كلاسيكيات / مراجعات الأفلام

خــــــالــدات كـوبـريك (5) Clockwork Orange فاكهــة كالعلقم مُــرة المـــذاق!

مع ان العنف فيه شيء من النفاق ،الا اننا جميعا مفتونون بالقتل ،لان الانسان افضع مخلوق على وجه الارض يقوم بالقتل دون شعور بالندم ،ان اهتمامنا بالعنف يعكس حقيقة باننا في مرتبة اللاوعي نختلف بشكل طفيف عن اسلافينا البدائيين ..”  ستانلي كوبريك

 

ان الديناميكية الحراك الذي شهده الغرب قبل و بعد رحلة  ستانلي كوبريك الى الفضاء في ” اوديسا الفضاء  2001 ” و التي جعلت من أمن المجتمعات الحديثة هاجساً يأرق حكومات العالم الحر في الغرب  ،، قضية امن الافراد والجماعات البشرية  و تقاطعها مع الحرية الفردية و الارادة الحرة للبني البشر مع ثورة الغرب التي حررته من اسمال الماضي البالية و ازدياد الاقبال على المعشرات الجنسية الحرة و المخدرات بانواعها في اوسط السيتينات الى اواخر السبعينات و ما بعدها جعلت المخرج ستانلي كوبريك يستغل كل هذه الادوات الميدانية في خلق فيلم عن المستقبل القريب حول الدولة البولسية الفاشية و علاقتها بملكة الادراة الحرة للافراد في هذا المستقبل القريب الذي تصوره كوبريك و استطاع بلورت تلك التحولات الديناميكية للشعوب الغربية وما يمكنه ان ينتج عن الوضع الحالي في اواسط الستينات و تصورهُ للغرب بعد ثلاثين سنة او اقرب من ذلك ، مخردات جنس انفتاح ثقافي لا محدود ، حكومات تتعاقب و تتشكل بادعاءات ديمقراطية و طبقة وسطى مخدرة بفعل ثلاثية المخدرات الجنس و الجريمة التي جعل منها كوبريك اسس التي يقوم عليها فيلمه عن الانساني الالي و عصر تقويم سلوك الانسان ليتناسب مع القيم العليا للانظمة على اختلاف توجهات التي تتبنها و هنا كوبريك كان اكثر قسوة في للفض الفساد الاكبر في هذا العالم فهو في النهاية  ليس في اليكس الذي يمارس حريته بل التعنيف و التقويم التي تتخذه الحكومات للتخفيف من المعدلات الجريمة في المجتمع البريطاني المستقبلي ..الفيلم احتوى على فكرة فلسفية نوقشت كثيرا من قبل الفلاسفة رجال الدين و سياسيين تحتوي على الكثير من الجدلية و الوصول معها الى خط نهاية امر صعب جدا ، هذه الجدلية هي من جعلت الفيلم يخلد كل هذه المدة كرائعة من روائع الفن السابع رغم الكثير من اللغط الذي رافق اصدار الفيلم سواء من قبل الجمهور او النقاد كان اكبر من قدرات الذهنية للفترة السبعينيات لما احتواه من عنف مباشر و جنس مباشر و افكار حاذة و جدلية الى ابعد حد ، وفق هذا تجد انه في موقع imbd  تجد ان الجمهور لا يزال يناقش اهمية الفيلم من عدمها بعد 37 سنة من صدور الفيلم و هذا ما يجعلهُ احد افلام التي يجب ان يكتب عنها لنعيد للسينما زخم الجدل الذي فقدته في اعمالها مؤخرا. 

 

