كلاسيكيات / تقارير خاصة

الموجة الفرنسية الجديدة .. موجة غيّرت السينما .. 1 من 4 …

مقدمة:

    ككل المهتمين بالسينما لا شك أنه قد واجهنا اسم (الموجة الجديدة) كمعرّف للحركة السينمائية الفرنسية التي ظهرت في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي.. حيث أن تعبير الموجة الجديدة أطلقته الصحفية Françoise Giroud في مجلة ” الأكسبريس ” الفرنسية حول الشباب الفرنسي في عام 1957 في تحقيق استهدف ثمانية ملايين من الشباب والشابات الفرنسيين ممن تقع أعمارهم بين 18 و20 عاماً حول فكرة تعاقب الأجيال، حيث توصلت إلى نتيجة أن المجتمع الفرنسي يتغير و أن طموحات الشباب الفرنسي أصبحت مختلفة عن الأجيال السابقة معلنة بأن (الموجة الجديدة) آتية دون شك، بعد ذلك تم أخذ هذا التعبير ليشير إلى تيار السينمائيين الشبان الذين يحاولون خلق سينما جديدة مختلفة عمّا قبلها.وبما أن الظروف الاقتصادية كانت لا تساعد السينما على الازدهار في ظل التأطير المبالغ فيه في تقاليد الإنتاج الضخم داخل الاستوديوهات والعمل مع طاقم كبير الفنيين في شتى المجالات التكنيكية مع ارتفاع أجور نجوم تلك الفترة. فقد استغل (المتموجون الجدد) الثورة التقنية في صناعة السينما كظهور الكاميرات الخفيفة و الأفلام السينمائية عالية الحساسية للضوء و معدات تسجيل الصوت المتزامن مع التصوير, مما مهد لانتهاء عصر الأستوديو والانتقال إلى الطبيعة البسيطة كأستوديو فسيح شاسع لا متناهي الضفاف. وإن كان التجديد السينمائي قد انطلق من فرنسا على يد مجموعة من النقاد الذين تحوّلوا إلى صانعي أفلام تحمل أفكارهم التحريرية وعداءهم للتقاليد وثورتهم على التسلسل الدرامي وحتى على المواضيع المطروقة.. فقد استلمت الشعلة كثير من سينمات العالم لاحقاً لتعتمد ذات النمط من التبسيط ومحاربة التكلف والتصنع.. ويذكر أن فيلم (400 ضربة : Les Quatre Cents Coups) لـFrancois Truffaut الحائز على جائزة الإخراج في مهرجان كان للعام 1960 وفيلم Jean-Luc Godard (على أخر نفس : A Bout de Souffle ) عام 1960 قد أعلنا احتضار السينما التقليدية في ذلك العام لصالح سينما التجديد والتبسيط.. إلا أن المجتمع الاستهلاكي عاد ليطغى تدريجياً مورواً بتقدّم الزمن وحتى الآن حتى باتت مثل هذه النوعية أسيرة محبيها أو جامعي التحف السينمائية.. وبعد أن أصبحت دفة التوجيه للسينما من قبل أكثرية الصناع والمشاهدين يستقطبها إبهار الصورة وتقنيات الحاسوب والثلاثي البعد والأرباح ولو على حساب القيمة, فقد طغى على النقاد ومتذوقي الفن السابع مصطلح (السينما التجارية) للتعبير عن تغييرات السينما لإرضاء رغبة التقنية والمال, وتبقى الاستثناءات قليلة في عالم يبدو أنه لم يعد يبحث عن الموجة الجديدة التي أصبحت مع الزمن.. قديمة..!

1940 – 1944 : الاحتلال:

    كانت باريس خلال الحرب العالمية الثانية مدينة مظلمة, حيث تم فرض إطفاء الأنوار بشكل إجباري من قبل القوات الألمانية. أبعد نقص الوقود السيارات عن الشوارع, في حين أبعد حظر التجول الناس عن الشوارع في الليل. أما خلال النهار فكان هناك تعليمات كثيرة وإعلانات ورقابات.. كل ذلك جعل الاحتلال لا يحتمل.

