خــــــالــدات كـوبـريك (4) ملحمة الفــــضاء :2001 آيـــة مـــــن آيات السيــــنما

خــــــالــدات كـوبـريك (4) ملحمة الفــــضاء :2001 آيـــة مـــــن آيات السيــــنما
خــــــالــدات كـوبـريك (4) ملحمة الفــــضاء :2001 آيـــة مـــــن آيات السيــــنما

” اذا كان بامكانك توصيف فكرة ، فبامكاني تنفيدها سينمائياً” ..ستانلي كوبريك

  ان قدر الكتابة عن ملحمة الفضاء  2001 : مر المذاق صعب الهضم و خوض غمار هذا البحر لا يتيح للتائه فيه النجاة لاسباب عديد سأمهلك الى حين لتعرفها  ،، سلم كل من تناول الفيلم قبلي ان الفيلم ملحمة بصرية و قصيدة مرئية ينعدم فيها الحوار الى درجة متدنية جدا بحيث اضحى الحوار هنا ليس المحرك الفعلي للسير الاحداث و تسلسلها مع بعضها بل مقبلات تكميلة لا اهمية لها امام هذا الملحمة البصرية الخلابة و السريالية التي تحتاج منا لـلسبر اغوارها الى الكثير و الكثير من علوم كالفلسفة و علم النفس تم علوم الفضاء .. تحفة كوبريك الاعظم حسب اراء الكثريين من النقاد ،فقد كان الفيلم الذي غير شكل سينما الخيال العلمي و العديد من الاصناف الاخرى في هوليود وكما قلب موازين اساليب  السرد المعمول بها في سينما الخيال العلمي  ، و يرجع هذا الى  الاستقلالية التي شابت اغلب اعمال ستانلي كوبريك بعد لوليتا  و السيطرة الشاملة على العمل بجميع مفاصله وجزئياته لاخراجه على احسن وجه ، كوبريك و ان اختلف و تنوعت افلامه و انماط و اساليب الاخراج و الاداءات في افلامه الا انه ظل وَفي لمشروعه الفكري في رصده للجانب المظلم من بني البشر تتلون الافلام و تختلف لكنها دائما تصب في هذا الاتجاه ، يُصر كوبريك على تخطيء الانسان و تحميله المسؤولية كاملة امام في ما يجري حوله و وفق هذا فقط اعتبر كوبريك مخرجا عظيما على غرار الكثيرين ممن حملوا مشروعا فكريا برؤية سينمائية و دافعوا عن هذا المشروع و سوقوه بشتى السبل خذ مثلا فيليني و الاحلام و سيرة الذاتية او برغمان و الدين و علم النفس ، اهمية هذه التجارب الاخراجية العريقة تاريخيا تعود الى هذا السبب تحديدا حملها لمشروع نهضوي سينمائي حداثي مختلف جدريا او جزئيا مع من سلف المخرجيين السينمائيين  .. ملحمة  الفضاء 2001 معلمة بصرية من معلمات الفن السابع طافت السينما كثير ليستقر الفن السابع في المرتبة سامية جدا بحيث  تشابك هذا الفن مع الكثير من الفنون الاخرى في عمل واحد و استطاع هذا العمل ان يخاطب  المتابع بلغة مختلفة كليا عما سبقه اعمال سينمائية اخرى من نفس الصنف هذا ان تجرأنا على تصنيف الفيلم فحتى تصنيفه الى حد اللحظة مستحيل ..من تلك الثورية التي خلفها الفيلم لا  يجوز ان نقول انه قبل ملحمة الفضاء 2001 كانت هناك سينما خيال علمي في هوليود او خارجها مجردة تجارب قاصرة عن وحوش و رسوم بمؤثرات فنية هشة جدا  لا تستوفى الشروط الكمال السينمائي كما قدم في ملحمة الفضاء من حيث جودة الصورة عظمة المؤثرات و سطوة الافكار و تحريض على استخدام الخيال و العقل في محاولة لتفكيك المعطيات التي يضعك فيها الفيلم و طيلة 45 سنة لا يزال الفيلم قادر على اثارة الضجيج العالي حوله في كل مكان له علاقة بالفن السابع  ، حتى ان التحليلات احيانا كثيرة تأخذ منحى هذياني من قبل النقاد او الجمهور على حد سواء ، رغم ان حدة التكنولوجيا و تطورها قد خففت من تلك الهالة حول التكنولوجيا المستخدمة به الا ان الجانب الفكري السريالي المفتوح و المتعدد للفيلم يجعله دائما احد تحف الفن السابع الخالدة ، و هذا ما سيجعلني افصل في افكار الفيلم حسب رؤيتي من تلك الزواية الضيقة التي كنت اشاهد منها الفيلم بجودة البلوراي و في قاعة مغلقة و ليس قاعة سينمائية بعيار  70 ميليم التي بدونها لا تيستوفى شرط التوحد الشاعري الصوفي مع الفيلم الاستثناء في تاريخ الفن السابع .

