مراجعات مترجمة / مراجعات الأفلام

كيف تشاهد فيلم Mulholland Drive

“It’ll be just like in the movies. Pretending to be somebody else.”

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت

من المعروف أن فيلم (طريق مولهولاند) للمخرج ديفيد لينش تم تجميعه من بقايا مسلسل تلفزيوني ملغى، بالإضافة لبعض المشاهد التي صورت لاحقاً. قد يأخذ بعض المشاهدون هذا الأمر كوسيلة لشرح تركيبة العمل المجزئة وسرده المتشعب. أعتقد أنه من الوهم تخيل وجود فيلم “كامل” في مكان ما في عقل لينش – أو نسخة خيالية خاصة بالمخرج موجودة فقط في تفكيره الأساسي. الواضح أن الفيلم يشبه الحلم، ومثل معظم الأحلام، فهو يسير متعرجاً على طريقٍ تتخلله منعطفات كثيرة.

يبدو أنه حلم بيتي (ناعومي واتس)، التي نراها متمددة على سرير في اللقطة الأولى. ويتابع بقصة وصولها إلى هوليوود وكيف انتهى بها الأمر ببقائها في شقة خالتها، لكن إن كنا داخل حلم فلا يوجد سبب يدفعنا لتصديق ما نراه بشكل حرفي. وكأنها تحلم فقط بالوصول من رحلتها من أونتاريو إلى لوس أنجلوس، وعجوزين ضحوكين تقابلهما في الطيارة يتمنيان لها حظاً سعيداً، والوصول بالتاكسي إلى الشقة. تمهد الأحلام لمحتواها من المواد الحاضرة أمامنا، ومع أن هاذين العجوزين يظهران مرة أخرى عند نهاية الفيلم فإن وجودهما أصلاً مثيرٌ للجدل.     

الفيلم يوحي بالواقعية في مشاهده الافتتاحية المتعددة، كمقطع مشؤوم من فيلم نوار يرينا امرأة جميلة تجلس في المقعد الخلفي لسيارة ليموزين على طريق مولهولاند – ذاك الطريق الأفعواني الذي يلتف حول قمة التلال التي تفصل المدينة عن وادي سان فيرناندو. تصطف الليموزين، ويُخرج السائق مسدساً ويأمر الراكبة بالخروج منها، وأثناء ذلك تندفع سيارتان قديمتان في المشهد وتصطدم أحدهما بالليموزين، فتقتل السائق وشريكه. تترنح المرأة المدهوشة (لورا إلينا هيرينغ) نحو بعض الشجيرات وتبدأ النزول من التلة – تمر أولاً من طريق فرانكلن، وتصل في النهاية إلى طريق سانيت. تعاود الاختباء بين شجيرات، ثم تشاهد امرأة تغادر شقتها لتركب سيارة أجرة، فتتسلل إلى الشقة وتختبئ تحت طاولة.

من هذه المرأة؟ لنبقى عندها. اللحظات الأولى من الفيلم تبدو كأنها مونتاج غريب من مسابقة رقص الجتربغ في برنامج تلفزيوني من خمسينات القرن الماضي، والسيارتان القديمتان وركّابها يتصلان بتلك الرقصة بصرياً. بيد أن الناس لا يرتدون ملابس رقص الجتربغ ويتسابقون على طريق مولهولاند في الوقت الذي تجري به أحداث الفيلم (التسعينيات)، وهذه السيارات العتيقة باتت بأسعار خيالية، والحادث يتسم بعناصر مأخوذة من تجربة أداء قد يترتب عنها المزيد لاحقاً.   

سأتوقف عن تجربة صبركم بتقديم المزيد من هذه التركيبات للأحداث. فليس من الضروري أن يكون للأحلام معناً ما، وأنا لست فرويد، والفيلم عند هذه النقطة يسير بشكل ممتاز كفيلم نوار، ولا داعي أن يكون له معناً أيضاً. يظهر على الشاشة رجال الشرطة التقليدين في الأفلام، يحققون ومن ثم يختفون حتى نهايته. تكتشف بيتي المرأة من مولهولاند وهي تستحم في شقة خالتها وتطلب معرفة هويتها. ترى المرأة بوستر للممثلة ريتا هايوورث في فيلم Gilda على الحائط وتجيب: “ريتا”. وتدعي أنها فقدت ذاكرتها. وبيتي الآن ترد بلباقة مصدومة، وتقرر مساعدة “ريتا” في اكتشاف هويتها، وتتوطد علاقتهما في مقطع عذب. سرعان ما يساعدان بعضهما في التسلل إلى الشقة رقم 17، فقد نقل لينش أسلوبه من فيلم نوار إلى نوع أكثر بساطة من قصص الجريمة، غموض من قصص نانسي درو. غير أنهما حين يجدان الجثة المتعفنة في الشقة 17، فهو اكتشاف بتفاصيل أكثر من تلك المعهودة في قصص نانسي درو.

