مراجعات الأفلام

Rhino Season – 2012

نصيبك في حياتك من حبيب.. نصيبك في منامك من خيال

المتنبي

لا توجد أمام السينمائي سوى طريقة واحدة موثوقة لاستعادة صورة الوطن المفقود, وهي أن يعود ويقوم بتصويره من الداخل

ميغيل ليتن – سينمائي تشيلي

    منذ زمن لم يأخذني فيلم إلى درجة الغليان والغضب من الداخل.. لم أشعر بتلك الحرقة والأسف.. لم تخرج أنفاسي ملتهبة ومشتعلة إلى هذا الحد.. لم يحرجني وقع الصمت كشجرة مزّقها إعصار مخيف.. هي مرة أخرى يشرع بها المخرج الإيراني الكردي “بهمان قوبادي” بالحفر عميقاً في المآسي الإنسانية التي تأخذ طابعاً قومياً في أفلامه التي يصرّ بها أن تقتلنا برتابةِ مع قلة الكلام, متحدثاً عن آلام الأكراد ومعاناتهم, يغمس عدسته في مستنقعات الأسن البشري فتخرج ملتمعة بأفكار وتفاصيل من لدن الثقافة الكردية التي تشبعت بالأسى منذ أزمان, وتغدو شخوصه كائنات ثقيلة أشبه بأيقونات متحركة أو تماثيل جاثمة على الصدور.. إنه نعم “موسم الكركدن”..

    “بهمان قوبادي” ذلك الاسم الذي اكتسب شهرة عالمية من أفلام ستة في خمسة عشر عاماً, وحصد عن فيلمه الطويل الأول (وقت للخيول المخمورة) جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان عام 2000, التزم خطاً معيناً في السينما الروائية جذب إليه الأنظار والأضواء.. من فيلم (أغنيات من بلاد أمي) إلى (نصف القمر) و(السلاحف يمكن أن تطير).. إلى (لا أحد يعرف القطط الفارسية) مختاراً أنماطاً من الحياة المتأزمة والممنوعة والمضطربة.. متراوحة حيناً بين السينما النضالية وطوراَ بين سينما الواقعية الشعرية.. وفي كلتا الحالتين تبعث منها صور تحاكي الأعماق وتستقر في أعماقها, فينسلّ الجدل إليها من بين أصابع السياسة والمآسي والممنوع, مثيراً نداءات مكتومة وأغنيات رثائية دامية.. يطلّ “قوبادي” هذه المرة بذات الجدل الذي يتضمنه موقفه السياسي الهجومي على “الثورة الإيرانية” كمضمون في العمل مما أدى إلى إتمام التصوير في تركيا وإسناد العديد من الأدوار الرئيسية إلى ممثلين أتراك, ومن ثم استخدام الممثلة الإيطالية الجريئة ذائعة السيط “مونيكا بيلوتشي” كشكل مثير للجدل بعدما أثار “قوبادي” في المضمون, مستفيداً من جمالها الشرقي في تجسيد الزوجة الإيرانية ومن قدرتها على أداء مشاهد مثيرة لن تجرؤ الممثلات الإيرانيات على القيام بها. وفضلاً عن وجود “بيلوتشي” في العمل فقد أضاف “قوبادي” إلى فيلمه الممثل الإيراني الكبير “بهروز فوسوقي” الذي كان قد خرج من إيران قبل قيام “الثورة” فيها بعدة أشهر قاصداً أمريكا, ومعتزلاً الفن السابع إلى أن أتى موعد “موسم الكركدن” فأزهر به على الشاشة الكبيرة.

