خــــــالــدات كـوبـريك (6) Barry Lyndon كوبريك يعتق الصورة ثابتة من عبودية الكادر !

barry-lyndon-2

تحول مشروع ستانلي كوبريك الموسوعي حول القائد الفرنسي “نابليون بونبارت”  الى سراب بعد ان أكد شركة الانتاج التي كانت ستمول المشروع حتمية فشله تجاريا ، ظل ستانلي كوبريك سنوات طويلة و هو يعد و يقرأ و يراجع كل ما كتب وما قيل عن نابليون حتى اصيب بحالة عشق و انسجام مع هذه الشخصية ذات الثأثير البليغ على السياسة اوربا في منتصف القرن 18 و مابعده ، و مع رفض او استحالة تنفيذ المشروع نابليون كما اراده كوبريك و بذلك الكم المكثف من الازياء و التفاصيل الحربية و تعداد الشخصيات كان لابد من ان يتحايل كوبريك على انتاج و يقدم فيلم بعد ” البرتقالة الميكانيكية ” بنفس المناخ التاريخي الذي تدور فيه احداث القرن الثامن عشر و هو تقريبا نفس العصر الذي صعد فيه نابليون بونبارت و تطور واضحى القائد الاهم في تاريخ اوروبا ، يحافظ ستانلي كوبريك على هذا السياق السردي التساعدي اثناء روايتهِ المصورة  لـ باري ليندون ، يهمني جدا هنا ان اشير الى ان فيليني قام بنفس الامر  بعد عام اثناء طرحه لفيلم المثير بصريا و المتهكم سرديا “كازنوفا فيليني” الذي خلق تلك الشخصية برؤى فيديروكو فيليني الصرفة بعيدا عن مصادر التاريخ و ما تناولته حول شخصية كازانوفا ، كوبريك من الباب ذاته و ككل مرة حين يقتبس اعمال من الروائية ، لا ينفك عاكف على قراءات الروايات لبحث امكانية تحوليها  الى فيلم سينمائي يذيق تلك الرواية من الشهرة ما لم تذقه و هكذا حصل مع رواية The Luck of Barry Lyndon لكاتبها ويليام ثاكري و هو الاخر ابن القرن الثامن عشر و لذيه رواية تتحدث عن شخصيتين ابان حروب نابليون و يعرف كل صغيرة و كبيرة عن هذا العصر و اكثر الكتاب الانجليز ولع بالوصف الدقيق ، يأخذ كوبريك من ثاكري ما يستطيع ان يضيف به نفسا مختلفا للرواية المصورة للباري ليندون و صراعه الازلي مع موازين الاجتماعية و الاخلاقية ، صراع الازلي لماذا ؟ كون كوبريك و للمرة الالف لا يريد ان يخرج عن سياق مشروعاه الفكري المرتبط طرديا مع سينغرافيا و شخوصه التي يقدمها في افلامه و الذي بدأهُ من مشروعه الاكثر وضوحا “القتل” و هذه من المعلومات التي اضحيت اكررها كثير في السلسلة لبيان ان سينما كوبريك لا تأخذ فرادى لتستوعب انما يجب ان تبدأها من الصفر حتى تصل الى قمة الهرم لتستوعب الحكاية .. باري لندون احد اكثر افلام كوبريك الذي لقى تهميشا كبير من قبل النقاد لكنه عاد لينتصر بعد سنين من عرضه  و هي من نبوئات كوبريك حين قال “ان بعض النقاد لديهم سرعة ليكونوا اولا مستهزئين بعمل جديد مختلف لكن بعد سنين تجد الفيلم على رأس قائمته لافضل الاعمال ..” معلقا حول التعاطي النقدي البارد مع باري ليندون الكثير ممن تطاولوا على الفيلم اثناء صدوره غيرو اراءهم حوله و كرروا حقيقة ان الفيلم تحفة لا يمكن التغاضي عنها او تجاهلها ، الفيلم مختلف عن مشاريع كوبريك سابق وفي ذات الوقت مرتبط كما اشرت مختلف لكونه اول فيلم تاريخي مستقل ،اولا فيلم لكوبريك بعيدا عن استديوهات بشكل كلي تم تصويره كليا في الفضاء الخارجي ،اولا فيلم تبدو فيه الشخصية الرئيسية غير ذات تأثير المباشر على عكس اعمال ستانلي السابقة البرتقالة او دكتور ستانجلوف او القتل او طرق المجد او حتى اوديسا الفضاء 2001 تبدو شخصية باري ليندون رمادية حربائية متلونة لا تقف لها على لون واحد لتستطيع ان تحلل به هذه الشخصية الغامضة ليس هذا فقط بل ان معظم الشخصيات ذات الاهمية لا تبدو بتلك الجرأة و المباشرة التي تبدو بها شخصيات ستانلي عادة ً ، باري ليندون فيلم مختلف اكثر بساطة و جرأة ووضوح في نقده الاجتماعي و الاخلاقي للانسان و الاستقراطية ، على مستوى الصورة متنوعة اكثر خلقا لفن ابداعي منقطع النظير عن طريق  التصويري الطبيعي الخلاب لذلك العصر ، دنى كوبريك كثير ومزج بين الفن التشكلي و فن التصويري السينمائي الذي  استطاع من خلاله  معالجة التاريخ بما احتواه من  الاستقراطية جشعة و الجمالية فنية كل هذا جعل باري لندون فيلم تـُحفويا بإمتياز .