    هاجس تناقضية النفس البشرية و احتوائها على متاقضين لا يمكن ان يوجد احدهم دون ان يكون الاخر في الغرفة المجاورة  ، الخير و الشر ملازمان للسلوكات البشر منذ آدم حتى الان ،، الحيوانية و العدوانية الشعوب البدائية في مشهد افتتاحي في اوديسيا الفضاء2001 لا يقل اهمية عن مشهد الافتتاح في البرتقالة الالية العنف و العدوان و استمتاع بانجازات العنف على غرار اسلافينا البدائيين نفس أواصل العنف الغريزي لذي الانسان الذي لا تنفك شهواته تــُروض مبادئه منذ القديم ، ما كان لستانلي الا اخذ فكرة اسلافنا البدائيين و جعل من ألكيس بطل فيلم يبدو كإنسان المستقبلي في رداء العصور البلاط الوسطى ، موسيقى بيتهوفن التي ارد بها كوبريك الا تنفي عن ألكيس صفة الرقي الانساني و تفتح الاخلاقي و ذائقة الانسانية الراقية في استمتاع بالموسيقى الفاخرة ، ايضا اليكس اقرب الى ملوك البلاط الذين كانت تراعاهم الكنسية رغم كونهم ارتكبوا فضائع لا حصر لها في الفتك بمناوئيهم و منافسيهم على الحكم و يستدل كوبريك بشخصية ريتشرد الثالث الذي جعله شكسبير موضوع احد مسرحياته الشهيرة في احد مقابلاته استدلال على ان العنف ظاهرة انسانية ..اذاً معركة الاختيار الاخلاقي بين الخير و الشر او الحلال و الحرام و تلك التناقضية التي تحملها في كشف جانبي الشخص الواحد جعلت كوبريك يخضو بينا في دوامة من الاسئلة الكبيرة دون اللجوء الى تعويض هذا النقص بوضع ايجابات واضحة عنها ، الاجابات التي عجز الكثيرون من العلماء النفس و الفلسفة ايجاد ايجابات جاهزة لها .. نصل مع وقت في الفيلم الى ان  ندرك اننا ضحايا سواء كنا نمارس العنف او يمارس علينا ، تلك البهيمية و البدائية التي تـَسوق الانسان الى خيار العنيف سواء كان فردا او جماعة بشرية او حكومة منظمة تسعى هي الاخرى الى وقف النزيف بمكافحة العنف و ممارسته على افراد حتى تتمكن من تقليل نسبتهِ ، نجد في الفيلم حالة تشبه الدوامة من الممارسات العنيفة يمارس الكيس عنفهُ الجسدي  بمساعدة اصدقائه تم يمارس عنفه على اصدقائه ، يُلقى القبض عليه يتمارس عليه النظام عنفه على اليكس ، تم يتعفى الكيس و يتم تقوييم سلوكه بشكل ايجابي يعود الى حياة ، فيجد ان ابويه يمارسان عليه العنف و ان اختلفنا في التوصيفات ربما هو هنا معنوي ، تم يأتي العنف من كل اولائك الذين مارس عليهم اليكس العنف في الماضي المتسول و اصدقائه الذي اصبحوا من الشرطة ، انظر الى دوامة العنف الاجتماعي و كيف انها تلسع الجميع ، و هناك كوبريك لا يقوم الا برصد حالة التناقض القديمة في بني البشر صراع التناقضات داخل الجسم الواحد  في الدائرة التي لا تتوقف الى ان يعود اليكس الى طبيعته معفى من التقويم السلوكي انسانا قادر على لعب دورهِ  الجرثومي داخل الجسم الاجتماعي دون اي يغيب فيه جانبهُ الاخر الطيب الذي يبحث عن مواطن الجمال كاستمتاع بالموسيقى و الاوبرا ، ايضا لا يفوتني ان اذكر ان داخل تلك الدوامة التي خلقها كوبريك في الفيلم لم ينسى بأن يعاقب المتفرج هو الاخر بجعله يتقزز من مشاهد الاغتصاب الاوبرالية مع مراقفتها للموسيقى سواء كانت كلاسيكية او شعبية القديمة كاغنية الغناء تحت المطر فهي موسيقى في غاية الافلطونية و الرقة ، لكن حين يرددها مغتصب تصبح الامور مشوشة جدا و هنا لا بد من الاشارة الى نقد مثالية المجتمعات الغربية في الخمسينات و الستينات حين نستحضر هذه الموسيقى مع مشهد اغتصاب ، كوبريك بأعلى صوتهِ يقول  لم نكن مثاليين لاننا هكذا و مشهد امامك ، كما تم ممارسة العنف على اليكس و اجباره على مشاهدة مقاطع من مجازر النازية و افلام عنف تصاحبها موسيقى رقيقة و جذابة ، تمت ممارسة العنف على المتفرج هو الاخر الذي عانى الامرين في مشاهد العنف و الاغتصاب التي تشعر بواقعيتها و خبثها و تنفر منها و تبدو الرسالة هنا ابلغ في محاولة الفيلم عكس المرآة الحقيقة و الوجه البشع للعنف الحقيقي و الواقعي المُؤلم جدا،  لكن لا يمانع احدنا ان يتابع الفيلم و ينطلق و يضرب هذا و يشتم هذا ضمن غريزة البدائية فينا ، يدافع كوبريك بإستماتة عن خيار الغريزي في ترك الفرد يمارس ارادته الحرة ، بعيدا عن الانسان المجبور على الكمال اخلاقي.

