مراجعات الأفلام

Eternity and a Day – 1998

     وماذا يكون الزمن؟.. جدي يقول أن الزمن طفلٌ يلعب نرداً على الشاطئ“.. ألا أخبرتَني الآن إن كان قد تبقى للزمن أية قيمة تُذكر أيها الطفل الذي ارتحل يوماً سابحاً نحو المدينة الغارقة.. مغافلاً والديه للبحث عن وهم طفولي يقبع في المجهول.. “ألكساندر”.. ما زال هناك أنين البواخر في البحر يرثيك حيّاً مثل نواح الثكالى.. ويشق الماء كما يشق الألم القلوب.. “إذاً فهذا يوم آخر“..بل إنه على ما يبدو مع الأسف اليوم الأخير.. “أليس لكل شيء نهاية عاجلاً أم آجلاً”.. أخبرني هل للنهاية طعم.. “أشعر بطعم الملح وطعم البحر في فمي“.. هل نستطيع برهافة الحسّ أن نشعر بطعم الموت قبل وصوله.. أتراه يشبه شعور طائر ذبيح يرسم بدمائه اللحظات الأخيرة قبل خمود حركته إلى الأبد.. وبين غمضة عين والتفاتتها تمر ذكريات عمره الراحل في عقله المحتضر الضاجّ بالحكايات المتسارعة الثقيلة.. لكنه الموت.. الموت المهيب الذي لا عودة منه.

    “خلال الشهور القليلة الماضية كان اتصالي الوحيد بالعالم من خلال جيراني المجهولين هؤلاء الذي يستجيبون لي دائماً بنفس الموسيقى.. من هم.. كيف شكلهم.. في صباحٍ ما, أردتُ الذهاب ومقابلتهم, لكنني غيرتُ رأيي, ربما من الأفضل أن لا أقابلهم وأتخيلهم.”. أتخالهم حقاً كانوا موجودين “ألكساندري” أم أنهم كانوا وهماً يرتسم في ذلك الجرس الموسيقي الذي تختلط فيه الجنائزية والرقص معاً.. تُحمل نوتاته المتألقة عالياً في الروح ثم تسقط ثقيلة على الصدر مثل مطر من وحل.. “أليس لديك أي شيء لتأسف عليه؟“.. هل حقاً أسفك الوحيد على “آنا”.. وحياتك كلها بما ضاع منها دون بلوغ الأماني ألا تستحق الأسف؟!.. تقول “سوف أغادر لفترة”.. تظنها فترة وحسب.. أم تراك تظن أن الرحلة إلى البرزخ جزء من حياة الانسان؟.. “ربما لا أستطيع أن أجد الكلمات“.. وأشك في أننا أيضاً سنجدها في هذه الحالة مهما حاولنا.. فهذه التجربة غير قابلة للتراجع.