ما كتبته في الأعلى هو عرض الطريقة التي يؤثر بها فيلم (طريق مولهولاند) على الكثير من المشاهدين، فهم يراجعون الحبكة مع أنفسهم آملين أنهم إن تعقبوا خطواتهم فيها يمكنهم تحديد مكانهم وكيف وصولوا إلى تلك النقطة. هذا الفيلم لا يعمل بهذا الشكل. فكل خطوة لها طريقة مثل فتح باب المصعد دون وجود مصعد بداخله.

ولأني لم أرضى بفهمي للفيلم، عرضت العمل على جمهور لم يخذلني طوال 30 عاماً. في مؤتمر العلاقات الدولية في جامعة كولورادو في بولدر، وقمت بروتيني السنوي: قدمت فيلماً في ظهيرة يوم اثنين، وثم حللت كل مشهد فيه على حدا، وأحيانا لقطة بلقطة، على مدار أربعة أيام. استقطب الفيلم جمهوراً غفيراً، والكثير من القراءات والتحليلات كما هو متوقع. ورغم ذلك، حتى صديقي القديم الذي دائماً ما يجد كل شيء كنسخة من قصيدة Odyssey لهومر، لم يؤكد واثقاً من رأيه هذه المرة.

 ألقيت خطابي المعتاد بأن يتجنب المشاهد استخدام تحليل مسبق إلى الفيلم، بل العثور عليه ضمن العمل نفسه. لم نتوصل لإجماع حول تحليل معين. إنه إنجاز يعود للمخرج لينش بأن يجبرك على إعادة مشاهدة الفيلم ورفضه الخضوع لترجمة واحدة. وسيلتنا الأكثر نجاعة كانت برسم حدود الأحلام وهوية الحالمين أنفسهم.  

كان هذا تمريناً رائعاً، لكن لاحظ مجموعة اللقطات التي يخسر فيها الفيلم التركيز ويدمج وجه المرأتين مع بعضهما. عندها تذكرت فيلم Persona للمخرج بيرغمان الذي يحكي قصة امرأتين أيضاً. في نقطة معينة من ذاك العمل تقوم واحدة منهما بإيذاء الأخرى، يبدو وكأن الفيلم قد احترق في آلة العرض، فتسود الشاشة، وبعدها يبدأ الفيلم مجدداً بصور من الأفلام الصامتة الأولى. ماذا يقول لنا بيرغمان؟ الأفضل أن نبدأ مرة أخرى؟ ماذا يقول لنا لينش؟ الأفضل أن نتخلى عن توهمنا بحدوث كل هذا إلى امرأتين أو داخل عقلين؟   

 وماذا عن المشاهد السحاقية المثيرة للجدل؟ والأحلام؟ جميعنا عرف أحلاماً شهوانية، لكن جميعها مستوحاة غالباً من الرغبات أكثر من التجارب، ويمكن للناس فيها أن يظهروا ضيوفاً دون أي ثمن. وماذا عن تجارب الأداء في الفيلم؟ يمكن لهذه اللقطات أن تكون صور أرشيفية من حلم أي ممثل. والأمر الناهي وراء اختيار الممثلة. كل هذا يقودنا إلى القزم الجالس على الكرسي المتحرك الذي يصدر الأوامر. هل يمكن لأحد من المجتمع السينمائي أن يعرف عن وجود مثل هذه الشخصية؟

 وماذا عن الشخص المجهول المختبئ وراء المطعم؟ إنه يشكل الهدف الضمني وراء إستراتيجية لينش البصرية الأكثر تكراراً في الفيلم. فهو يحب استخدام لقطات التتبع الجانبية الشريرة إلى أن يلقي نظرة وراء الزوايا شيئاً فشيئاً. وثمة الكثير من هذه اللقطات في شقة الخالة. وبنفس الطريقة نتسلل لاختلاس النظر لما وراء المطعم. وحين يظهر هذا الشخص، فإن توقيته محدد لدرجة تجعلك تجزم بأنه على علم أن أحدهم – أو الكاميرا – يقترب منه. إنها لقطة “بو” كلاسيكية! ولحظة وحاجة ليس لها أي علاقة أبداً بأي شيء في الفيلم.

 ديفيد لينش يحب الأفلام وأنواعها والنماذج الأساسية واللقطات الإلزامية. وفيلم (طريق مولهولاند) يوظف مبادئ فيلم النوار بأسلوب خالص. ثمة تعريف مفيد لأفلام النوار بأنها تدور حول شخصيات ارتكبت جريمة أو خطيئة وغرقت في الذنب، والخوف من أنهم سيلقون جزائهم المستحق. وتعريف آخر يقول أنهم لم يرتبكوا أي شيء، لكن مع ذلك يبدو وكأنهم قد فعلوا شيئاً ما.

 التعريف الثاني يشرح حبكة هيتشكوك المفضلة: المتهم البريء. الثاني يشرح المعضلة الرئيسية لفيلم (طريق مولهولاند)، إلا أنها تطفو في فضاء نفسي عصيب، ولا تكشف أبداً عن هوية المذنب. يستثير الفيلم مشاعر الذنب النوارية لكن دون التعلق بأي شيء منها. إنها خدعة محكمة. وتعريف حرفي للسينما. 

IMDb | RT

Advertisements

One thought on “كيف تشاهد فيلم Mulholland Drive

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s