 يحتوي الفيلم على  الكثير من الرمزيات الهامة و التي تحتاج الى العديد من المشاهدات حتى نتمكن من رصدها جميعا ، و من اهمها حسب تحليلاتي افتتح ستانلي كوبريك الفيلم باللونين الازرق و بعده الاحمر و هما اختصاراً يرمزان بما لا يدع مجالا للشك ان كوبريك يقصد الجانحين الحاكمين للعالم المعاصر و عينه على فيلمه السالف الذكر “دكتور ستنجلوف” و افرازات ما بعد الانفجار النووي و اعادة الجنس البشر الى الحياة و تهافت الحكومات على ضبط الامن و المصالح و كبح شتى اشكال الثورات القادمة عبر خلق علاجات التقوييم السلوكي  ، يقصد كوبريك باللون الازرق امريكا و الغرب عموما و يقصد باللون الاحمر المعسكر الشيوعي بزعامة الاتحاد السوفياتي وما يفسر هذا اكثر اعتماد على الخليط اللغوي و خلق لغة جديدة هي خليط العامية البريطانية و الروسية رغم ان كاتب الرواية بيرغيس هو صاحب هذه اللهجة الا ان ستانلي كوبريك استثمراها في اظهار اشتراك المعسكرين الرأسمائي و الشيوعي في أهداف كبح اختيار الاخلاقي الطوعي و ربما تهدف الخطوة كما عرفت سابقا في ايام الاتحاد السوفياتي الى جعل الفرد اكثر ايمان بان خطوات ستالين كانت اكثر نجاعة و حكمة واستخدم العلاج السلوكي  لتضليل العامة و تطويعهم و تأطيرهم اديولوجيا بما يخدم مصالح الامة ، و ربما استخدمها الغرب ايضا ليعلب خيارات الشعب الديمقراطية في صناديق الاقتراع واكاد اجزم ان رسالة كوبريك كانت اكبر من مجرد الكيس و الاختيار الطوعي للفعل و بالعام هو يحذر من الفاشية الجديدة التي اصبحت تلتهم المجتمعات الحديثة  ، ايضا من الرمزيات القوية و الهامة في الفيلم و الوظيفية ، الافعى التي يملكها اليكس ضمن مفاهيم التكميلة للفكرة الفيلم هنا الافعى مرتبطة بالمفهوم الديني الانجلي حول ادم و حواء و خيارات التي اتيحت لهما قبل النزول الى الارض بسبب خطأ طوعي ارتكبته حواء ، و في هذا الجانب لا بد ان اذكر ان بيرغس كاتب الراوية الفيلم ، تقاطع مع ستانلي كثيرا في افكاره و اسلوب ختامه للفيلم ، بيرغس غلف فكرته بغلاف لاهوتي و اعطى للمرجعية الدينية دوره في اصلاح و خلاص الكيس في نهاية ، بينما كوبريك العدمي اخذ فكرة الفيلم الى ما هو ابعد من ذلك و استغل النسخة الامريكية من الرواية التي لا يوجد بها الفصل الاخير الذي يحكي عن تأثر الكيس بالمسيحية و تحوله الى انسان خير ، فتناطح الاثنان بشكل كبير لاحقا بسبب اختلافهما الاديولوجي ، فكوبريك اكثر من مرة في الفيلم يحمل المسؤولية للكنيسة هي الاخرى في محاولة زرع  الخير في الانسان زرع و عدم تركه يمارس طبيعته خارج القيود الوراثية للمفاهيم الدينية  ، و ينتقد الانجليل و احتواءه هو الاخر للجنس و العنف حتى ان اليكس ذهب الى حد هيامه بمقاطع  العنف و الجنس في الانجليل و قاعدة اذا ضربك احدهم الى خذك الايمن فأدر له الايسر في الوصول الانسان مجدد الى التقويم العلاجي الدوني بشكل ديني  و كما فعل تماما بالكيس و نلاحظ الهجود الاهوتية داخل المؤسسة العقابية الغربية للترويض الفرد و تعليبه داخل منظومة شبيهة بما حل باليكس  ، الكيس هو في المحصلة انسان طبيعي جدا قادته عوامل التربية و المجتمع و الثقافة الى ما هو عليه ، تحويله الى مخلوق غير عنيف هو محاولة سرقة الجانب الاجتماعي منه و تحويله الى مخلوق غير اجتماعي الالي شبيه بالزومبي ..

 اجبار اليكس على مشاهدة اشرطة ابادة النازية للهولكوست و تذكر الحروب الدينية في القرون الوسطى و الحربين الاولى و الثانية و غيرها تحيلنا الى اننا قبل و بعد الكيس نحن جماعة البشر مسؤولون على الكثير من اخفاقاتنا و حروبنا السابقة و اللاحقة ، النظرة المستقلية للحياة تجعل كوبريك يغير كافة انماط الحياة حتى ان الرقي الفني ارتبط بالتحف و اللوحات الجنسية الفاضحة في تناقضية صارخة لدى المجتمع الانساني ،بينما صارعت المرأة الارستقراطية الغنية دفاعا عن احد اصنامها الجنسية الراقية قتلها الكيس المجنون  ، تلك النظرة المستقبلية الى مجتمع لم تعد تحكمه القواعد الطبيعية المتعارف عليها ، بل اصبح من الشذوذ الا تشبه فردا من هذا المجتمع التراكمي الانساني ، اقتناء التحف الجنسية كأقتناء صور الممثلين في العصور الاخرى ، لذا فكوبريك نقل لك عالم مختلف تماما غريبا تماما خلقه على مستوى الشخصيات و الديكور و افكار و الموسيقى ، يمكن اعتباره المجتمع الخفي للمجتمع الانساني الحالي.

 هل نفقد انسانيتنا اذا فقدنا قدرتنا على الاختيار الطوعي بين الخير و الشر ؟؟ الجواب في فاكهة كوبريك الالية ، انسان الالي بطعم فاكهة غير طبيعية.

Advertisements

One thought on “خــــــالــدات كـوبـريك (5) Clockwork Orange فاكهــة كالعلقم مُــرة المـــذاق!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s