مراجعات الأفلام

Wreck-It Ralph – 2012

طالما أن لدي طموح فلدي سبب للحياة.. القناعة موت.

جورج برنارد شو – كاتب إيرلندي

تعلمت الكثير عن الخير والشر, ووجدتهما ليسا دائماً مثلما يبدوان.

شارل فان دورين-  كاتب أمريكي

    هذا ليس فيلماً عادياً, إنه إعادة تعريف أدوارنا في الحياة بطريقة فلسفية من خلال قصة تجري ضمن لعبة فيديو.. هو ليس مسألة ثورة داخل لعبة كما كنا قد شاهدنا في (Tron) مثلاً, إنه البحث عن دورنا في العالم بصورة قد تبدو مشابهة لما رأيناه في (Toy Story), وفهم الطبيعية الوظيفية التي نؤديها في الحياة. ليس سبباً ليزرع فينا القناعة أو ليُشعرنا بالتسيير لا التخير, بقدر ما هو وسيلة لنعيد دراسة ذواتنا الحقيقية, ونفهم ما وراء دوافعنا.. الفيلم طفولي بامتياز لكن دروسه ممتازة حتى للكبار, وتنعكس بصورة لا تقبل النقض على حياتنا اليومية وأعرافها وروتينها.

    “رك-إت رالف” أو (حطمها يا رالف) هو اسم لعبة الفيديو العائدة من ثمانينات القرن الفائت والتي نبدأ مشوارنا الفيلمي ضمنها, نتعرف إلى “رك-إت رالف” أو اختصاراً “رالف” (فام بأدائه الصوتي جون سي. رايلي) هو الفتى العملاق قوي البنية والوجه السلبي (أو الفتى السيئ كما في اللعبة) ومهمته فقط التحطيم من خلال قبضتيه الحديديتين لا أكثر.. أما الفتى الطيب فهو “فكس-إت فيليكس” أو (أصلحها يا فيليكس) وهو الفتى الطيب النحيل ضئيل الجسم الذي يحمل عدة الإصلاح ويقوم بإصلاح كل ما حطمه “رالف” (قام بالأداء الصوتي جاك مكبراير) . “رالف” يحطم و”فيليكس” يصلح…. هذا التوازن البنيوي الذي يُخلق فيما بين الشخصيتين هو الذي يجعل اللاعب الذي يتحكم باللعبة, فيحصل على الأوسمة والنقاط التي يتم إغراقها على الفتى الطيب, فيحصل “فيليكس” على الحفلات والحلويات والتهليل.. أما الفتى الشرير “رالف” فيعود بعد انتهاء يومه الشاق إلى مكب النفايات الذي يتضمن حطام ما قد كسره ليبات وحيداً حزيناً. وبعد ثلاثة عقود من الروتين قرر “رالف” أن يتغير, فقد ضجر من لعب دور السيئ, وبدأ يفكر في طريقة لتغيير حياته؛ إلا أنه اصطدم بباقي شخصيات اللعبة التي تُقيّم الخير والشر من خلال ما يكسبه الشخص من أوسمة وحسب. فكرة تتماشى مع المجتمع المادي الذي يُقيم أهمية أشخاصه من خلال أموالهم, وتصبح الانتصارات فيه ملكاً لمن يقتنصها بصرف النظر عمّن كان سبباً في وصوله إليها. ورغبة “رالف” في التغيير وتجربة الحياة المرفهة جعلت حلمه بالحصول على ميدالية تثبت كفاءته وأهميته وعدم كونه سيئاً مطلباً مستحيلاً إن بقي في نفس اللعبة.. الأمر الذي دفعه لمغادرة لعبته والبحث عن لعبة أخرى موجودة في محل ألعاب الفيديو ذاته, يلعب فيها دور الفتى الطيب المقاوم للشر علّه يحصل على الميدالية التي ستجعل شخصيات لعبته الأساسيين يرمقونه بنظرة احترام.

