مراجعات الأفلام

Parlez-moi de vous – 2012

نحن أعداء أنفسنا الأكثر سوءاً

لويس بينستوك – كاتب أمريكي

ليست السعادة في غياب المشاكل بل في المقدرة على التعامل معها

ستيف مارابولي – كاتب وباحث أمريكي

    “حدّثوني عنكم : Parlez-moi de vous” أو كما في الاسم الإنجليزي (معكم على الهواء : On Air) هو المشروع السينمائي الطويل الأول للمخرج الفرنسي (بيير بينو) الحاصل على سيزار أفضل فيلم قصير عام 2008 عن فيلم (الفتافيت : Les miettes).. هي في نظري تجربة أولى تستحق الاهتمام.. وهو يهديها إلى ذكرى الممثلة “ناديا بارينتان” التي توفيت بعد أمد ليس ببعيد من التصوير, ورحلت قبل أن تشاهد ما قامت بأدائه معه في هذا الفيلم.

    بصوتها الرخيم وهدوئها الساحر, وفي كل أمسية عند التاسعة ليلاً, ولمدّة ساعتين من الزمن, تطلّ “ميلينا” (قامت بدورها الممثلة كارين فيار) موزعة فيضاً كبيراً من الراحة على مستمعيها -بل مستمعاتها بشكل خاص- عبر أمواج أثير الإذاعة الفرنسية… يتصلون بها لتبدي رأيها في مشاكلهم العاطفية والحياتية اليومية.. تتحدث بصبر وانضباط وحكمة واتزان.. تبتسم للناس, وتحدّثهم مثل ملاك ليس لديه هموم ولا مشاكل, كأنها صديق ناضج يسدي بخبرته النصح لمن يحتاج.. تفتح لهم النوافذ والأبواب نحو فضاءات الأمل, فتنير قلوبهم في ظلام الليل, وتجعلهم ينامون حالمين أحلاماً وردية. تستمع النساء إليها بلهفة ويحاذرن من أن يفوّتن أي أمسية من أمسيات برنامجها.. يتصل بها الصغار والكبار على حد سواء.. فتسحرهم بكلامها الأخاذ, وتقر بحنكتها عيونهم, وترتفع معنوياتهم. لكن وراء هذا الوجه لـ”ميلينا” أسرار وأسرار.. فـ”ميلينا” هو مجرد اسم مستعار لـ”كلير مارتان” المرأة الأربعينية التي تعيش وحيدة مع كلبها الودود بعيداً عن الناس كلياً, وتمضي وقتها في المطالعة وقراءة شكاوي المستمعين ومعاناتهم ومشكلاتهم, تلك الحالة قد تحوّلت إلى نوع من الرهاب الاجتماعي, إضافة إلى نوع من القلق المستمر من ناحية النظافة والتعقيم.. وتلك الحكيمة الودودة تتحوّل في وجهها الآخر إلى شخصية مهتزة غير قادرة على حل مشكلاتها.. بل إنها تفقد ذلك الصوت الدافئ وتبدأ بالتلعثم في كلامها, وتهتز ثقتها بنفسها وتدخل في نوبات طويلة من التردد والحيرة والقلق والضعف. فهي تملأ حياتها بالقواعد والحدود والقطاعات والقوانين التي تناضل من أجل المثابرة عليها منذ لحظة وصولها إلى عتبة منزلها.. فهي لا تدخل إلى داخل المنزل بذات الحذاء الذي كانت فيه خارجه, وتلتزم تنظيف أي شيء ستجلس عليه أو قربه, وتعقم يديها.. وإن خشيت شيئاً قضت ليلتها ونامت في خزانة الثياب.. .. فإذا بنا نعرف حقيقة “ميلينا” الخفية في شخصها الحقيقي “كلير مارتان” لنتأكد أنها أسيرة قوقعتها الشخصية التي لا تكاد تفارقها.. بل إنها لا تجرؤ حتى على الخروج منها.