    إحدى سبل صرف الانتباه القليلة عمّا يجري للمواطنين الفرنسيين كانت السينما, لكن ضمن اختيارات محددة لما يمكن رؤيته. فقد تم منع الأفلام الأمريكية. وفضلاً عن الإنتاجات الألمانية التي تضمنت بشكل رئيسي تقليد كوميديات وميلودرامات هوليوود الموسيقية, فقد ظهر حوالي 200 منتجاُ فرنسياً خلال فترة هذه السنوات الأربعة, وكانت ملزمة بأن يصادق عليها الرقيب الألماني, حيث كانت مع استثناءات قليلة مجرد تقليدات شاحبة لروائع السينما الفرنسية العظيمة لـMarcel Carne وRene Clair وMarcel Pagnol وJean Renoir التي ظهرت قبل الحرب.

    وبالنسبة إلى جيل محبي صناعة الأفلام مثل Andre Bazin وAlain Resnais وEric Rohmer الذين ترعرعوا في الثقافة السينمائية الغنية للعشرينات والثلاثينات, فإن هذا النقص في الاختيار لا أضيف إلى إحساسهم بالخسارة الذي كانوا يشعرونه كنتيجة للحرب. ليس فقط للأفلام الفرنسية التي فقدوها؛ بل لأنهم لن يتمكنوا من مشاهدة الأفلام الأمريكية التي يحبونها كالويسترن والكوميديا والمغامرات من مخرجين مثل Howard Hawks وJosef von Sternberg وLeo McCareyوErnst Lubitsch. هذه الخسارة جعلتهم يقيمون حرية التعبير وحقيقة التمثيل فوق كل اعتبار؛ هذه القيم التي أصبحت لاحقاً مركزية في عملهم التالي.

    للجيل الأصغر الذي ولد خلال الثلاثينات, والذي أصبح لاحقاً أغلب مخرجي الموجة الجديدة, فقد أصبحت السينما مركز كونهم ومأواهم من الحقيقة القاسية للعالم الخارجي. كانوا صغاراً على أن يعرفوا كثيراً عن الأفلام التي كانت قبل الحرب؛ وما كان عندهم مراجعات أو نقد لتوجيههم, لكنهم أحبوا فطرياً حفنة من الأفلام التي صنعت خلال الاحتلال مثل (ضوء الصيف: Lumiere d’ete) للعام 1943 إخراج Jean Gremillon و(ضيوف المساء: Les Visiteurs du Soir) للعام 1943 لـCarne وPrevert, و(القدر العجيب لديزيري كلاري: Le Destin Fabuleux de Disiree Clary) للعام 1941 إخراج Sacha Guitry, و(أيادي جوبي الحمراء: Goupi Mains Rouges) للعام 1943 إخراج Jacques Becker, وفوق هذا يأتي (الغراب: Le Corbeau) للعام 1943 لـHenri-Georges Clouzot.

Henri-Georges Clouzot

الغراب – 1943 : Le Corbeau:

بوستر فيلم “الغراب” – 1943

    السؤال الكبير الذي اعترض Henri-Georges Clouzot كان ماذا أفعل.. فقد كانت الخيارات أمامه محدودة تحت الاحتلال.. إما أن يستسلم.. أو أن يجد مهنة أخرى.. أو يجد من يموله بشكل مستقل مع خطورة هذا.. أو أن يتجه إلى المحتل للتمويل..! وقد اختار Clouzot الخيار الأخير الأصعب الأخير فكان أن ظهر الغراب (Le Corbeau) الذي يعد من أفضل أفلام هذه المرحلة, بارزاً أولاً كنتيجةٍ لشركة إنتاج ألمانية أُسست في فرنسا في أول شهور الحرب, ثم كسبب مشاكل عديدة لمخرجة خلال الحرب, سببت تم منعه من دخول فرنسا ومنع فيلمه من العرض.

    يروي الفيلم حكاية رسائل مجهولة المصدر كانت تُرسل للإساءة إلى سمعة بعض الأشخاص وكانت تحمل توقيع (الغراب), متهمة الطبيب “ريمي جيرمان” -الذي قيل أنه يقوم بعمليات إجهاض غير شرعية للسيدات الحوامل- بتهمة الزنى مع “لورا” زوجة رئيسه الطبيب النفساني الذي يدعى “فورزيه”, وسيدة أخرى معاقة تدعى “دونيز”. وعلى أثر ذلك تتحول البلدة إلى حالة الغليان على صفيح ساخن من الشك والمزاجية.. ما يدفع “جيرمان” أكثر فأكثر لمعرفة هوية الغراب.

