المساواة بينهما .. هل من وجود للغة المشاعر أم الاتصال مجرد جسدي شهواني لأغير ؟؟ .. ماهية الروح والذات الإنسانية وهل موت الجسد يُعبر عن حرية الروح ؟؟ .. هل نحن نمتلك أرواحنا وأجسادنا وهل من الممكن إعارة أي منهما ؟؟.. هل الكلام اللغة الحقيقة للأنصال وان خانتنا هل من لغة أخرى لنفر لها .. ماذا تعني الرأسمالية , الراديكالية ,’ الموضوعية , النفس , الحب , الروح , الجنس , الهوية ..

* الروح ..

(لاحظ اتجاه الجسد واتجاه الظل على الحائط)

(أعر نفسك للآخرين ولكن أعطي نفسك لنفسك ) – مونتين ..

(العصفور حيوان به أشياء داخلية” وأشياء خارجية , إذا أخذت الأشياء الخارجية , فسيتبقى الأشياء الداخلية , إذا أخذت الأشياء الداخلية ” فسترى روحه) .. مقتبس من الفيلم ..

في المشهد الافتتاحي يركز غوادر الصورة على شخصيته الرئيسية نانا (أنا كارينا) في مشهد كلوز اب لإظهار وجه تلك الفتاه العشرينية من مختلف الاتجاهات مع انقطاع الموسيقى مع تغير اتجاه الوجه ,, عندها تظهر نانا من الخلف وتبدأ بحوار مع زوجها السابق وعن سبب تركها له ولطفلها ,, لو أطلقنا العنان لتأمل الصورة وفسرنا مشاهد الكلوز اب تلك على أنها تجعل من نانا شخصية بعدة وجهات او اتجاهات ووجوه , فتلك الشخصية هربت من عالم المسؤوليات ومن زواجها وأقرت بخيانتها والتي عبرت عن ثورة النفس في روح نانا التي كانت تحلم بتمثيل واعتلاء خشبة المسرح ..  يطلق غوادر تلك القصة القصيرة التي وضعتها في مقدمة الجزء الأول من مراجعتي عن تلك الطفلة التي وجدت أن العصفور حيوان يمتلك جزأين احدها من الخارج (الجسد) والاخر من الداخل (الروح) وعند فقدان ذالك العصفور لجسده يمكننا وقتها إن نرى روحه ؟ ,, غوادر في فلسفية يرسم أول العبارات من مشهده الأول وهو الحديث عن الروح فلبشر خارجيا أو جسدياً هم مجرد حيوانات شهوانية تعث الرغبة أفكارهم ودون وجود سمة الروح فهم مجردين من إي قيمه حقيقة وهنا أبرر تلك المشاهد داخل مبنى الدعارة وتلك الغرف التي عبرت عن مداخل النفس ولو لاحظنا ان غوادر حاول إن يستخدم الاضاءه المعتمة والضبابية على وجه نانا لإطلاق العنان على صفة الروح وان نانا من أنها أعارت جسدها من اجل المال لكنها مازالت تمتلك روحها والتي قد فسرتها مجموعة من المشاهد لظهور ظل نانا على الحائط باتجاه مختلف عن اتجاه جسدها , ومن هنا نربط الاقتباس لمونتين _أعر نفسك للأخرين ولكن أعطي نفسك لنفسك _ المقصود بنفس التي تعار للآخرين وهيا الجسد ولك حرية التصرف فيها وأما النفس الأخرى وهيا الروح والذات وهيا مالا يمكن إن يمتلكه غيرك ..

*ألاختيارية / القدرية ..

يقتبس جان لوك غوادر المشهد الشهير من الفيلم الصامت العظيم (آلام جان دارك ) والذي يصاحب ذالك المشهد انهمار بدموع نانا بشكل تعبيري رهيب من انأ كارينا في فكرة حاول غوادر أن يعبر فيه بداية الانهيار الحقيقي في شخصية نانا وفقدانها الجسد لتكون سلعة لمتعة الرجال , غوادر هنا يضعنا في مفترق طرق هل وصول نانا إلى تلك الحالة كان ضمن اختياراتها السابقة نظير ترك طفلها وزوجها أم إن الحاجة والظروف الحياة القاسية والقدرية هيا من أوصلتها لذالك المستوى ,, نانا في المشهد تنعكس أضاءه الفيلم على وجهها وفي لحظة تنهمر الدموع دون سابق إنذار إمام المشاهدين في علامة تظهر إن تلك الشابة ترى في اغتصاب وقتل واستشهاد تلك الفتاه التي تدعي أنها ابنة الرب (جان دارك ) صورة لها في معالجة درامية تظهر إن البشرية تعاني من انتهاك صريح لأجسادهم وان الحل لذلك هو الموت والاندثار في النهاية ..

