مراجعات الأفلام

Zero Dark Thirty – 2012

     حين يسمع مشاهد عادي عن فيلم مثل فيلم “كاثرين بيغلو” هذا, فلا شك أنك هناك تيارات سياسية معينة ستدفعه لأخذ موقف منه. ولكن.. حريّ بك قبل أن تشاهد الفيلم أن تتخلى قدر المستطاع عن أي خلفية سياسية لك, وأن تتجنب أية نظرة سوى أن تنظر بحياد. عندها وبين مقولتي “قوة الحق” و”حق القوة” ستظهر لك ثغرات كبيرة في النفس البشرية التي لا ترى في السياسة إلا فهماً خاصة لما يريده أصحابها وليس للحقوق, بمعنى آخر أظن أن السياسة في الواقع ليست “فن الإدارة” كما يفترض تعريفها وكما يُراد لها أن تكون.. بل إنها تكييف بشري لـ”قانون الغاب” يعتزّ كل طرف بالسوء الذي قام به من خلال حجة معينة تقنعه هو على الأقل.. وبين مقولتي “قوة الحق” و”حق القوة” يتفنن كل طرف بأدهى وأشد أصناف الفتك والتنكيل بالطرف الآخر أو حتى بالشعوب والأبرياء الذين لا ذنب لهم إلا وجودهم في مسرح الأحداث. ومع مرور الزمن يختلط الحابل بالنابل؛ ولا يصبح من السهل التمييز لمن هو الحق أو مع من هو, ويدفع الشعب العادي ثمن قرارات قياداته.. بل إن كلا الطرفين يصبحان أشد عتهاً من منطق المكابرة ويصبح أي تصرف لا أخلاقي ولا بشري من أي طرف منهما يجد لديه تبريراتٍ مباشرة تتعلق بتصرفات الطرف الآخر السابقة. وتبدأ اللعبة الثأرية التي لا تقل قباحة عن “شريعة الغاب”. وعندها وبعد أن يقتل الطرفان كثيراً من الأبرياء.. فأية حقوق قد بقيت, ولمن بقيت..؟؟!

    قد تتفق أو لا تتفق معي في رؤيتي عزيزي القارئ, ولكن إن لم تفعل فلا شك أنك لن تجد ضالتك في هذا الفيلم. ففيلم “زيرو دارك ثيرتي” الذي يظهر رسالة قديمة للسينما الأمريكية تتعلق بأهمية المواطن الأمريكي وحرص قياداته عليه وحبهم لوطنهم, يدخل هذه المرة في تفصيلات غريبة تجعلك ترى -لو شئت- أن كلاً من الطرفين ليس طرفاً جديراً بالمحبة أو التعاطف, وأنه عندما يبدأ القتال تضيع الحقوق ونفقد الكثير من حسّنا البشري. و”كاثرين بيغلو” التي ركّزت على أحداث مفصلية كانت هذه المرة -بقصد أو دونما قصد- على عكس فيلم “خزّان الألم” لا تقف تماماً في صف واحد, وترى -ولو جزئياً- بأكثر من عين واحدة, ولعل هذا كان أحد أهم الأسباب التي جعلت مجموعة من “سناترة” مجلس الشيوخ الأمريكي يرون في فيلمها ما يظهر الجند الأمريكيين على أنهم معذِّبون ويكشف العديد من أساليب التحقيق اللا إنسانية والظروف اللا أخلاقية في المعتقلات التي يرِد في العمل أنها غير معلنة. وعلى النقيض فما تشارك به “زيرو دارك ثيرتي” مع فيلم “بيغلو” السابق مثير الجدل (خزّان الألم) -والذي لطالما اعتبرتُه شخصياً أسوأ فيلم نال أوسكاراً على الإطلاق- وما تقاطع به الاثنان كان حرص الأمريكيين على وطنهم وأرواح الناس. وهذا أمر مبرر للجميع, فكلّ منا ولا شك حريص على وطنه. ومن هذا المبدأ يمكن لنا أن نشرع في المشاهدة دون أن ترهقنا مشاهد التعذيب من جهة, ودون أن تزعجنا العبارات والأسماء العربية المستخدمة في قوائم وشخوص “الجهاديين” أو “الإرهابيين” (وسمّهم ما شئت وفق ما يلاءم توجّهك).