    “عندما استيقظتُ كنتَ ما تزال نائماً.. راقبتُ تنفّسك.. أكنتَ تحلم يا ألكساندر.. حركتَ يدكَ بعض الشيء, كما لو كنت تبحث عني.. وجفونك رمشت, ثم عدتَ للنوم.. دمعة صغيرة سقطت من عينيك.. تلاشت.. وسافرت..“.. أحياناً نتساءل عمّا يدور في خلد الشاعر وهو نائم .. تقول: “عندي أحلام غريبة في هذه الأيام“.. وبين أحلام الغفوة واليقظة ما تزال “آنا” حبيبتك الأبدية شابة لم يغيّرها الزمن ولم تتجعد وجناتها مع حلول خريف العمر الأصفر.. ما تزالُ “جميلة كنسيم يوم صيفي“.. وما تزال تخشى عليك من نفسها فـ”بالرغم من ذلك فأنا مجرد امرأة عاشقة وحسب” “أخاف أن أغزو صمتك“.. هناك “أمشى عارية على الرمل.. الريح تنساب.. والمراكب تمر حولي.. وأنت لم تكن قد استيقظت بعد.. ومازال بإمكاني أن أستشعر حرارتك على جسدي.. لن أقتحم حلمك إن كنت تحلم بي“.. هو الحب إذاً يرفض أن يغيّر الأشياء الجميلة في مخيلتنا.. سواء أكانت هذه الجماليات مارقة في الحلم أو الذكريات أو الواقع.. أم أنها الإسقطات الأخيرة قبل الرحيل ترفض أن ترحل وهي تنضوي على أي شيء آخر سوى الجمال؟.. بعض الزمن لا يُنسى يا صديقي وينحفر كالوشوم في دواخلنا.. ثم نستدعيه كحلمٍ مخزونٍ مجهول الهوية متوقف الأحداث.. ونأمل أن نسحبه معنا من الحياة إلى ما بعدها.. آهٍ كم تساوي تلك الذكريات الآن.. هي ببساطة أكثر الحياة, بل كلها.. لذا دعونا نطبق عليها جفوننا وندافع عنها وكأنها هي بحدّ ذاتها الرمق الأخير.

    أنت “طير صغير منفي.. وحزين.. والبلاد الغريبة سعيدة أن تكون بها..”… ليست هذه مجرد كلمات تنعكس من عذابات طفل صغير على بقايا وظلال حياة الشاعر.. أنت تعلم يا “ألكساندر” أن الغربة لا تكون فقط بالجسد.. وأن الغربة الأقسى والأدهى هي غربة الروح.. وفي هذه الرواية الغنائية الطفولية من صميم الحرب الأهلية تلك, تقطن فلسفة العصافير والبنادق.. هناك الموت في قمة البساطة, لا يحتاج مبرراً.. تدرك تماماً ووفق أقوالك التي تقر ّبها أن في جوانب شخصية هذا الطفل ما يمسُّك من الداخل.. تعلم أنه بعيدٌ عن أهله ومعذّب وبسيط ولم يخالطه بعد غبار رياء الكبار.. ولربما كان هذا بالذات ما تحتاجه ليضخّ فيك الإبداع مرة أخرى.. ليحرّض ذاكرتك التي تتقاطع معه في الإحساس بالضعف.. ويبثّ في روحك الرغبة بالكتابة لإنهاء هاتيك القصيدة الأخيرة.. القصيدة التي ما زال شاعرها يبحث عن دليل على أن الإبداع لمّا ينضب منه بعد.. “الشاعر الذي يشتري الكلمات” لأنه فشل في التحدث بلغته الأم.. أو ليست هذه غربة أيضاً.. ويا لها من غربة في الوطن.

    “أحاول أن أخطفكَ بين كتاب وآخر.. كي تعيش قريباً منا أنا وابنتك.. لكنكَ لستَ معنا.. أعرف أنك سترحل يوماً ما.. فالريح تدفع عينيك جانباً.. لكن في كلّ يومٍ, امنحني يوماً.. كما لو أنه الأخير“.. “بعيداً.. نحو البحر المفتوح.. ترحل جزيرتك… لقد نسيتَ أحد قمصانك على الشرفة يرتجف في الريح.. أنظر إليك بعيون مغلقة.. وأسمعك بآذان مغلقة.. ودونما فم, أناديك” .. من الصعب أن نُقدّر إذا كانت هذه العبارات من إحدى رسائل “آنا” فعلياً أم أنها شظايا من أسفك على زمن لم تكرّسه لعائلتك, وتشعر أنه انفلت من بين يديك بعيداً عمّن تحبهم وعمّن كانوا أولى به.. نعم.. لقد سرقك العمل يا صديقي من الأحبة.. والآن رماك قريباً جداً من أحضان الموت وشفاهه.. وها أنت مازلتَ ترى في نفسك صغيراً وتقارن نفسك بالأطفال.. فالساعات التي قضيتها مع نفسك وأحبتك لا تكاد تبلغ سن الرشد.. وتقدم السنوات ومشيب شعرك ولحيتك ليس معياراً.. وثمة رغبة مكتومة باقية لديك في أن تعيش.. ولكن أين ستعيش.. لقد نفد الزمن المتاح يا صاح.. وشمس حياتك شارفت على الأفول.. وغداً يحين موعدك الأخير الذي لا تراجع منه مع الظلال والبرد..