* الهوية ..

مشهد الاستجواب ..
نانا في هذا المشهد تتعرض للاستجواب من قبل الشرطة لإيجادها مبلغ نقدي لأحد السيدات والتي تقوم بإبلاغ عنها لذالك ,, غوادر يجعل من مشهد الاستجواب يشبه محكمة النفس لدى نانا فذالك الشرطي عبر عن السلطة والتي كانت أسئلته ترتسم في استفسارات نانا عن وجوديتها وهويتها الحقيقة في هذه الحياة والتي في النهاية تجد أنها كائن غير موجود وانه لا احد يلقي البال لها في صراعات نفسية قاسية .

* البشرية سلعة للبيع (الرأسمالية ) ..

دوماً ما تكون التعبئة النقدية لأمريكا والنظام الرأسمالي المادي حاضر في سينما الفرنسي جان لوك غوادر , فيقدم الفرنسي العديد من المشاهد القصيرة لعلاقات نانا مع زبائنها مجرد مشاهد تظهر معظمها الجسد دون الوجه وذالك لأنه غوادر يعبر عن الوجه بطابع انه رمزية لروح مع إظهار عدد من مشاهد تلقي نانا لدفعات من النقود والأمر المثير هو محاولته إلى انتقاد الانفتاحية والليبرالية في ذات الاتجاه من خلال وجود شروط قانونية لمزاولة تجارة الدعارة في فرنسا وطلب مبالغ مالية من ألدوله ضريبة لتواجد تلك الفتيات في الشوارع والأزقة , غوادر قدم في تلك اللحظات مشاهد كئيبة وجلفة لنانا وهيا تقف في احد الشوارع وتظهر من خلفها احد الإعلانات الورقية الملصقة على الحائط ليظهر إن نانا مجرد سلعة يتم شراءها من قبل المارة ..
لعل الإيحاءات التي قدمها غوادر تنتقد السلطة والسياسية والأيدلوجيات المستحدثة واستذكر نظرة نانا في احد المقاهي على شاب يرتدي الزى العسكري يقوم بطلب يد فتاه في مشهد عاطفي في محاولة من غوادر إن يظهر مدى ما فعلته الحروب في نفس المجتمع وان الحضارة أو الحداثة مجرد لغة لإجهاض القيمة الحقيقة وانتشار اللا أخلاقية والمادة فيه ..

* الحب ..

تلك العبارة التي قام غوادر في تسمية عمله فيها وجدتها تعبر عن هذه المشهد عندما تقوم نانا بمغازلة احد الشباب وتبدأ برقص له في محاوله لأغراء ,, نانا تلك الفتاه الساذجة التي لأتعلم سوى فن الشهوة تجد إن مشاعرها بدأت بالنبض من جديد وتلك العلاقة مع هذا الشاب المثقف الذي أعاد لها جزء من وجوديتها في هذه الحياة لطريقة العيش .. غوادر وكعادته استطاع في مشهد الرقص إن يكسر ذالك ارتم في عمله خصيصا إن العمل ذو طابع كئيب وصامت في العيد من اللحظات , في محاباة لفرض ذلك الثورة في نفس نانا وذالك الضجيج في نفسها من خلال دخول المشاعر والأحاسيس فيها ..

* حرية التعبير … الكلمات , الاتصال ..

ولكن عندما تأتي لحظة الكلام , لا أستطيع قولها ..