    لو نظرنا إلى الفيلم لوجدنا فيه الكثير من ملامح أفلام “النوار” مع حالة الشكوك والظلال, ولوجدنا كذلك ملامح السينما الفرنسية التي تتنفس تفاعلاً وحركة وحرية تمثيلية.. ولكن على خلاف أفلام النوار فالبطل ليس تائهاً..! فـ”جيرمان” يدرك ما يفعل, والأسرار التي يتم كشفها لا تصدمه. بل إنه بالكاد يحصل على تعاطفنا معه.. ربما فقط لأننا بالفعل نتلهف لمعرفة “الغراب”.. ينتهي العمل بمصرع الغراب الذي يتضح أنه “فورزيه” نفسه على يد أم أحد المرضى الذي ينتحر بعد أن أرسل له الغراب رسالة يخبره فيها أن سرطانه لا علاج له.. ويبدو الفيلم في تلك المرحلة بالذات مشبعاً بروح التوتر التي يفرضها الاحتلال.. واستخدام Clouzot لبلدة صغيرة يعرف فيها الجميع الجميع يبدو مقصوداً ليجعل الشخصيات متقاربة, وليبعدها عن أي إطار جغرافي قد يحتسب ضده خلال مرحلة الحرب.. لكنه كان كافياً ليثير لدى المشاهد الانطباع أن أصغر الأمور قادرة على إزعاج الناس وإقلاقهم.. مثيراً ومحفزاً لمجموعة مخرجين آخرين ليشرعوا موجتهم الجديدة في السينما البسيطة.

    وقد كان الفيلم مأخوذاً من قصة حقيقة جرت في بلدة Tulle الفرنسية عام 1917 حيث كانت تُرسل رسائل مجهولة المصدر يتم توقيعها باسم (عين النمر).

    الفيلم تمت إعادة إحياءه باسم (الرسالة الثالثة عشرة : The 13th Letter) عام 1951 مع المخرج Otto Preminger.

فرنسا بعد الحرب:

    تم تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني من طرف قوات التحالف عام 1944, فأصبحت السينما أكثر شعبية من أكثر وقت مضى. وقد حققت أفلام مثل (Les Enfants du paradise : أطفال الجنة) عام 1945 لـMarcel Carne و(La Bataille du Rail : معركة السكة) عام 1946 نجاحات عظيمة, كما حققت الأفلام البريطانية والإيطالية شعبية كبيرة, ولكن الشعبية الأكبر كانت لمخزون الأفلام الهوليودية المغيّبة والتي لم تكن مسموحة العرض خلال الحرب. وبعد أن أزيل الحظر عن الأفلام الأمريكية أصبح الفرنسيون أمام حالة اكتشاف سينمائي لما فاتهم وفي حالة تسارع للحاق بما كان يحدث في العالم.

Les Enfants du paradise : أطفال الجنة – عام 1945:

بوستر Les Enfants du paradise

    الفيلم حكاية لثلاث ساعات مقسمة على جزأين (شارع الجريمة) و(الرجل الأبيض), عبر سبع سنوات. تجري أحداثه في الأربعينات من القرن التاسع عشر, وتتمحور حول Baptiste وهو ممثل إيمائي مسرحي يحلم بالنجومية وعلاقته بامرأة مدنية ميسورة الحال تعمل بالاستعراض تدعى Garance.. وهي على أية حال امرأة يرتادها 3 أشخاص آخرون هم: ممثل صاعد, ولص سيئ السمعة, ودوق أرستقراطي ..! أما من جهة الإيمائي في المقابل فهناك Natalie ابنة صاحب المسرح الذي يعمل فيه والتي تعشق Baptiste عشقاً كبيراً.. علاقات ودسائس هؤلاء الأشخاص هي الخيوط الدرامية التي بني عليه الفيلم الذي يبدأ بمشاهد ساحرة عن المسرح والشوارع والحشود, الراقصين والمرآة, وإظهار ممثل التقليد كمجنون أو مهرج.. وكأن المخرج يحاول من خلال نظرات الجمهور المحتشد إلى المسرح أن يجعلنا نشعر أن الممثلين يشبهون الآلهة الإغريق عندما كان الناس يجتمعون أمامهم ولربما هذا هو سبب تسمية الفيلم بأطفال الجنة..