    لأكون منصفاً -سينمائياً بعد أن أنهيتُ مقدمتي في فلسفة السياسة- فلطالما اتخذت موقفاً سلبياً مسبقاً من “زيرو دارك ثيرتي” انطلاقاً من عدم قناعة شخصية ببعض الأفكار التي يتناولها, كما توقعتُ أن أجد في الفيلم ما يشبه الوثائقية المملة, نظراً لأنه ارتكز إلى أحداث معروفة, وأعتقد أن “مارك بول” كان ذكياً جداً في ربط الأحداث مباشرة بـ”مايا” عميلة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الذكية والجميلة (الدور الذي تقدمه بشكل بارع جيسيكا شاستين) ليخرج الفيلم من التقريرية إلى الحياة الاجتماعية دون الخروج عن التفصيلات التوثيقية. ومرة أخرى تظهر “بيغلو” جدارتها في تقديم المؤثرات والتفجيرات مع إضافة عنصر الإثارة والتشويق والتلاعب بالأعصاب, مع موسيقى أشبه بموسيقى ألعاب القتال الحاسوبية لكنها موظفة بشكل ماهر في تحقيق الترابط والانسجام بين الأحداث والمتلقّي. ليظهر في النتيجة فيلماً فاخر المكونات متميزاً بالفعل, منقسماً في ما يزيد عن ساعتين ونصف بشكل واضح إلى ثلاثة أقسام, قسم المقدمة القصيرة, ثم قسم التحقيقات والتوقعات, ثم القسم الأخير هو الإقناع بالهجوم والهجوم.

    يكتسب “زيرو دارك ثيرتي” (ثلاثون دقيقة بعد الظلام الصفري أي 12:30 صباحاً) اسمه من توقيت المهمة التي أدت إلى مصرع “أسامة بن لادن” زعيم تنظيم القاعدة. ومنذ البدء وخلال دقائق عدة على خلفية سوداء يبدأ الفيلم بسرد فتافيت مؤثرة من اتصالات أجراها أشخاص كانوا على الطائرتين المختطفتين أو في برج التجارة العالمي.. تبدو اتصالاتهم كاستغاثات أو أنفاس أخيرة لمن يرون الموت بعيونهم. ولعبة “بيغلو” و”بول” في التأثير على المُشاهد قبل الخوض في التفاصيل التي يُذكر أنها تستند إلى حقائق لم يتم ذكر مصادرها كانت لعبةً موفقة فهي تضعنا مباشرة في الجو الذي نحن مقبلون عليه دونما مقدمات طويلة. ثم ينتقل بنات الفيلم إلى مقرات الاعتقال السرية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في أماكن مختلفة من العالم والتي أشير إليها باسم “مقر أسود”. ونرى أولاً “دان” (أدى الدور بشكل بارع جيسن كلارك) الوكيل المختص باستجواب المعتقلين, نراه قاسياً ومزعجاً ومقززاً لا سيما خلال تعذيبه لسجين اسمه عمار (قام بدوره الممثل الفرنسي رضا كاتب), طريقة التعذيب التي أظهرها الفيلم والتي لاقت الكثير من الاحتجاجات ليست غريبة علينا, فلقد شاهدنا إعلامياً كثيراً, ولا سيما في معتقل (أبو غريب). بعد ذلك نتعرف إلى “مايا” (جيسيكا شاستين) الوكيلة الجديدة التي تبدو غير مقتنعة جداً بوسائل التعذيب أول الأمر إلا أنها تضطر لاستخدامها لاحقاً. نراها مصممة كلياً على أن تصل إلى غايتها. وتعاني كثيراً من الأجواء ومن محاولات القتل. نراها هادئة واثقة مثابرة, تضع وشاحاً على رأسها عند استجواب الرجال, وتصارع رؤسائها من أجل تحقيق متطلباتها التي لم يكونوا مقتنعين بها.. يقتحم علينا الفيلم عدة تفجيرات في أماكن عدة من العالم ولا سيما في السعودية وبريطانيا, ونشاهد عملية انتحارية ينفذها أحد عناصر القاعدة ضد القوات الأمريكية في أفغانستان والذي أدى إلى مصرع وكيلة أخرى صديقة لـ”مايا” تاركاً بها جرحاً كبيراً.

   تركيز “مايا” على كشف الخيوط الأولى عن “بن لادن” قادها إلى البحث عن أحد مراسليه الذي يدعى “أبو أحمد الكويتي” والذي يظهر أنه يستلم شفهياً أو كتابياً خطابات “بن لادن” أو الخطابات الموجهة إليه, ولن أدخل في تفاصيل بهذا الشأن لكي لا أفسد على من يود المشاهدة متعتها.. لكن سأشير إلى مدى التخبطات التي سببها لوكالة الاستخبارات الأمريكية استخدام الأسماء الحركية مثل (أبو أحمد). ودرجة التركيز الكبيرة والدقة العالية التي أظهر بها الفيلم “تنظيم القاعدة” ربما أكثر من وكالة الاستخبارات ذاتها. ثم مدى عدم الاقتناع والمحاولات الجاهدة والحثيثة من “مايا” لإقناع المسؤولين بمكانه والتي وصلت حدود الخلافات العميقة. والتي كانت نتيجتها المعروفة استهداف مقر على الحدود الباكستانية في “آبوت أباد” بعد تصويت بالنسب يبدو سخيفاً نسبياً يذكر فيه كل وكيل استخباراتي نسبة شكه في وجوده.

