مراجعات الأفلام

Twice Born – 2012

أعتقد أن وعي العواطف يجعلك تتصرف بشكل مختلف جداً

بيدرو ألمودوفار

    أبدأ بهذه العبارة التي أراها مفعمة بالميلودراما لأتحدث عن فيلم (Venuto Al Mondo) يمعنى “أتى إلى العالم” أو ما تمت تسميته بالإنجليزية (Twice Born) أو “مولود مرتين”. وقبل أن أدخل في تفاصيل قراءتي فإنني حقاً لم أفهم موجبات الاسم الإنجليزي فإذا كان المقصود فيه أن الفتى “بييترو” له أمّان (أمّ حقيقية وأخرى بالتبني) فهذا ليس مطلقاً لب العمل ولا يخدم الغرض الحقيقي الذي أجده فيه. بل إن اسم “أتى إلى العالم” هو الاسم الأكثر إيحاءً وأكثر جاذبية لفيلم ينفجر في لحظاته الأخيرة, ليتحول من قصة عبثية إلى قصة بليغة شديدة الإيلام حول يافع تتكشف لنا الحقائق واحدة تلو الأخرى عن مسببات حياته التي تبدو سلسلة من الأخطاء والهمجية والأنانية والأحلام والآلام.

    الفيلم من نمط الحكاية المكثقة والمبعثرة معاً, والذي لا يخلو من لحظات تشعر فيها بالرتابة والنمطية (ولا سيما في النصف ساعة الأول), ثم تصبح الأحداث في سباق مع الزمن وتشدّنا بحزن عميق مطعّم بمعقولية لا متناهية ودونما تكلّف أو مبالغة. فبين الأمومة غير الممكنة والحب غير المنتج, والرغبة العارمة في إيجاد الطفل الذي يعزز ارتباط الحبيبين, تظهر الفكرة الجهنمية في العثور على من تهب طفلها لقاء بعض المال, مع تفضيل أن يكون والد الطفل هو الزوج نفسه ليكون أكثر ارتباطاً بالمولود. وهذه الفكرة التي لن أبحث في أخلاقيتها بسبب وجود ما هو أهم وأعمق في القيلم لا تبدو جديدة على عالم الفن عموماً, لكن الممثل والمخرج الإيطالي “سيرجيو كاستيلتو” يحسن اقتباس رواية زوجته “مارغريت مازانتيني” في تحويل الفيلم إلى ثورة إنسانية, عندما يخلطانها بمأساة نساء الحروب ويطعّمانها بصرخات السِّفاح ومشاهد مقتل الأبرياء والطفولة المعذبة. فيصبح مسرح الأحداث هو مدفن الأجداث.. سراييفو.

    يستخدم كاستيليتو في رابعة تجاربه الإخراجية الحسناء الأسبانية “بينلوبي كروز” التي سبق وتعامل معها في فيلم (Non ti muovere : لا تتحرك) في حالة ميلودرامية على الطريقة الألمودوفارية, وإذا كنا قد أخذنا على “كروز” فكرة أنها أصبحت خياراً سينمائياً مفضلاً في تمثيل دور العاهرة وأشباهها, فإن دورها هنا -رغم وجود المشاهد المثيرة- هو دور الزوجة الشابة المعذبة التي تجد نفسها فجأة أمام حلم بالأمومة يتلاشى, ثم دور الأم الكهلة التي يعود الزمن فيمتحنها مرة أخرى هذه المرة في نسب “ولدها”.