    يبدأ الفيلم باسم المخرج الكبير “مارتن سكورسيزي” الذي قرر توزيع الفيلم على هامش مشاهداته في مهرجان تورنتو, حيث تم عرض الفيلم مثيراً تقييمات نقدية متفاوتة, لكن ذلك كان كافياً ليعجب المخرج العجوز ويغريه في إضافة اسمه له خلال عام لم يقدم به شيئاً.. يهدي “قوبادي” فيلمه إلى (فرزاد كمانغر) الذي أعدمته السلطات الايرانية بتهمة الإخلال بالأمن القومي في العام 2010، و (صانعي جالا) طالب المسرح في جامعة طهران الذي فقد حياته خلال مظاهرات عام 2011, وإلى كل المعتقلين السياسيين الذين ما زالوا في السجون الإيرانية. ثم يعلن بشكل صريح أنه مستند إلى حياة الشاعر والمؤلف الإيراني الكردي (صادق كمانغر) الذي اعتقل على امتداد 27 عاماً في سجون الجمهورية الإسلامية, بينما أُخبرت عائلته أنه مات, وكانت هاتيك العائلة على مدى أعوام كثيرة تبكيه فوق قبر زائف أخبرتهم الحكومة أنه له. ثم يذكر أن قراءة الشعر قد تمت من طرف “بنت أرضه”.

ذاكرة الكابوس .. أم لزوجة الماضي …

    قصة الفيلم تبدأ في خريف العام 2010 مع إطلاق سراح الشاعر “ساحل” (بهروز فوسوقي) بعد أن أمضى قرابة الثلاثين عاماً في السجن بتهمة كتابة قصائد سياسية معادية للثورة الإسلامية, وفي رحلة بحثه عن عائلته المفقودة الهاربة إلى تركيا؛ تبدأ ذاكرته باستذكار قصاصات عن العاشقين الشابين الشاعر “ساحل” وزوجته “مِنة” (مونيكا بيلوتشي) في احتفاليته بإطلاق آخر دواوينه المسمّى (الكركدن), ونشاهدهما تحت أنظار حادة وحاقدة من قبل “أكبر رضاي” (يلماز إردوغان) سائق سيارة الزوجة “مِنة” التي يعمل والدها عقيداً مع نظام الشاه, تبدو الأمكنة مجهولة وغائمة وغير معروفة لكنها جميلة إلى درجة عالية الجودة, تبدو كذاكرة عائدة من كابوس قاسٍ وممقت رغم جمال العاشقين والنزهة التي أخذتهما معاً إلى أحد أغلى الأمكنة على قلب الشاعر كونه يعتبرها موطئ إلهامه. أو لعّلها لزوجة الماضي التي تجعل منه ضبابياً نتذكر منه أجمل الأشياء وأقساها دونما حلول وسطى, تجعله في حال غير معروفة الحقيقة بين الواقع والخيال. حالة الضبابية الكابوسية كانت توزايها مرافقات شعرية هادئة, وموسيقى سوداوية. ومع الوقع الفنتازي وتقطعات المونتاج غير المنتظم ينتابنا شعور أننا نحن من نتذكر لا الشاعر, أو لعلها هي الكاميرا ذاتها من تستذكر الأشياء دون الاهتمام بالأزمنة. وسرعان ما يخرجنا “قوبادي” من ذلك عندما يشرع بتقديم التفصيلات, فبعد أن يعترف السائق لـ”مِنة” بحبه لها فيوسعه والدها “العقيد” ضرباً, وعلى إثر قيام الثورة الإسلامية, تم اعتقال والد الزوجة بصورة انتقامية صرفة, وتكشّف أن السائق قد تحول إلى أحد “أركان” الثورة أو “حرسها الثوري”, محللاً لنفسه فعل ما يشاء كأن الله قد شرع له كل ما يفعل, وقد كان ملوث الأخلاق فاسدها إذ قرر أن يستغل ما جرى في تحقيق مآربه الشخصية, حيث أنه لفّق التهمة لـ”ساحل” في خطته ليختلي بالزوجة, ثم سارع إلى إتهام الزوجة نفسها بدعم زوجها (السنّي) على حساب “النظام المقدس” للجمهورية الإسلامية”, فتم الحكم عليه بثلاثين عاماً وعلى الزوجة بخمس. وقد تظاهر ذلك الوحش البشري بأنه سيساعد الزوجين على اللقاء داخل السجن فهيأ لهما مكاناً ليلتقي الزوج بالزوجة عارية لكنهما مغطيا الرأس بـ”كيس” أسود, ثم اقتحم تلك الخلوة ليشعل غريزته في جسد الزوجة, فتصبح الزوجة في تلك اللحظة الوطن الذي تقاذفته النوائب من كل الأطراف, وتغدو قضية الاغتصاب الكلاسيكية سينمائياً وما نتج عنها من توأم من البنات إحدى صور الديكتاتورية البشعة التي تم كتم صراخها مع اعتبار وجود جدلية احتمالية بأن يكون التوأم بالفعل من صلب الزوج. والأغلب أن هذه الصورة التي ستكرر صورة أخرى لاحقة مقاربة من حيث الوقع هي إحدى صور اختلال التوازن الكوني التي تعمّد بها “قوبادي” فيما بين الصورة والشعر أن يزيد الحس القهري في داخلنا, ويجعلها نواة الاضطراب الروحي الذي يدعم به صورة كرهه للنظام السياسي.. ويزيد إحساسنا بالكابوس الخارج من الذاكرة الشاعرية ويفيض لزوجة من الماضي لتطمس أية هوية واضحة.