    بصرف النظر عن القصة التي تبدو معروفة نسبياً لمتتبعي الأخبار السياسية, فإن المثير للاهتمام بعد التفاف المؤلف الذكي جداً لإقحام المُشاهد في الاستمرار في متابعة ما قد يعرفه من خلال بناء حالة الترقّب لما هو قادم, هو مشاهد السادية والتعذيب وانعدام الرحمة التي لم تقدم نتيجة فعلية في حين كان التعامل اللطيف أكثر فائدة.. وهذه الرسالة التي حتى وإن كانت غير صحيحة كلياً عن تغير أساليب التحقيق فهي ذات امتداد إنساني أبعد. هذه المشاهد عينها التي أكد السناترة بطلانها وعدم مصداقيتها وأنها لم تتسبب في كشف أية حقائق, يبدو أن “بيغلو” توقعت رد الفعل تلك عليها لذلك فوضعت في النص شيئاً يشبه الاستهزاء حين يظهر الرئيس الأمريكي قائلاً أن أمريكا لا تمارس التعذيب!. ومن أكثر المشاهد التي أثارت الجدل كذلك مشهد العملية الانتحارية التي قام بها “البلوي” والتي أودت بحياة عدة ضباط أمريكان, عندما قام بعمليته الانتحارية بعد أن أوحى للوكالة أن لديه معلومات يريد تسريبها.. وهي عملية قام بها بعد عبارة “الله أكبر”. ثم نرى أن الجنود الأمريكان لم يكونوا أكثر رحمة مع ساكني منزل “بن لادن” من النساء والأطفال حين هاجموه. ومن المشاهد المعبرة أيضاً في أحد الاجتماعات الاستخبارية عندما سئلت “مايا” عن السبب الذي يستدعي من “بن لادن” تغيير أسلوبه قولها (أننا احتللنا أفغانستان.. أليس ذلك سبباً). فضلاً عن أصوات التقارير الإعلامية التلفزيونية التي كانت على الأغلب تبدو ساخرة أكثر منها إخبارية. سخريتها هذه هي على الأغلب ما استبعدها من الترشح لأوسكار أفضل مخرج فضلاً عن الكثير من الدوريات الأمريكية التي وصفتها بالكاذبة في سرد تفاصيل التحقيق بالتعذيب! وتصف العمل بـ(الغموض الأخلاقي) كونه يحاول أن يوحي أن التعذيب من يعطي نتيجة. ذات المواقع والجرائد عبّرت عن سعادتها في عدم ترشح (الكاذبة حسب زعمهم) للجائزة.. في المقابل ولنكون منطقيين فمتى أعطت الـCIA لـ”بيغلو” و”بول” هذه التفاصيل.. ولماذا لم تظهر لنا هي مصدر معلوماتها.. ربما هي على الأقل سعيدة بأن فيلمها مثير للجدل.

    بين الغضب واليأس تظهر الممثلة “جيسيكا شاستين” بصورة مبهرة وعميقة ومؤثرة كامرأة مهووسة بعملها ومؤمنة به إلى أبعد حد, لتطبع الشاشة بموهبتها وحضورها الآسر رفقة “جيسن كلارك” الذي يظهر بصورة صلبة قاسية من جهة وهشة متخاذلة من جهة أخرى. ويبدوان بشكل خاص اختيارين أكثر من موفقين لـ”بيغلو”. ولعل أهم المشاهد هو دموع “مايا” في مشهد الختام والتي تشبه تنفس الصعداء أو لعلها الإحساس بأن قضية حياتها قد انتهت وأنه لا شيء جديد لديها لتقدمه.. أو مشهد “دان” يطعم القرود البوظة فيخطفونها منه بشكل عفوي. وكذلك المشهد الذي تُحدّت فيه “مايا” المسؤول بأنه إما عليه أن يحقق رغبتها في تزويدها بالمعدات اللازمة لمراقبة الاتصالات, أو أن يخبر رئيسه عن سبب رفضه لتحقيق هذه الرغبة لها ويقرّ بالفشل.. نبرة صوت “شاستين” في هذا المشهد تبدو لوحدها تستحق الأوسكار!

   تقنياً من الجميل أن نشعر بإحساس الكاميرا المحمولة في أكثر المشاهد وباهتزاز الصورة عند التفجيرات كأنها تقتلع الشاشة. وطريقة المزج الصوتي تبدو رائعة, واذكر بشكل خاص الصدى الذي يظهر خلف أصوات الانفجارات فيعطيها قدرة عالية على الإقناع, ومزج الصورة الذي استطاع بطريقة ذكية الابتعاد عن الغرق في مستنفع الملل التوثيقي وأن يضج بألوان حربية مثيرة.

    “زيرو دارك ثيرتي” لغز سينمائي, وفيلم كسر  قواعد عدة في نظري, وخرج عن الجفاف الذي يولّده اعتماد زاوية واحدة للنظر. وإذا كان هو قد تجرأ على توصيف طريقة التحقيق الأمريكية, فسأجرؤ أن أقول أنه بالفعل يستحق الاهتمام.

IMDb | RT

Advertisements

One thought on “Zero Dark Thirty – 2012

  1. التنبيهات: الطريق المثير إلى الأوسكار | مجلة السينما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s