“من الناحية النفسية العميقة فإن حبكة الفيلم ترمز الى البحث عن الله و يسلم الى ما هو اقل من التعريف العلمي لله ، ويمكن القول ان الفيلم يدور حول هذا المفهوم الميتافيزيقي و التركيز على المشاعر الحقيقية و الواقعية التي كانت ضرورية للتقليل من المقاومة المتأصلة في الانسان ضد هذا المفهوم الشعري ..” ستانلي كوبريك

     كان لا بد قبل الوصول الى ذورة العلم و التكنولوجيا و امتلاك ناصية العالم الذي يعيش فيه البشر حاليا ان يتعرض الفيلم جزء من عصور الغابرة قبل 4 مليون سنة ، حين كان الانسان لا يزال يتحسس طريقه المجهول في هذا العالم قبل ان يحدث التطور و النشوء التراكمي للفكر الانساني مما جعلنا نصل الى هذه المرحلة التي وضعنا فيها الفيلم مرحلة استكشاف العوالم الاخرى البعيدة و قدرتنا على مجابهة الاخطار و قدرة على التغلب عليها في تلك المرحلة التي لا تعتبر نهائية بل هناك مرحلة اخرى لم يخض فيها كوبريك و هي مرحلة اللانهاية التي يصل فيها الانسان الى مرحلة الكمال و الاندماج مع الكون ،، يبدأ الانسان عاريا جاهلا متفككا كما هو دائما على اختلاف العصور يبدأ اولى اكتشافاته المصيرية باكتشاف السلاح بوصف مصدر للسيطرة على المكان و الطعام و السلطة على اختلاف العصور  يشير كوبريك الى قبائل من العصور البدائية تتصارع فيما بينها لكن اكتشاف احد زعماء احدى القبيلتين المتناحرتين لعظمة يمكن تحويلها الى سلاح للسيطرة و التوسع و ترهيب الاخر غير المصير المكان و الزمان بالنسبة لهذه العصر البدائي .. جهل الانسان و عدوانيته و حيوانيته اتجاه الاخر اي كان ظهر منذ نعومة الانسانية  ،  ايضا كوبريك اراد في مشهد الافتتاحي في الفيلم ان يظهر جليا ان الانسان في العصر البدائي كان يخاف الجديد و الغريب  انظر حين تم ظهور ذلك المستطيل الاسود امام البدائيين كيف بدؤوا بالصراخ و العويل من هول ما رأوا .. ثم ينتقل كوبريك بمشهد ابداعي استغرق ثواني معدودة رحلة عبر الزمن استغرقت اربع مليون سنة ليصل بك الى نتيجة مفادها ان الانسان هذا الكائن الجاهل و الحيواني و العدواني قد ارتقى و اضحى يسبح في الكون و لديه طموحات في السيطرة على باقي الكويكبات خارج مجاله الارضي و هو نفس السعي للسيطرة الذي رافق الانسان طيلة مسيرته الطويلة على الارض ، فلا فرق بين الانسان قبل 4 مليون سنة و انسان في عصر الفضاء و التكنولوجيا الكونية انه ذات المخلوق الجاهل و العاجز امام الاسرار العليا للكون فبعد 4 مليون سنة من ظهور المستطيل الاسود الغريب يعود للظهور امام مجموعة من علماء الفضاء للتأكيد على عجز و ضعف الانسان امام بعض التساؤلات الكبرى التي مهما رقى فلن يتوصل لاجابات حولها ، ايضا كوبريك لا ينفك يذكرنا بمأزق الانسان