اختناق الصراخ…

    تقود “ساحل” قدماه إلى حيث تقطن زوجته ليكتشف أن البنتين قد امتهنتا العُهر.. يرفض من داخله أن يرى فيهما ابنتيه, لكنه كان يشعر أنهما أشرف من العمل الذي تقومان به, ولم يستطع أن يكرههما بافتراض أنهما بنات سِفاح, لكنه قرر أن يظهر صامتاً لا ينبس ببنت شفة, وأن يمثل دور الغريب الذي لا يفهم الكلام التركي الذي يستخدمونه, وأن يرتضي خنقه للصراخ الذي لو تدفق منه لاهتزت له أركان الأرض. وقد اقترب من المنزل على هيئة سائق سيارة يأخذ الفتاتين إلى “مقر عملهما”’ لكنه تأخر في أحد المرات فكانت النتيجة أن فقدت أحداهما (الممثلة التركية بيرين سات) نقود زبونها, واشتبكت معه فتدخل “ساحل” في عراك بالأيدي كانت نتيجته إصابته والفتاة بجروح, فنقل “ساحل” البنتين إلى منزله بغرض مداواتهما, لكن أخذت الجميع حالة سكر معينة أدت إلى ما يشبه الاتصال الجسدي بين “ساحل” وإحدى الفتاتين التي هناك شك في أن تكون ابنته.. صورة تقصد “قوبادي” أن يجعلها ضبابية جداً إلى درجة لا نستطيع حتى نحن أن نحكم ما إذا كانت قد حصلت بالفعل؛ أم أنها كانت مجرد تهيؤات من السكارى. لكنها كانت في جميع الأحوال من صور الاختلال التوازني والقهر الحسي, والتي نتج عنها فيما يبدو صرخات أخرى مكتومة من داخل “ساحل” عندما استفاق من سكرته وأحس بهول ما جرى. وفيما بعد اتخذ “ساحل” قراره في الانتقام من “أكبر رضاي” وقد انتابه حلم يقظة أنه يقود سيارته بين قطيع من الكركدن فيصدم أحدها سعيداً يمقتله.. فاستغل لاحقاً فرصة اختلائه في السيارة مع غريمه ليتوجه به إلى البحر مباشرة, ويغرق كلاهما وهو ينظر إليه مستشفياً منتقماً بصرخات انتصار مكتومة, دعمتها حالة غرافيك ممتازة أظنها المرة الأولى التي يستخدمها “قوبادي” في إضافة الرمزية الفنتازية التي تساير الأشعار المتدفقة حين رأينا أن الكركدن الذي صدمه “ساحل” في حلمه عاد للظهور داخل الماء هذه المرة, كتأكيد على نشوة النصر. ليخرج الصمت عن صمته وتنطق النهاية بأغنية رثائية مبكية تعصر القلب, كعمرٍ مضى دون نفع.. فوق أراضِ متشققة من العطش.. أما نحن فنبقى في حيرة من أمرنا هل كان ذلك المشهد حقيقياً أم كان امتداداً لحلم اليقظة المذكور.