غوادر من المخرجين الذين يعشقون الاقتباسات الأدبية ومحاولة إيجاد حوارات ذات علامات فلسفية ضخمة ,, تلتقي نانا احد الأشخاص الغريبين في احد المقاهي وهنا تبدأ حلقة من النقاشات ,, غوادر هنا كأنما يضع علامة فارقة بين الإنسان والحيوان من خلال التفكير وحرية الاختيارات ومحاولة إيجاد علاقة للاتصال بين الآخرين تتعدى لغة الجسد والكلمات , هنا عبرت شخصية نانا عن النضوج ولو بشكل أو أخر وحاولتها لإيجاد مَفقدته من عيشها في عالمها.. وإخراج ما في روحها من مشاعر وأحاسيس وأفكار ليس بمجرد النظرات والإيماءات الصامتة بل عن طريق الكلام والأفعال والأمر الذي سيظهر في محاولة نانا تركها لأسلوب عيشها وعملها ..

* الموت ..

اشعر إن غوادر من المخرجين المخلصين لأساليبهم السينمائية وذلك يتضح من مقولته الشهيره (كل فيلم ناجح يحتاج إلى فتاه وبندقية ) واتضح ذالك الأسلوب في معظم إعماله المهمة مثل المهرج المجنون وعصابة من الغرباء والاسم الأول كأرمن وغيرها ,, ويفضل تلك النهايات الميلودرامية التي تنتهي بموت شخصيته الرئيسية في معظم ما يقدم وارى إن ذالك ممكن لقناعته إن الموت هو الحرية الحقيقة من قسوة الحياة من جهة أو رؤيته لشخصياته الرئيسية كشهداء لحرية أفكارهم الخاصة وذالك ما يعلل استخدامه لمشهد إعدام جان دارك من الفيلم الصامت الشهير .

حياتي لأعيشها ..

أحببت قبل إن أطلق حديثي عن العمل إن أقوم باستعراض قصير عن بعض المشاهد التي عبرت عن العديد من الأفكار التي قدمه من خلاله , شخصياً أرى إن مقدمه جان لوك غوادر عمل يجعلك تشعر انه ينتمي بشكل أو أخر إلى السينما الصامتة تلك الإيماءات والنظرات التي قدمها آنا كارينا كانت بمثابة محاكاة حقيقة للمشاهد وكانها تستنجي منه تلك الحالة القاسية من عيشها الحياة .. غوادر أيضا مخرج يهتم بالقالب المشهد الصوري أكثر من النص والحوارات لذا تجد أن أهم مفترقات العمل والافكار فيه كانت من خلال ألصوره واستخدامه لظلال لتعبير عن الأنا الداخلية للبشر ومشاهد الكلوز اب الضبابية للوجه ومداخل ومخارج الغرف لوصف حاله البشر من الخارج والداخل ,, أما من منطلق أخر العمل لم يخلو من الإيحاءات عن اللاهوت الشهواني ألذكوري ومحاولة السيطرة على المرأة واستذكر في رائعة غوادر “منقطع الأنفاس” حاول فيها إن يعبر عن تأثير المرأة في الرجل وهنا يظهر العكس , أرى أيضا أن شخصية نانا كانت تعبر عن البشر وان مزاولة عملها كفتاه بائعة هوى لم تكن ذات إيحاءات أخلاقية بشكل التام بل هيا ذات رؤية اجتماعيه لعيش الحياة فلو جزمنا إن شخصيه نانا تعبر عن الفرد وان بيع الجسد هو تعبير عن العمل المرهق والمسؤوليات التي تختنق فيها الطموحات والأفكار البشرية لوجدنا أن اغتصاب نانا يعبر عن ضياع الفرد في قسوة واقعه , وبين مسؤولياته وموت كافة الأفكار التي كانت تمتلئ فيها ذاته ..

“حياتي لأعيشها”  هيا لوحة قدمها المخرج الفرنسي جان لوك غوادر بأسلوب مشهدي احترافي وبأداء مثالي من النجمة آنا كارينا ليطرح فيها تلك الفلسفية التي تحملها الحياة للفرد من قسوة العيش وانهيار الأحلام وفقدان الهوية وعدم ألقدره على الاتصال وسيطرة المادة والرغبة عليها وان انه لا مهرب من تلك الغوغائية والسوداوية ألا بالموت وحرية الروح في النهاية ..

فكرة واحدة على ”Vivre Sa Vie – 1962

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s