    رحلة “رالف” تقوده أولاً إلى لعبة “واجب الأبطال”, والتي تتضمن صراعاً مع الحشرات الفتاكة الخبيثة, فيحتال رالف على اللعبة ليحصل منها على ميدالية لكنه يخطئ بسبب جهله بقوانينها, مما يتسبب بإرساله عبر مركبة قتالية مع إحدى الحشرات الخبيثة إلى لعبة أخرى في “سباق السكر”. هناك حيث يتعرف إلى الفتاة النكرة ” فينيلوبي” (قامت بأدائها الصوتي سارة سلفرمان) التي تسرق منه ميداليته لتحقق هي الأخرى حلمها في المشاركة بسباق السيارات عبر مسار السكر. صدام “رالف” و”فينيلوبي” بعد أن تسرقه الأخيرة ميداليته وتخبره أنه الآن لم يعد هناك مجال لإعادتها, يبدأ ليتطور إلى اتفاق عندما يعلم أن بوسعها استعادة الميدالية له إن فازت.. ويبدأ الاثنان مغامرة مثيرة في الاختفاء عن أنظار الشرطة التي يرسلها “ملك اللعبة” الذي يبدو أنه زرع في أذهان شخصيات لعبته أن “فينيلوبي” مجرد نكرة لا يمكن لها المشاركة بسبب أنها خطأ برمجي وأنها تظهر متقطعة, وأنها لو شاركت في السباق قد يظن من يلعب باللعبة أن اللعبة قد تعطلت مما يؤدي إلى إخراجها عن الخدمة, وفي هذا أيضاً مقاربة واقعية لتوجيه السلطة لنظر شعوبها نحو خطر خارجي حقيقي أو وهمي من أجل إلهائها عن الأحداث والقمع الداخلي أو المطالبة بحقوقها.. حيلة الملك تكاد تنطلي أيضاً على “رالف” قبل أن يكتشف أن ذلك مجرد وهم زرعه الملك في الأذهان لأنه قد يفقد ملكه إن فازت “بينيلوبي” كون ذلك سيسبب إعادة لإقلاع اللعبة.. ولن أدخل في تفاصيل هنا لكي لا أفسد المشاهدة.. ولكن الملحمة ستتكرر من جديد سباقاً أول مرة.. ثم حرباً مع الحشرة التي تكاثرت سراً وهاجمت اللعبة بأكملها ثانية مرة أخرى.. فتعطي الكثير من الأحداث والدروس للصغار والكبار على حد سواء.

    النص الذي يبدو ملحمياً بشكل خاص وعلى قدر لا بأس به من الإثارة, لا يتضمن الكثير من العنف, صحيح أن فيه معركة مع الحشرات الفتاكة الخبيثة, إلا أن المناورة الحربية التي بدأت ضمن لعبة (واجب الأبطال) ليست إلا مرحلة جزئية لا أساسية في العمل؛ لا تتضمن فعلياً أحداث مخفية للأطفال, أما معظم الأحداث الفعلية فستجري في “سباق السكر” برفقة الصغيرة الشقية الوقحة -لكن اللذيذة- “فينولوبي”, إذاً فهو متعدد الطبقات والعوالم. وتتجلى عبقرية القصة في تحويل أنظارنا في النهاية عن المقت الذي كان “رالف” يعاني منه, لنقتنع بأن لكلّ دوره في الحياة, وأنه دوره مهما كان صغيراً أو يبدو سيئاً فإنه هام لاستمرارية الحياة التي هي نتاج تقاطع وتجمّع الأدوار المختلفة لتكوين صورة مجملة, وأن الخير الفعلي هو في نوايانا وليس في تصرفاتنا, فلا خير مطلق ولا شر مطلق, وإذا كانت القصة تريد إخراج دور بطولي طيب من الرجل السيئ فقد نحجت في ذلك دونما مجال للشك.. وثمة عبقرية في تخيّل وجود حياة سرية داخل ألعاب الفيديو, وتشبيه اللعبة بالحياة والتوسع من النطاق الضيق إلى العموميات, وهذه الفكرة شديدة التألق في العمل تبدو ناجحة جداً وتستحق التصفيق بحرارة. ورغم القدرة الرائعة على الإبهار البصري الذي تدعمه “ديزني” بالصورة ثلاثية البعد, فالعناية بالتفاصيل الدقيقة للشخصيات الطفولية وأبعادها الثورية غير الصبورة ذات اللحظات الكوميدية والتراجيدية على حد سواء, والقدرة الفائقة على تسيير أحداث العمل بالطريقة الإنسانية والتوعوية, تجعل منه أهم من أن يكون فيلم رسوم متحركة يمر مرور الكرام, وتجعل الفيلم يشق طريقة إلى القلب دونما استئذان, بل إننا ككبار نبدأ نستشف الاسقاطات الحياتية له مباشرة مع كل مشهد أو انكشاف حقيقة.. إنه أبعد من يكون فيلم أطفال, إنه يضعنا في أزمة مفتعلة لنعيد النظر في ترتيب أوراقنا.. ونفكر في قناعاتنا وطموحاتنا.. أي منهما أهم.. وإذا كان الواقع من سيفرض علينا أدوارنا الحياتية فما معنى الطموح, وهل نضع لأنفسنا سقفاً للأمل والغايات.. إذاً فنحن أمام فيلم مسؤول إلى حد كبير.