    تتصاعد أحداث الفيلم باتهام Garance بسرقة ساعة ذهبية خلال مشاهدتها لمسرحية إيمائية فينقذها Baptiste لكنه يقع فوراً في غرام Garance ويحتفظ بزهرة قدمتها هي له كعربون شكر.. ثم يعود ويراها مع اللص ومع الممثل الشاب مرة أخرى.. ويحاول إقناع نفسه بأنها تهوى الممثل الشاب.. وكي يبقى قريباً منها يجد لهما دورين في مسرحه, وبذلك تتضاعف علاقتهما الأمر الذي يجعله كئيباً, والذي يجعل Natalie تستغل الفرصة لتتزوجه.. لكن Garance تعود وتختفي مع الدوق الذي عرض عليها الزواج فرفضته لكنها وضعت نفسها تحت حمايته مخافة الاعتقال من تهمة محاولة قتل.

    وفي الجزء الثاني تعود Garance إلى باريس من رحلتها حول العالم مع الدوق لتشاهد سراً المسرح الإيمائي معلنة للدوق أنها لم تكن تحبه.. فيظن الدوق أنها كانت تحب الممثل ويدعوه لنزال, لكن اللص يقتل الدوق مفقداً Garance مصدر حمايتها بينما كانت هي تقابل عشيقها Baptiste..

    يكتسب هذا الفيلم قوته من تدرج المشاعر ومن السيناريو ومن موسيقاه وأزيائه.. وهو كذلك حاول أن يظهر لنا بوضوح أن صمت التمثيل يعج بالكلام والأحداث..

المراجعات والجرائد:

    جلب التحرير معه رغبةً عظيمة للتواصل والتعبير عن النفس والتفاهم, حتى أصبح النقاش حول الأفلام جزءاً من أحاديث المجلات, مثل مجلة الشاشة الفرنسية (L’Ecran Francais) التي أصبحت مجلساً للكتاب مثل Andre Bazin لتطوير نظرياتهم وإظهار حماستهم الفيلمية, حيث رأى Bazin السينما كحالة فنية وشيئاً يستحق التحليل الجادّ. وقد كان يركز اهتمامه على لغة الفيلم مفضلاً مناقشة الشكل على المحتوى. ويظهر أن هذا الموقف قد تسبب في إظهاره النزاع مع الكتاب اليساريين الذي كان نزاعاً على الورق بالدرجة الأولى هؤلاء الذين كانوا يهتمون أكثر بوجهة النظر السياسية للأفلام.

    ومن الكتاب الآخرين الذين شاركوا Bazin حسه بعلم الجمال كان Alexandre Astruc, الذي كتب في العام 1948 مقالة عنونها (ولادة طليعة جديدة: الكاميرا كقلم) وقد حض فيه السينما كفن أدبيلتأخذ شكلاً أكثر شخصية تتحول فيه آلة التصوير إلى قلم بشكل احترافي في يد المخرج. المقالة أصبحت البيان العام لجيل الموجة الجديدة والخطوة الأولى لتطوير “نظرية المخرج”.

    المجلة الشعبية الأخرى بين محبي السينما كانت مجلة المطالعة السينمائية (Revue du Cinema).. وكانت هذه مكرّسة أكثر للفنون وغير مهتمة بالسياسة أو قضايا الالتزام الاجتماعي. وقد تم هنا بحث السينما الأمريكية جنباً إلى جنب مع الأوروبية. وقد تعمقت في دراسة أعمال المخرجين مثل D.W. Griffith وJohn Ford وFritz Lang وOrson Welles. وكان Andre Bazin قد ساهم ببعض المقالات الهامة للمجلة حول تقنية السينما. كما أن الشاب Eric Rohmer بمقالته (السينما, فن الفضاءات) التي كان لها كبير الأثر على مخرجي الموجة الجديدة.