    تبدأ الحكاية عندما نرى االإيطالية “جيما” (قامت بالدور بينلوبي كروز) تحادث زوجها العسكري “جوليانو” (الذي أدى دوره المخرج سيرجيو كاستيلتو نفسه) عن دعوة تلقتها من صديقها “جوجكو” لزيارة سراييفو التي نعرف فوراً أنها مسقط رأس ابنها الشاب “بييترو” (قام بدوره بييترو كاستيلتو).. ويبدو أن “جيما” أرادت لأبنها أن يتعرف إلى مسقط رأسه وحقيقته في رحلتها إلى تلك المدينة فأصرت على أن تأخذه إليها. وفي الطريق إلى هناك تتقاطر على ذهن “جيما” سيول من الذكريات المؤلمة عن المدينة في زمن الحرب, والحب الغريب الذي جمعها فجأة بالمصور الأمريكي الشاب الطريف “دييغو” (قام بدوره إيميل هيرش) فأثمر زواجاً بين حبيبين عاشا في مدة قصيرة العالم كأنه جنتهما الخاصة, إلى أن حضرت المشكلة إلى علاقتهما حينما أسقطت “جيما” حملها أكثر من مرة ليتبين طبياً لاحقاً أنها غير قادرة على الحمل. وبدأت المراجعات الطبية للزوجين إلى الأطباء بغية استقصار الحالة, لكنها وصلت إلى الخيار الأصعب.. فـ”جيما” لا تستطيع الإنجاب. وفي نوبات اليأس التي اكتنفت العلاقة بدأت “جيما” تفكر في ترك “دييغو” لكي يحقق أمله في أن يحصل على طفل, وازدادت خشيتها الأنثوية من أن تسرقه امرأة قادرة على الإنجاب من بين يديها, لكن “دييغو” أصر على أن “جيما” هي من يراها من بين نساء العالم. وبعد التفكير في التبني ورفض الدولة لهما كأبوين صالحين (لظروف لن آتي على ذكرها) بدأت أفكار الزوجين تحوم حول الشابة “آسكا” (قامت بدورها الممثلة التركية ساديت أكسوي) الحالمة بالانضمام إلى فرقة “نيرفانا” ذائعة الصيت في ذلك الوقت والتي ينقصها المال, فوافقت الشابة على أن تمنح الزوجين طفلاً من علاقة غير شرعية مع الزوج “دييغو” . وشاء القدر أن تغادر “جيما” سراييفو لعدة أشهر -بعد أن أمّنت الخلوة لزوجها مع الفتاة- بسبب سوء الأحوال الأمنية, وحين عادت اكتشفت أن زوجها على علاقة بـ”أسكا” التي حملت بالفعل, فأشرفت على والدتها وحصلت على الطفل (وقد كان ذكراً اسمته بييترو) ثم ارتحلت إلى بلدها إيطاليا, مخلّفة زوجها “دييغو” وراءها في سراييفو بسبب فقدانه جواز سفره.. ثم فاقدة له إلى الأبد بصورة غامضة.

    ومع انتهاء الذكريات وخلال زيارة “جيما” لصديقها “جوجكو” (قام بدوره الممثل البوسني عدنان هاسكوفيتش) اكتشفت أن “جوجكو” قد تزوج من “أسكا”, فخشيت من أن دعوته هي محاولة لسلبها “بييترو” اليافع منها وإعادته لأمه التي باعته لها من قبل. إلا أن وشماً على رقبة “أسكا” رأته “جيما” من قبل في إحدى صور زوجها الأول الراحل “دييغو” غيّر الكثير من الأمور. وفجأة انقلبت الصورة كلياً, ففي الحقيقة لم يكن الطفل ابن “دييغو” بل حمل سِفاح من مسلحين دخلوا المنزل وتناوبوا في اغتصاب “أسكا” وإطفاء سجائرهم في جسدها, أمام ناظري “دييغو” المختبئ, والذي عذّبه ضميره وقرر أن يساعد المرأة التي رفضت الطفل أساساً وقررت أن تتخلى عن ولدها نهائياً. لذا فبعد ولادة الطفل بقي “دييغو” مع “أسكا” وحوّل أحد آثار حروق السجائر على رقبتها إلى وشم زهرة.. ثم لم يساعده ضميره على نسيان ما حصل من أخاء متراكمة فانتحر في البحر.. ويأتي المشهد الأخير للأم غير الحقيقية “جيما” المرتحلة مع ولدها عائدة إلى إيطاليا, بعد أن رأت الأم الحقيقية ابنها ذي الأصول الحقيرة..