    بالتحدث عن الألوان كنت شخصياً أرى أن الألوان مبالغ في استخدامها, فالصورة الزاهية البراقة الساطعة تنقص من تجاوبنا البصري مع الإثارة القصصية, وتجعلها حادة ولا توحي بالحركة. لكن في المقابل هذه سيقربه أكثر من الطفولية, لا سيما أنه كقصة يبدو أكثر ملاءمة لأعمار أقل من أغلبية أعمال الرسوم المتحركة التي صدرت خلال العام 2012, إضافة إلى وجود سرعة في الأحداث الختامية تجعلها محروقة بشكل كان يمكن تلافيه لو كانت أبطأ, حتى أنها بهذه الصورة ستكون غامضة وصعبة الفهم على الأطفال. من جهة أخرى فكثيرون ممن هاجموا العمل أخذوا عليه تقاطعه في عدة جوانب مع :قصة لعبة”. الخيارات الصوتية تبدو مميزة جداً وبالأخص من “سارة سلفرمان” الصوت الذكي الشقي و”جون سي. رايلي” الذي لا شك في أنه رمز من رموز حس الدعابة, وكنت خلال سماع صوته أتخيله يقوم بأداء تلك الحركات التحطيمية بشكل كوميدي.. المونتاج بسيط متنقل بشكل مناسب ويلائم الأطفال, الموسيقى متفاوتة الشدة بين الرقة والإثارة كمسلسل تلفزيوني كرتوني.. مع أغنية نهاية مميزة (When I Can See You Again).. عوامل عديدة تثبت نجاح المخرج “ريتش مور” في عمله السينمائي الأول وتجعل منه أحد أهم أعمال الأنيميشن لهذا العام.. بل في مجمل الفترة الأخيرة.

    “رك- إت رالف” قصة مثيرة بأشخاص طفوليين تفلسف الأقدار بشكل عميق, وتأخذ أبعاد ومنحنيات كثيرة لتفرض تساؤلاتها على قناعاتنا.. وفيلم يتقن التحدث إلى القلب والعقل معاً, ويستحق منا المشاهدة.. بل الإطراء.

IMDb|RT

Advertisements

One thought on “Wreck-It Ralph – 2012

  1. بالفعل اوافقك فى كل كلمة والفلم من اروع افلام الكرتون فى السنتين الماضيتيين وحتى الان لا افهم ما سبب منح الاوسكار لفيلم brave اللى اشوفه اقل من عادى اعتقد ان الاكاديمية لم تكن فى وعيها

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s