    تقدم “مونيكا بيلوتشي” دوراً رائعاً وتبدو اختياراً موفقاً جداً للمخرج “قوبادي”, فصحيح أنها لم تتحدث الكثير من الفارسية, إلا أن المطلوب من الدور كان أن تكون مجرد جسد بلا روح نزعت منه مآسي الحياة أي حس بالسعادة أو حتى الهوية, وبعيداً عن المشهد الجريء فالتحول إلى الصورة الأيقونية في نظر الزوج هو أمر يبدو أن “مونيكا” قد نجحت فيه ببراعة مستفيدة من جمالها الآسر الشرقي, وعيونها التي تشع أحاسيس تتناسب مع الإحساس المطلوب. أما “بهروز فوسوقي” العائد إلى السينما فلا يبدو في حالة ترهل سينمائي, إذ أنه تقمص الدور بشكل مميز مستفيداً من مسحة الحزن التي يتشح بها وجهه في دور قليل الكلام إجمالاً. فلسفة استخدام الشعر التي يفترض أنها ستجعل العمل أقرب إلى الصورة التسجيلية أو التقريرية مع التزام راوٍ للشعر -وهذا بطبيعة الحال أحد الاتهامات والمآخذ على أعمال المخرج السابقة-.. يبدو أن “قوبادي” استطاع أن يتخلص منها باعتماد الصورة التي تطغى على الأشعار.. إذ أننا نرى أن الشعر هو من سيكمل الحدث لا يسبقه ولا ينتقص منه. سيرى البعض ما في الحكاية مجرد عبثية قد لا تنسجم مع عذابات السجين الذي لو جلبناه ليتحدث لنا عن سيرته الذاتية لكان أكثرها في الحديث التعذيب وما شابه, إلا انه من الجليّ أن المقصود كان أبعد من حكاية معتقل.. فالمسألة هنا تتجاوز ذلك إلى حيث يصبح الغرض هو الدخول إلى طريقة انكسار الروح واختيار الموت الأخرس والانتقام الهادئ.. لذلك فالأحداث الكابوسية السقيمة تم توظيفها بصورة هلوسية لا تكاد تبلغ بنا حال اليقين. أما من ناحية الصورة فلن أنكر أنني شعرت أنني أشاهد “دكتور زيفاغو” جديد أو شيئاً من روح “تيرنس ماليك” الخارقة تصويرياً وتأملياً رغم بطئها.. وتبدأ الأفكار السيريالية بالتناثر منذ الشجرة الملهمة للشعر في نزهة العاشقين.. مروراً بالشاعر المربوط إلى جذع شجرة والدنيا تمطر حوله ثلجاً وسلاحف!.. إلى صور الزوجة تنقش الأشعار على الجدران, ثم توشم بها الناس, إلى شواهد الأجداث… لتطلق في المشاهد نزعة نحو التفكر فيما وراء الصورة وتمنح العمل قسطاً أكبر من الجاذبية.. ولن ننسى روح المخرج المنفي التي ظهرت بردة فعل سياسية عنيفة, على من جاؤوا يحملون مبادئ من المفترض أنها تلتزم التعاليم الإلهية والنبوية.. وتبدو الفكرة كأنها مرثية شخصية تدعمها أشعار ذات تلميحات غامضة.. الموسيقى هادئة تم الاستعاضة عنها كثيراً بأصوات الطبيعة الحادة أو الهائجة.. من ناحية التصوير اعتنى “قوبادي” بجعلنا نحس أننا أقرب إلى الشخصيات كأننا نراها بأنفسنا مستخدماً المزج المونتاجي بين الفلاش باك والأحداث وفق ما تقتضيه الضرورة القصصية.

    “موسم الكركدن” قصة حب مأساوية, ومرثية حزن تغصّ برؤى رمزية, وشاعرية سوداء قاسية تثير الغضب والقلق.. كابوس مظلم يعترينا فنشعر بصرخاتنا فيه متكومة مختنقة.. لكنه عمل مميز يستحق منا المشاهدة دونما شك.

IMDb|RT

Advertisements

3 thoughts on “Rhino Season – 2012

  1. اها لطيف ولكن اظنني سأنتظر بعض الوقت لإصدار نسخة افضل , على كل حال
    بينما انا اتصفح طيات موقع ( subscene ) دخلت لأرى من من الاخوه قد ترجم فيلم ( zero dark thirty ) وإذا بي ارى اسم ( N-Ezzeddine ) فقلت في نفسي اهذا نزار الذي اعرفه فتحققت من الامر وسعدت كثيرا لما علمت بذلك
    موفق اخي لكل خير
    ونراك في مراجعات وترجمات اخرى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s