    عقدة الحكاية تبدأ عندما يصل إلى يد “كلير” برقية من إحدى الوكالات متضمنة اسم السيدة “جويل غولان” (قامت بدورها ناديا بارينتان) وعنوانها, فيبدأ اهتمام “كلير” بالسيدة محاولةً النفاذ إلى عالمها وعملها دون أن تعرف عن نفسها على أنها “ميلينا” تلك المذيعة ذائعة الصيت. ويخيل لنا أول الأمر أن ذلك ربما يعود إلى اهتمام خاص بمشكلة معينة عند “إنغريد” إحدى مستمعاتها التي بالصدفة نكتشف أنها زوجة ابن “جويل” الذي تعيش معه, و”إنغريد” هذه لديها ولدان من زواج سابق آخر أحدهما هو “لوكاس” (قام بدوره نيكولا دوفوشيل).. “لوكاس” الذي يتقرب منها فيجد أنه من الصعوبة عليه كسر “القوقعة” التي تحيط “كلير” بها نفسها. وانجذاب “لوكاس” نحو “كلير” كان يقابله انجذاب مماثل منها نحوه, لكنها لم تكن قادرة على نسيان فارق السن بينهما من جهة (فهي أربعينية وهو في السابعة والعشرين), ولم تكن قادرة أن تتخلى عن القواعد التي تقوقع بها نفسها من جهة ثانية.. والأهم هو أن علاقتها بـ”لوكاس” كانت ستهدد الهدف الذي تسعى “كلير” إلى تحقيقه, وهو كشف حقيقة غامضة تم التلميح إليها لا ذكرها بشكل صريح, خلال لقاء جرى بين “كلير” و”جويل” نستنتج فيه على الأثر أن “جويل” غالباً هي أم “كلير” التي تخلت عنها كونها كانت أماً صغيرة غير قادرة على فهم الحياة وتحمّل مسؤولياتها, وأرسلتها بنفسها إلى ملجأ أيتام عاشت فيه. ولا أنكر أن تلك اللحظة غيرت في المجرى الدرامي في نظري, فقد بدأنا نفهم أكثر سر تخفّي “ميلينا” المذيعة التي لا تريد أحداً أن يعرف عنها شيئاً خشيةً من ماضيها على الأغلب, وربما كانت تلك الحالات الهستيرية التي تعانيها من ناحية النظافة والقلق من الحساسية هي أحد انعكاسات ماضيها, بل إن ذلك دونما شك هو أحد الأسباب التي جعلتها بعيدة عن الناس وصنعت لها عزلتها.. لكن خلال محاولات “كلير” الانفتاح, يتضح لها أن الحياة في المجتمع أكثر تسلية وأكثر جمالاً, وملأى بأحاسيس كثيرة ام تعرفها من الصداقة والحب والأمومة, لكنها في المقابل بالنسبة لشخصية متوحّدة أكثر تعقيداً وأكثر فوضوية, وفات فيها أوان المراهقة أو حتى الحب. لذا فقد قررت “كلير” أن تشجع موهبة “لوكاس” في التصوير والتي عرضها عليها ضمن لقاء هزلي في مطعم, ثم قررت عدم زيادة آماله بها شخصياً من خلال تجربة ساذجة قامت بها لتظهر أنها مع شخص آخر هو أحد الخبراء التقنيين في الإذاعة. وكان الحدث الأهم هو أنها قررت مواجهة “جويل” بالحقيقة, لكن ذلك لم يكن في الوقت المناسب, فـ”جويل” كانت في المستشفى تحتضر, أما “كلير” فقد كان هاجسها الأوحد هو أن تعرف “هل أحبّتها أمها فعلاً؟”.