الحضاري على اختلاف الازمة و الحضارات فافتاحيته للفيلم بالانسان البدائي الذي يعيش في الكهوف و يحاول التأقلم و السيطرة بواسطة المجموعات بشرية صغيرة نسبيا و في بيئة كئيبة معزولة عن الحضارة يعود ليذكر بها  في معرض استعراضه للتكنولوجيا الانسانية في الفضاء نوع الطعام الذي يتناوله الانسان في الفضاء و شكل العلاقات الانسانية الباردة عبر الهاتف المرئي تغييب كافة المشاعر الدافئة و الحقيقة  في مشهد اب يحاول التواصل مع ابنته في عيد ميلادها عبر الهاتف المرئي و كيف ان المشاعر الانسانية تضيق شيء فشيء كلما تطور الحضارة الانسانية اذ ان الانسان البدائي لا يختلف عن الانسان المتحضر في عصر التكنولوجيا و الفضاء الا في الاسلوب العيش .. طعام دون لون  و مشاعر فجة بين طاقم السفينة و من السخرية ايضا في ان رائد الفضاء يمارس الجري وسط  السفينة الفضاء في تسخيف مطلق للتطور الذي وصل اليه الانسان  ،، يظل العجز هو القابض على حياة البشر في تفسير لغز الوجود مهما تطوروا ..الذكاء الانساني بعد 4 مليون سنة تمكن من صناعة جهاز حاسوب عملاق لا  يخطأ “هال 9000 ” يعرف كل صغيرة و كبيرة و هو مسؤول عن رحلة نحو المشتري ، ايضا كوبريك لا ينفك يشير الى ان الانسان اخترع الات دماره بنفسه لا تقل عدوانية و فتكا من صانعها اذ سيسبب الحاسوب هال9000  في قتل كل من بالسفينة الفضاء اسثتناء واحد ، لكن شر الانسان اكثر قسوة من الالات و اسلحته  و هو تأكيد على ان انسان كائن شرير في جوهره ان اضيفت له التكنولوجيا يصبح اكثر قسوة تماما كاخيه البدائي حين اكتشف العظمة كسلاح فسارع للتجريبها في بني جلدته .. هال 9000 الذي اخترعه الانسان يضع حياة هذا الانسان على المحك بسبب هذه الالة ، و من مفيد ان اشير في موضوع هال 9000 انه اشار في لحظة اخطأ ، ان الخطأ هنا بشري و لست المسؤول عنه  و كأنهم يقول انتم ايها البشر هم المسؤولون عما احمله من معلومات و ليس انا  و شر في دفين و لم يأتي من فراغ ،،  كوبريك في مجال الاثارة استطاع خلق شخصية شريرة من اللاشيء ،بالصوت و هذه الدائرة الحمراء التي تحميل نذبر شؤم تستطيع ان تتلاعب بنفسيتك و تجعلك تثوثر و انت تشاهد العمل و هي من الامور الابداعية التي ظلت هوليود تكررها بعد الفيلم .. بالمجمل الانسان سيتمكن من هزيمة هال 9000 ليكون اكثر قسوة من تلك الالة البشرية  التي تطلبت  سنين لتكون جاهزة للمهمة واحدة  و هي الذهاب الى المشتري ، هال كالانسان تماما يرتكب خطيئة عظمى لكنه بعد ان ادرك ان لا مفر من الموت سارع الاعتذار ، محاكاة جميلة لتلك للمشاعر الرهبة التي يحملها الانسان في اللحظات المفصلية و تشبيه مبدع كأننا الالاتنا لا تختلف عنا و انها قابلة للخطأ كما هو شأن بالنسبة لنا .

