مراجعات الأفلام

Lincoln – 2012

    اعتدنا أن نراه شبحاً يتسلل في الظلام, ويطارد مصاصي الدماء.. وكنا دائماً نتساءل لماذا تريد هوليوود أن تكرس هذه الصورة بالذات لرئيس الولايات المتحدة السادس عشر, الزعيم الوطني الذي وحّد الأمة وألغى العبودية. أليس من الطبيعي أن يكون لكل شخص عيوبه؟! واضح أنه من السخيف أيضاً أن يتم التركيز عند سرد شخصية كبرى على عيوبها ونسيان إنجازاتها. هذه الحالة الساخرة أوقفها “ستيفن سبيلبرغ” هذه المرة كلياً بنظرة ثاقبة محترمة إلى هذه الشخصية الاستثنائية غير العادية, مضيفاً إلى فيلمه ممثلاً استثنائياً غير عادي أيضاً هو “دانييل داي لويس” الذي يبدو الأقرب إلى انتزاع أوسكاره الثالث محققاً إنجازاً ذكورياً تاريخياً. وأياً كانت رؤيتك الشخصية لـ”لينكولن” فلن يختلف اثنان على أن الفيلم من الأفلام القليلة التي تعطي الشخصية حقّها وتركز على التفاصيل الفعلية المطلوبة نابذة أي شيء آخر.

    الفيلم الذي يبدو أشبه بملحمة وطنية أمريكية, يبدأ بمشاهد ليلية مرعبة لاشتباك بالحراب والبنادق فوق الطين, بدماء قتلى من الجنود البائسين في معركة بيضاء أخيرة بالسلاح الأبيض. بداية يبدو أن “سبلبيرغ” ومؤلف النص “توني كاشنر” أراداها أن تثير بعض الحمية والكهرباء العاطفية منذ البداية, لبعودا ويبثاها بطريقة خفية مع نهاية العمل الذي ينتهي فعلياً بنهاية حياة الرئيس الأمريكي, بعدما مرر قانون تحرير العبيد على مجلس الشيوخ, مظهرين هذا المجلس كمجلس أطفال تتلاعب بهم الأهواء والرشاوي والبيع والشراء, يتداولون الصفقات دون اكتراث بما ستؤدي إليه. لذا ففيلم “لينكولن” لا يبدو فقط جزءاً من سيرة ذاتية ذات أبعاد إنسانية فقط, بل ليكون أيضاً نظرة تصويره لنظام سياسي سائد في الولايات المتحدة في ذلك الوقت (ولعله إلى الآن كذلك), نظام عصابات تنجز أعمالها في الخفاء ومن تحت الطاولة.

    لا يبدو أن في النص حكاية حقيقية يفترض بمن يكتب قراءة حول الفيلم أن يسردها, ففعلياً كل الأمر يمكن اختصاره بكلمات قليلة. فيلم حول الأنفاس الأخيرة للحرب الأهلية الأمريكية, وكيفية تمرير التعديل التالث عشر في مجلس النواب الأمريكي لمنع العبودية. الجميل في النص هو الحكايات الإنسانية التي طعم بها “كاشنر” الحكاية منذ البدء. فنحن نستمع إلى تجارب العديد من الأشخاص بخصوص العبودية, فمثلاً منذ البداية كانت قصة الجنود الزنوج الذين لم يكن في بالهم أي جزء من التفاؤل في حصول السود على أدنى حقوقهم في الحصول على المراكز السيادية أو حتى التصويت, وسمعنا كذلك رواية الخادمة في المنزل التي أكدت أن السود ليسوا أعداء الدولة, من جهة أخرى سمعنا البيض الذين كان بعضهم يؤيد إلغاء العبودية خشية على نفسه لا أكثر إلى درجة أنهم ما كانوا ليؤيدوا الفكرة فيما لو ربح البيض الحرب الأهلية. في المقابل ظهر “لينكولن” كرجل صبور يفهم قواعد اللعبة ويحسن توقيت تصويب أفكاره, يتحدث بصوت هادئ مع مجموعة من النكات كأنه يشذب النتوءات القصصية القاسية التي يُفترض بنا أن نشاهدها في في فيلم كهذا. مع ذلك فكنا نرى لينكولن شخصاً هائماً بين مجموعة من الأوغاد المأجورين الذين يتأمرون بأوامره, ولم نجد منه في العمل أي تفكير إصلاحي في محيطه أو الجو السياسي الفاسد. ولا نرى في النص ما يظهر تعقيدات الحرب الأهلية أو الصعوبات والمطبات السياسية, على العكس تبدو الأمور سهلة المنال بوجود المال وتقاسم الحصص. كما أن الفيلم تاريخياً لم يظهر فعلياً وجود قيادات سوداء نظمت السود أساساً بل أظهرتهم مجرد خدم, ولم يخبرنا أن التعديل الثالث عشر ليس مقترحاً من “لينكولن” نفسه بل كان موجوداً قبله من طرف منظمات أهلية, ولم يخبرنا الحقائق الفعلية عمّا كان يحدث في الجنوب كما يعلم كل الأمريكان, إلى درجة اعتبرها كثير من المؤرخين تحريفاً سياسياً. وحتى إن قبلنا أن الإهمال الآني لهذه الأمور كان في صالح التركيز على القضية المحورية في الفيلم فقد قلل ذلك كثيراً من وقع الأحداث على المتلقي غير الأمريكي على أقل تقدير.