    لا يخرج فيلم “حدثوني عنكم” عن نمطية الأفلام الفرنسية التي تخبّئ الكثير من المعاني خلف الصورة, وتضع كماً من المشاهد التي قد نعتبرها أولاً غير ذات معنى إلا أننا نكتشف معناها في وقت لاحق.. وهذا التخزين المقصود في المشاهد والذي قد يقلل التشويق هو من ناحية أخرى أسلوب مميز في بناء الشخصية بناء سليماً غير جامد ولا مفروض قسرياً على المتلقّي.. اختار “بينو” قصة غير معقّدة تستند إلى كوميديا خفيفة, واختار فكرة قد لا تكون كبيرة ولا عاطفية, ولكننا كثيراً ما نعاني منها, فهي لا يمكن أن تصنف في الدراما الصرفة أو العائلية, بل النفسية.. فنفوسنا على الغالب عدونا الأول, وتحدّيها ليس على الإطلاق بالأمر الهين.. ولا شك أن لدى كلاً منا قوقعة معينة في جانب من جوانب حياته يخشى التحدث عنها أو الخروج منها.. الأمر الآخر يتعلق بالفكرة بحد ذاتها, فمن نظن أن لا مشاكل لديه هو بالطبع إنسان له هموم ومشاكل وإنطباعات وأسرار. اعتمد “بينو” الكاميرا القريبة الملتصقة بالشخصيات ليناسب أكثر مواقفها الطريفة وأبعادها الشخصية. المونتاجات بسيطة جداً, ولم يكن هناك أي “فلاش باك”. وقتل الذروة العاطفية في الفيلم جعله أكثر وقعاً في النفس, لكن ذلك القتل لم يكن ليعكس النمط إلى ميلودراما مثلاً, فالأحداث والشخصيات كانت على الأغلب سعيدة ومتحمسة إلى القيام بما تريده. المشاهد الليلية الطاغية اختيار موفق لتجسيد المشاكل النفسية أو العاطفية. من ناحية أخرى فقلة الأشخاص في العمل, ووجود نمطية معينة لا تفارقها الشخصيات تعتبر نقاط ضعف في العمل وتقلل من جذبه. وعلى العكس فروح الدعابة وإتقان التفاصيل واختيار الألوان والدقائق الجميلة, والأداء الحركي والصوتي الساحر من الممثلة “كارين فيار” ذات التاريخ العريض مع ترشيحات السيزار, وخفة ظل “نيكولا دوفوشيل”, والموسيقى الهادئة الراقية التي تعتمد على الأغلب البيانو والجيتار والكمان… كلها عوامل جذب نحو الفيلم.

    لايخلو الفيلم من مشاهد معبرة جداً بعضها يتجه نحو السريالية, ولا سيما ما يختص بالصور التي صورها “لوكاس” والتي كانت على الأغلب تنعكس على حال التوحّد عند “كلير”, إضافة إلى الصرخة التي أطلقتها هي على محيط الغابة كشخص يحسّ بكآبة عميقة أو الفشل في تجاوز مشكلاته ومخاوفه والإحباط النفسي… والمشهد الأهم والأجمل في كل الفيلم هو المشهد الأخير الذي أظن أنه جاء متأخراً نسبياً ليظهر الكثير من الأبعاد التي لم نكن لنعرفها دونه عن شخصية “ميلينا” والذي تضمن اتصالاً من “آن” التي نعرف فيما بعد أنها كانت إحدى زميلات “كلير” في ملجأ الأيتام, وتتحدث فيه على الهواء عن فتاة كانت تجالس زميلاتها هناك في ملجأ الأيتام وتستمع إلى شكاويهن على أنها مذيعة تحل المشاكل من خلال الراديو.. ويبدو أن “ميلينا”” قد أدركت تماماً من تكون تلك الفتاة حتى سبقتها دموعها, وتعثر صوتها.

    “معكم على الهواء”.. فيلم خفيف لطيف, يلامس الروح.. وانطلاقة أولى لا بأس بها تبشّر بالخير.. والأهم هو كوميديا مؤنسة سهلة الهضم مطعّمة أبعاد إنسانية.

IMDb|RT

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s