Andre Bazin

نوادي السينما:

    نفس المتحمسين لقراءة مجلات الأفلام بدؤوا بتعطش بالانضمام إلى النوادي السينمائية, ليس فقط في باريس بل في جميع أنحاء فرنسا كان نادي Henri Langlois المسمى Cinematheque Française الذي تم افتتاحه عام 1948. وقد كانت السينما التي افتتحها مع Georges Franju صغيرة تتسع إلى 50 مقعداً فقط. لكن برنامج الأفلام فيها كان شاملاً وإنتقائياً حتى أصبحت قبلة متحمسي الأفلام الجدد.

    أعتقدَ Langlois أن Cinematheque كانت مكاناً للتعلم وليس فقط للمشاهدة. أراد جمهوره أن يفهموا تماماً ما يرونه. فأصبحت تجربته في عرض الأفلام في المساء مختلفة عن الموضة الشائعة, حتى من ناحية نوع وبلد منشأ الفيلم المعروض, فهو احياناً يعرض أفلام أجنبية يدون ترجمة أو حتى أفلاماً صامتة دون متمم موسيقي.. كان الهدف هو تركيز إنتباه الجمهور على التقنيات التي يشاهدونها, والنقاط التي تحقق التواصل بين الأفلام التي قد تظهر متباعدة. وهنا ضمن الـCinematheque جمع أسماء لامعة جداً للموجة الجديدة.. ثم هناك Francois Truffaut الذي كانت السينمات مأوى حياته بسبب بيته الحزين, بدأ مأواه السينمائي الخاص كذلك Le Cercle Cinemane.حتى Jean-Luc Godard كان منغمساً في النوادي السينمائية, بعد أن كان يدرس الأجناس في السوربون بدأ بالتردد على Cinematheque أولاً.. ثم أصبحت السينما مأواه.. ثم أصبحت كما قال لاحقاً (الحائط الذي يجب أن نتسلقه للهروب من حياتنا). Alain Resnais وJacques Rivette وClaude Chabrol وRoger Vadim وPierre Kast أصبحوا مخرجين لاحقاً, وكانوا قد حصلوا على معظم تعليمهم الفيلمي من نوادي الفيلم.. الـCinematheque وCine-Club du Quartier Latin كانت البداية لهم ليجمعوا اللقطات وأحياناً الملصقات.. ليقرؤوا ويتناقشوا فيما يلزم وما لا يلزم.. ليصنفوا المخرجين المفضلين.. فكانت دربهم ليخرجوا برؤاهم ووجهات نظرهم الخاصة.

    آخر نهم للنوادي السينمائية كان Eric Rohmer الذي نشر مقالاته في مجالات السينما الأخرى, والآن مع صديقيه Jacques Rivette وJean-Luc Godard أشعل مطالعته الخاصة المسمّاة (La Gazette Du Cinema : جريدة السينما الرسمية).. ورغم ضعف توزيع المطبوعة فقد أمكنتهم من إبداء وجهات نظرهم لبعض الأفلام التي يشاهدونها. كذلك فآخرون مثل Truffaut وResnais قد تلوهم بشكل قريب في كتابة المقالات للمجلات مثل (الفنون وأصدقاء السينما : Arts and Les Amis du Cinema).

Henri Langlois

الدفاتر السينمائية (Cahiers du Cinema) :

    كانت الدفاتر السينمائية (Cahiers du Cinema) هي المجلة السينمائية الأكثر أهمية وشعبية لكل الأوائل عام 1951. بدأت مع Jacques Doniol-Valcroze وAndre Bazin الخارجان من La Revue du Cinema التي أغلقت قبل عام. المجلة بغلافها الأصفر كانت تعرض مقالات أفضل النقاد في ذلك الوقت الذين يكتبون مقالة علمية عن الأفلام حتى غدت المجلة بوصلة جيل جديد من النقاد أمثال Rohmer وGodard وRivette وClaude Chabrol وFrancois Truffaut عندها فقط بدأ الورق “يموج”.