في الثلث الاخير من رائعة كوبريك اوديسيا الفضاء 2001 يبدو رائد الفضاء فيما يشبه غرفة بتصميم يعود الى العصر الجورجي او بشكل أدق ما بعد عصر النهضة تلك النزعة نحو الاستيطان و التوسع تم الموت و التحول الى جنين يسبح في الفضاء رحلة طويلة من القرد البدائي الى الجنين العاجز مرة اخرى ، اجدها في باري لندون اكثر وضوحا من خلال شخصية البطل انكسار بفقدان الحبيبة تم تنامي علاقاته و دخوله في مغامرات جديدة و محاولته للصعود و الترقي تم العودة الى نقطة الصفر مجددا بخفي حنين و هنا ابدية صراع الشهواني للانسان نحو السلطة و المال و الجنس التي تمثل احدى الحلقات الهامة في مسيرة باري لندون ، الى كفاح باستماتة للوصول الى العظمة لكن الاهم اننا لا يمكن ان نتزحزح عن حتمية المصير ، اجد كوبريك ممن قيل عن إلحادهم السينمائي الكثير لكنك تجده هنا اشد المؤمنين بحتمية الفناء و تساوي البشر في القبور و حتمية العجز الانساني امام الاسرار العليا للكون ، كلا المشروعين 2001 او باري ليندون يحتفيان بجمال الصورة المبهر جدا ،و كأن كوبريك يقول جمال الحياة و الازياء والطبيعة لا يعني بالضرورة جمال الانسان وسلوكاته و شجعه الغريزي تناقضي  ، وجوهٌ الملئى بالمكياج و الجميلة جدا لكن من داخل عليلة و مريضة او فاقدة لطعم السعادة الحقيقي انظر لباري ليندون طيلة الفيلم سواء حين كان يحارب  لاعتلاء الجاه او قبل ذلك وجه سينمائي اختاره كوبريك بعناية لكونه لا يعبر وجههُ عن مكامن مشاعر داخله ، انظر الى سيدة ليندون كذلك وجه سودوي لا تشعر فيه بوجود ذرة سعادة سواء في الماضي او حتى بعد زواجها من باري ليندون ، انظر الى راهب العائلة الذي يخفي كذلك الكثير من الاسرار داخل هذا الوجه الكاريكاتوري ربما حالة حب مع السيئة الاولى حالة طاعة حالة كراهية باري ليندون ، شخصيات في مجملها استخدمها كوبريك مثل الكراكيز او شخصيات اللوحات الزيتية ،باردة اكثر هادئة اكثر لتعبر عن سكون الصورة و هدوئها في ضوء ان كوبريك استفاد من 281 صورة زيتية من عصور النهضة و ما بعدها لتشكل نمط الاساسي الذي قام عليه فيلم باري ليندون احيان استعار كوبريك فلسفة هذه الصور او قام ببناء سينغرافيا ليضع شخصياته داخلها فترى تلك اللوحات امامك بسكونها على ضوء الشموع و الشمس  و هذا جعل الفيلم ينضح بشاعرية و الانتماء الكلي للوسط الذي يتحدث عنه ، لم يتوقف كوبريك عند هذا الحد بل جعل من الموسيقى المكمل الفعلي للجمال المشاهد حين اختار موسيقى في غاية الروعة الابداع، موسيقى لا تستقيم الا و مشاهد باري ليندون مقطوعات متميزة جدا ،انكب كوبريك يستمع للالاف المقطوعات من قرن 17 و 18 الى ان خرج بهذا الانسجام الموسيقى مع مشاهد فيلم لوحاتي ساكن حد تحوله  الى فيلم من صور متعددة بسيناريو تقليدي تساعدي لم يعتد كوبريك ان يقدمه بهذا الوضوح كما هو حال في باري ليندون للغرض استعراض اللوحات المتحركة التي كان يختزنها في افكاره و هو هنا يعيد اعتبارية للفن السابع كما لم يفعل احد ، الصورة تم الصورة هذا ما جاء به كوبريك فعليا في هذا العمل منافسا قويا للقامات الرسم في تجربة مختلفة تماما الرسم بالالة التصوير ، لم يكن يعنيه بشكل كبير ان تعبر الشخصيات ادائيا عن مكنونتها فكانت الصورة الابداعية الساكنة هي الغرض ،، لكن كيف فعلها كوبريك و لم يفعلها غيره كل الحكاية انه تباطئ كثيرا حتى يحصل على ما يريد و طور كاميرا انتجتها شركة زيس الالمانية خاصة للتصوير برنامج الفضاء ابولو التابع  لناسا الامريكية فسعى لها سعيا و اقتناها و طورها للتوافق مع التصوير المتحرك و كان الحصيلة باري لندون تعشقه العيون و تحير في امره العقول ، ذات الكاميرا طلبها “ميلوس فرمان” من كوبريك من اجل تصوير فيلمه اميدوس بعد عشرة سنوات رفض ستانلي اعارته اياها و تفهم فورمان ذلك .