      كان يمكن للكوبريك في ظل ما كان بين يديه من امكانيات و من ميزانية هائلة ان يصنع فيلم كحرب النجوم مليئ بالاثارة و الحركة و الشخصيات و الفضاء الشاسع ،، لكن فيلسوف الصورة ستانلي كوبريك لا يرضى ان يكرر نفسه و ان يقدم عملا ينساه التاريخ بعد عدد سنوات من خروجه الى حيز الوجود ، لقد اراد ان يضع متابع امام السينما الحقيقية ان يضعنا امام فيلم غير قابل للموت او الاندثار يوما  حتى و ان كان غبار التكنولوجيا المتطورة في عصرنا قد طال الفيلم الا ان افكاره العبقرية السريالية و التي تحمل تفاسير متعددة ظلت نقطة قوة اساسية في هذه السنفونية البصرية ،، الموسيقى و استخدام مقطوعات كلاسكية من القرون الماضية و ذلك التوازن بين الفضاء الفسيح اللامتناهي و مقطوعات كلاسيكية حتى اننا لا يمكن ان نستمع الى هذه المقطوعات دون ان نتذكر مشاهد من ملحمة الفضاء 2001 توازن عجيب بين موسيقى و مشاهد التي ساقها كوبريك في هذا العمل ،، تم لماذا الفيلم يثير عاصفة من انتقادات حين يذكر خصوصا من قبل الجيل الحالي  البطئ الفيلم الشديد للفيلم خصوصا مشاهد السباحة في الفضاء و رد هنا ان كوبريك تعمد ان يجعلك تعيش اجواء الفضاء فعليا ارادك ان تشعر فعليا بالممل الذي يعيشه رواد الفضاء ذلك الروتين القاتل كسياقة في الطرقات السريعة بسرعة محددة  ملل الحياة و فراغ التواصل ، كمشاهد يجب ان تكون على يقين انه في الفضاء انت منعزلا عن الحياة الطبيعة المليئة بالحركة و النشاط انت الان في الفضاء فلا زمان ولا مكان يمكن ان يكون فاعل فعليا في هذه الرحلة الطويلة جدا هذه من الامور التقنية و العلمية التي ادركها كوبريك و بحدثها مع مجموعة من العلماء الفضاء و خلال  قراءها طيلة سنين للمجلات العلمية الفضائية التي شارك فيها ، و الجدير بالذكر في هذا الباب  ايضا ان الكثيرين ممن زارو الفضاء من رواده قالوا على انه قد كتب لهم زيارة الفضاء مرتين مرة في الفضاء و مرة في فيلم ستانلي كوبريك حتى امسترونغ عند عودته من رحلته  قال انه الفيلم كان مطابقا للواقع فعلا ،، من طبيعي ان تشعر بالضجر من مشروع علمي على شكل فيلم سينمائي و يجد بالذكر هنا ايضا  ان فيلم كان سيبدأ بمقدمة الفيلم  على شكل تصريحات للمجموعة من العلماء حول طواهر طبيعة غير مفهومة في الكون لكني كوبريك عدل عن الفكرة اثناء عمله على مونتاج الفيلم ، و هنا تجد الاشارة ان رمزية المستطيل الاسود هي هذه اللاتفسير الذي يحمله الانسان تجاه الظواهر الغريبة و الجديدة على عقل الانساني و هنا تجب الاشارة الى ان كوبريك درس بإحكام موضوع تأثير الاشكال نفسيا على الانسان ليستقر بعد دراسات على هذا الشكل الغريب و الذي حمل اكثر من تفسير ، اراد ان يحاول كل من شاهد الفيلم من يعطيه صفة معينة و مختلفة جوهريا من تفسير الاخر على اختلاف المعتقدات ، و على عكس افلام الخيال العلمي التجارية لم يشأن ان يظهر مخلوق قبيح الوجه ضخم الجثة و ذو قرون على انه كائن المختلف او فضائي ،، كان ذكاءاً وحنكة من كوبريك في اظهار هذا المستطيل الذي يحمل اكثر من تفسير في الانا الجمعي لدى البشر حتى ان بعضهم ذهب الى ان المستطيل ربما يرمز الى الله ، و هو الشيء الثابث الوحيد طيلة المراحل الاربعة للفيلم و كان يمثل عنصر التعجيز للذكاء البشر عبر عصور تطورهم المديد و القاصر  .

     على المشاهد الغير الصبور و المستعجل ان لا يحاول مشاهدة هذا الفيلم فهو ممل جدا بمعايير افتار و تيتانيك و كل التجارب الشبيهة و القريبة ، انه تجربة سينمائية مختلفة سرديا لا تروى و لا تحكى انما تشاهد ، كوبريك وضع في الفيلم زبدة اجتهاده و عمله الجماعي و الفكري طيلة سنين ، اراد ان يضع الانسان و الالة في مرآة الكون ليُشعرهُ بالعجز  ليتنقل الى محاولة جادة  لتحويل الانسان الى الالة في البرتقالة الالية .

فكرتان اثنتان على ”خــــــالــدات كـوبـريك (4) ملحمة الفــــضاء :2001 آيـــة مـــــن آيات السيــــنما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s