    تحول Bazin إلى ما يشبه الوالد لهؤلاء النقاد الشباب مع قربه من Truffaut.. وكان شيء واحد تشاركه هؤلاء هو الاتجاه العام إلى (التعامل مع النوعية) الذي سيطر على السينما الفرنسية في ذلك الحين. وفي عام 1953 كتب Truffaut مقالة في الـCahiers بعنوان (مَيل حتمي في السينما الفرنسية) شجب فيه هذا التقليد بشكل كبير وقال أن التصوير في الأستوديو هو موضة قديمة وغير مثيرة, وأن هذا الأسلوب ليس بصرياً بما فيه الكفاية, وقد أخّر Bazin إطلاق المقالة لمدة عام خوفاً من أن يفقدوا قرّاءهم ومن أن يغضبوا المنتجين الذين هاجموهم.. وعندما تم نشره سبب انقساماً بين مؤيد ومخالف, الأمر الذي جلب للمجلة السمعة السيئة والشهرة على حد سواء الأمر الذي قدم فرصة لهؤلاء الشباب إلى إعلان أفضلياتهم وتطوير نظرياتهم.

أحد أعداد Cahiers du Cinema

Francois Truffaut

المخرجون المفضّلون:

    كان Henri Langlois يؤمن على الدوام أن متابعة الأفلام الصامتة هي أفضل طريقة لفهم السينما.. لذا فقد ضمن الكثير منها في برنامجه للـCinematheque Français. ونتيجة لذلك كان لمجموعة الموجة الجديدة احترام كبير للمخرجين أمثال D.W. Griffith وVictor Sjostrom وBuster Keaton وCharlie Chaplin, وErich von Stroheim الذين ابتكروا تقنيات صناعة الأفلام في سنواتها الأولى, لذا عندما بدؤوا بعمل الأفلام بأنفسهم كانت الأفلام الصامتة مصدر إلهام مخرجي الموجة الجديدة.

    احترم مخرجو الموجة الجديدة ثلاثة مخرجين ألمان احتراماً كبيراً, هم Ernst Lubitsch وFritz LangوF.W. Murnau . فكوميديا Lubitsc المتقدمة أخذت كنموذج لكتاباتهم السينمائية وبنائهم الدرامي. Lang الذي كانت أفلامه الأمريكية اللاحقة برأي طرف أكثر النقاد أقل جودة من تحفه المبكّرة مثل (Metropolis وM), أما Murnau المنسي كثيراً من قبل النقاد المعاصرين, صاحب التحف (Nosferatu وSunrise) فقد لخصّ للموجة الجديدة كل التقنيات التي كانت تحت تصرفه ليعبر فيليماً عن كل ما يدور في خلده..

Fritz Lang

    تأثير آخر على الموجة الجديدة كان أوربياً هذه المرة هو حركة الواقعية الجديدة الإيطالية.. فمخرجون مثل Roberto Rossellini وVittorio de Sica كانوا يذهبون إلى الشارع ليلهمهم الأفكار ويستخدمون الممثلين غير المعروفين و غير المحترفين في المواقع الحقيقية.. فيقللون من تكاليف الأفلام وتكلّفها.. يستخدمون الكاميرات المحمولة.. مما جعلهم يتفادون تدخّلات الأستوديو وطلبات المنتجين, ويظهرون الصور أكثر شخصانية.. كل هذا كان دروساً فعلية للـ”متموجون الجدد”.

Roberto Rossellini 

    من جهة أخرى فكقد حاز بعض المخرجون الأمريكيون على المديح كذلك على صفحات (دفاتر السينما), ليس فقط المشهورين منهم Orson Welles : Citizen Kane – Joseph L. Mankiewicz : The Barefoot Contessa – Nicholas Ray :Rebel Without a Cause بل حتى الأقل شهرة من أمثال Samuel Fuller – Shock Corridor وJacques Tourneur – Out of the Past وقد ابتدع هؤلاء النقاد في (دفاتر السينما) أرضية جديدة عندما كتبوا عن هؤلاء المخرجين فلم يتم أخذهم من قبل على هذا القدر من الجدية.. مركزين على الأسلوب الشخصي الذي يميّزهم والذي شاهدوه في أفلامهم.

من فيلم Rebel Without a Cause

Advertisements

One thought on “الموجة الفرنسية الجديدة .. موجة غيّرت السينما .. 1 من 4 …

  1. التنبيهات: الموجة الفرنسية الجديدة .. موجة غيّرت السينما .. 2 من 4 … | مجلة السينما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s