    بالرغم من العمل الواثق من طرف النص والممثلين والمونتاجات والموسيقى والأزياء والمؤثرات والإحساس العالي بآلة التصوير التي تعد بلا حرج أحد نجوم العمل, فلا أرى في فيلم لينكولن أكثر من اللعب على المشاعر دون الخوض عميقاً في أي شيء. وأكاد أجزم أنه لولا أن الفيلم يتحدث عن اللحظة الأهم في حياة الشخص الأهم في حياة أمريكا, وأنه مدعم برؤية حيوية سلسة من الممثل المقلّ المنتظر دائماً “دانييل داي لويس” لمر هذا الفيلم مرور الكرام. وعليه أظن أن الذكاء كان في اختيار هذه المرحلة بالذات من حياة الشخصية دون الحاجة إلى سيرة شخصية كاملة قد تسبب الكثير من الجدل إن بلغت مطب الولوج في حكايات الخيالات النفسية التي عانى منها “لينكولن” أو الأحاديث الكثيرة جداً عن مثليته. وقد استخدم “سبيلبرغ” طاقماً عالي الجودة في الفيلم ليغطي على المشاهد أي إحساس بالخمول أو الملل ويزيل مخاوفه من الإحساس ببرود السرد التأريخي, فأداء “داي لويس” العالي الجودة الذي استفاد من صوته الرخيم وملامح جسده النحيل في تجسيد ذلك الرئيس الطويل, جاء مدعوماً من أداء ساحر من “سالي فيلد” التي وقفت بجرأة أمام “داي لويس” بعدما أصرت هي بالذات على أن تلعب دور السيدة الأولى “ماري تود لينكولن” رغم رفض “سبيلبرغ” لها بادئ الأمر علماً أن النص لم يعطِ لهذه الشخصية حقها ولم يوضّح علاقتها مع زوجها أو يظهرها بالشكل الكافي حريصة إلى حد الجنون وذات خيالات عميقة, كذلك لن ننسى “تومي لي جونز” الذي رسمت تجاعيده وشعره المستعار الإبتسامة عند كل من شاهد هذا السيناتور الجمهوري المتعصب لجمهوريته “تاديوس ستيفنز”..

    وعلى ذكر مطبات النص لم يقدم لنا الفيلم الكثير عن “روبرت” (قام بدوره جوزيف جوردون ليفيت) الابن الذي أصر على الانضمام إلى الجيش أو الانتقال إلى الاتحاديين حفاظاً على وحدة أمريكا الذي مر كإشارة عابرة كانت تستحق التوقف عندها بشكل أعمق. لكن دعونا نتجاوز هذه السطحية في الشخصيات على حساب التركيز على القضية الأهم التي جاء “سبيلبرغ” ليخبرنا بها وهي اللحظة المحورية في التاريخ الأمريكي, التي كانت الشغل الشاغل لمن كان في مركز الدوامة ليحقن دماء شعبه فكان مصيره أن روى ثرى الشعب بالدم. وبالنظر إلى الحوارات التي كانت بارعة ومعبرة ومرموقة نوعاً ما, والقدرة المدهشة على تخيل الاجتماعات والمفاوضات والمساومات, ولنعتبر أن ذلك كان على سبيل التركيز والحيلولة دون إطالة زمن الفيلم أكثر وأكثر, ومنع وصولنا إلى حال التخمة التاريخية أو الإشباع من تركز معلومات قد لا نعرفها فلا نحسن الحكم عليها كغير أمريكيين.

    “لينكولن” مطبوع كلياً بروح “سبلبيرغ” الذي يبدو واثقاً به جداً جداً, وإن كنت لا أحس بقدرة هذا الرجل على مسح أعماله بالعاطفية المطلوبة والعمق الشخصي الحسي مما يجعل ميدانه الأهم هو السياسة والحروب, فإن “لينكولن” يغدو الأكثر إقناعاً لي منه منذ أمد, ويشحن المشاهد بروح مثيرة من النصر والمساواة والطموح, وهو الأفضل لاحترام الشخصية التي يتحدث في سيرتها, وكشف الجوانب الأهم في حياة رئيس أمريكي خالد بعيداً عن السخرية الهوليوودية المعتادة.

IMDb|RT

Advertisements

One thought on “Lincoln – 2012

  1. التنبيهات: الطريق المثير إلى الأوسكار (تحديث) | مجلة السينما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s