    رغم البداية التي أراها ساذجة ومتعثرة للفيلم فهو بعد النصف ساعة الأولى يرتفع بشكل متصاعد, ويصبح مثيراً نوعاً ما حين يبدأ بالخروج من كلاسيكية العلاقة الرومانسية التي جمعت “جيما” و”دييغو”. ويغلب الحس الأنثوي على العمل بصورة ما.. فهنا المرأة العاقر التي تشعر بالانهزام.. وهنا المرأة التي توافق على خيانة زوجها لها لأجل إرضاء حلمه وحلمها بالطفل.. وهنا الأم المربيّة تواجه الأم البيولوجية.. وهنا من جهة أخرى فتاة تتنازل عن شرفها لأجل المال.. وهنا النساء في أبشع صور ويلات الحروب تعاني الاغتصاب والتعذيب.. فتظهر المشاعر النسائية في النص مثل رماد أحلام مبعثر فوق حظ عاثر على شكل مذكرات ملحمية لامرأة عاشت ظروفاً صعبة في زمن الحرب. ولعل ذلك مرتبط نوعاً ما بكاتبة النص الروائي كونها امرأة. الحوارات بسيطة تغيب عنها الفوقية, إلا أن استخدام اللغات المتعددة جعلها تبدو ساذجة وغير متوازنة, والقصة الميلودرامية إذ تبدو قادرة بالفعل على جعلنا نغير من أفكارنا وعواطفنا في مراحل الفيلم, فإنني قد أفضل هذه الرواية للقراءة أكثر منها فيلماً. ولن ألوم إذاً “كاستيلتو” على البداية كون الرواية لا تتضمن الكثير من الشخصيات لتعرف بهم أول الأمر, ولكن هناك بطء معين في العمل كان الأولى التفكير بتجاوزه, من جهة أخرى فسأبدي إعجابي بالطاقة اللونية الجميلة التي ضخها العمل في كل مكان.. حتى في مشاهد الحرب والأطفال المعذبين.. فكانت الصورة تشع جمالاً وإبهاراً, وزاد ذلك المونتاج الجميل الذي تناوب بشكل موفق وخصوصاً في الجزء الثاني من العمل فيما بين الحاضر والذكريات ليصنع متعة بصرية إضافية. بعض المشاهد “الإيطالية” القاسية متوفرة أيضاً في العمل مع الصبغة الواقعية ومشهد الاغتصاب كان مزعجاً ومرهقاً ومستفزاً لمنه كان مؤثراً في النفس ومؤثراً في مجريات الأحداث.

    من ناحية التمثيل فقد قدمت “بينلوبي كروز” دوراً جميلاً وبثقة عالية ووقار زائد أحياناً, ولا يبدو أنها بعيدة عن هذا النوع الألمودوفاري, أما إيميل هيرش الذي كان شخصاً ممتعاً في بداية العمل يحسن إضحاك المشاهد وإبكاءه في النهاية. فلا أراه الخيار الأمثل للوقوف أمام “بينلوبي” في هذا العمل, ولا شك أنني شعرت بالفجوة التي لم يكن يجب أن تكون بينهما كثنائي, وكان يمكن أن يتم تجاوزها لو ظهرت كيمياء نفسية أقوى وليس حالة فيزيائية وحسب بين الثنائي العاشق في الحكاية. وثمة عامل اهتممتُ به في التصوير هو إحساسي بالاهتزازات في يد المصور فقد أضفى ذلك نوعاً من الجمالية الحسية مع اعتماد قرب الصورة من الأشخاص, كما أثني على براعة الموسيقى التي قدمها “إدواردو كروز” (وهو أخو بينلوبي) والتي كانت متمتعة بالعمق الكافي الذي يحتاجه الفيلم.

    “أتى إلى العالم” يلتزم كثيراً بشرائع الميلودراما السينمائية الوظيفية كنوع ينظف جروحنا الروحية من الداخل من خلال التحدي والإزعاج والحرمان والذكريات القاسية, وفيلم مؤثر لطيف يستحق المتابعة.

IMDb|RT

Advertisements

2 thoughts on “Twice Born – 2012

  1. مرحباً بك.. أظن أن تسية بعض الأعمال أمر غير سهل خاصة لو كانت متشابكة ومعقدة وكثيفة.. على كل حال أحترم رأيك وهو وجهة نظر أخرى مميزة, ومن جهتي فقد وجدت أن ولادة الطفل ما كانت إلا طريقاً لكشف أحداث أكبر وأهم في العالم وهي على ارتباط غير مباشر به, لذلك فضلت الاسم الإيطالي. وأشكرك على التعقيب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s