ما بعد الثورات الاوربية التي حولت اوروبا شكلا و مضمونا انتج مفهومي تاريخي اصبح ميراثيا مع الوقت تعامل مع هذه العصور بمثالية و الاخلاقية مبالغ فيها نظرا لاهمية لانتاج الفكري و الثقافي و السياسي الذي  شكل العالم فيما بعد ، يتم تعامل بتخوف مع نقد عصور النهضة الاوربية  في صلونات الثقافية الغريبة لهذا السبب ، لكن سلبية الفكرية التي شكل سينما  كوبريك لا يمكن  التخلي عنها مهما كان شكل مشروعه السينمائي و مهما كان جداب بصريا ،  طيلة ثلاث ساعات سيتحدث عن شكل اوروبا ابان حروبها حين كان الجنود السدج يواجهونا بنادق الاعداء بصدورهم العارية و ينضمون الى التجنيد عن طيب خاطر و تفعل بهم الافاعيل من قبل الساسة و ينصح جلالتها باري ان يرسل فيلقاً اخر لقتال الثوار امريكا ذات نرجسية الساسة في “طرق المجد” التي ترسل صغار الجنود الى مقصلة العدالة ، سعى باري طويلا لإدراك المجد الذي سيجعل منه نبيل من نبلاء المقربيين من البلاط  بشتى الوسائل دون جدوى ، يظهر العصر بالوانه الحقيقة بعيدا عن تلك المثالية التي رسمت حوله و حول رموزه حتى ان كوبريك سخر هذا العصر حد البكاء على نبلاء ممن عاشوا حين يصور معركة بين فردين بالبنادق من اجل حياة او جاه او تصفية للحساب قديم او بالسيوف للرد دين او نحوه ، حتى انه صور احد معاركة التي فقد فيها باري قدمه صورت في حضيرة وسط حمام منتشر قمة السخرية و الفوضوية ،عصر مليء بالسخافة حتى في علاقات الحب راجع كيف وقع باري ليندون في حالة عشق السيدة ليندون حب دون كلمات حب بارد لا يستصاغ بالشكل الذي تتطلبه تلك العلاقة الجدية التي تتحول الى زواج حتى حالة الهيام بينهما ليس موجودة كما تحاول صور النمطية للعصر ان تقدمها في عديد افلام قبل او بعد  ، السخافة في الخيانة و الابناء و هوس بالازياء و المكياج الفاقع رجالا ونساءا و لعب الورق الجنازات او الافراح  يوظف كوبريك حقائق تاريخ عن شكل الحياة لكنه يحول بسودويته ان ينزع عن هذا العصر رداء الاحتشام  و العفة .

الفن السابع يتجرأ على اعادة انتاج الفن التشكيلي احيائي للعصور الخالدة فنيا ، كوبريك يخرج الصورة الثابتة من اطارها  الزماني و المكاني و الاخلاقي و ينفخ فيها روح جديدة قادرة على نقد التاريخي لاستقراطية التي من محصلتها يصر كوبريك على ان يختم بالقول انهم سواسية كأسنان المشط ماتوا و عاشوا هناك قبيحهم و جميلهم غنيهم وفقيرهم و هكذا تماما تنهضر الحضارات و تعلوا تم تنكسر و تتلشى كأن لم تكن .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s