    هو الموت… حسبما يظهر لنا ليس له أكثر من صيغة فيزيائية ولا نفسية.. ولكن أليس هناك من صيغ أخرى خافية عنا نحن الأحياء.. أفلا “يزعجكَ ألاّ تكون معنا الليلة؟“.. و”ما الذي يشبهه ذلك المكان الذي ذهبت إليه“.. ترى “كيف يبدو هذا العالم لو نظرتَ إليه من أعلى“.. وهناك على تخوم الموت هل يصبح الندم ملازماً لألم الفراق.. حقاً؟.. فـ”لماذا يا أمي لا يحدث شيء مثلما نتمنى؟“… و”لما يجب على الواحد أن يتعفن ممزقاً فيما بين الألم والرغبة؟“.. “أخبريني يا أمي لماذا لا يتعلم أحد المحبة“.. لماذا يكون الخوف غالباً هو الإحساس الأخير.. “ابقَ معي.. فأنا خائف أيضاً“.. وما هو احتمال أن تكون السعادة هي آخر ما نحمله.. وكيف نحقق ذلك.. ترى من يفهم أكثر معنى مقولة “الحياة حلوة“, نحن, أم الراحلون عن هذا العالم..

    “يوماً ما, عندما تتذكر هذا اليوم.. تذكّر بأني راقبته بكلتا عينيّ.. بأنني داعبتُه بكلتا يديّ.. أنا أنتظرك هنا, وأنا أرتجف.. امنحني هذا اليوم“… وإذا تحدّث السابقون إلى اللاحقون.. تراهم يا “ألكساندر” بماذا سيتحدثون.. هل سيتحدثون بما هو في الحياة أم بما هو في ما بعدها.. كيف سنراهم.. في أي حال.. سعداء.. أم راقصين.. مبتهجين.. متجهّمين.. متحسّرين؟؟!!… “هل تريد أن ترقص؟.. أنا اعلم أنك لا تحب الرقص.. لكن اليوم لي“.. أنت تعلم أن العمر محتوم.. تبتسم فخوراً وتقول “أنا لن أذهب إلى المستشفى.. سأخطط لمشاريع الغد“.. ولكن هل سيغيّر هذا شيئاً يا صديقي.. وهل في وجودنا خارج الحياة إمكانية للتخطيط.. و”ما هو الغد يا آنا“… “إلى متى يدوم الغد“.. الغد طويل يا “أليكساندر” أتراك تعلم طول الأيام خارج الحياة.. إنه لا يقاس بالأزمنة.. إنه يقاس بالخلود.. الغد يا صاحبي هو “الخلود ويوم آخر“…

    يقول الراحل “ثيودور أنجيلوبولوس” عن فيلمه هذا الحاصل على السعفة الذهبية عام 1998: رجل يحتضر، يومه الأخير. كيف تقضي يومك الأخير؟ ما الذي يمكن أن يحدث لنا؟ ماذا سوف نفعل بالساعات الباقية لنا؟ هل تتأمل الحياة التي عشتها، أم أنك تسمح لنفسك بأن تنساق، تنكشف أمام كل المصادفات: تتعقب شخصاً ما، تفتح نافذةً، تلتقي بشخص لا تعرفه، تفتح نفسك لكل ما يحدث، للمجئ غير المتوقع، للذي لا يرتبط لكن يتضح في النهاية أنه يرتبط؟.

    أعلم أنني خرجت عن الأُطر الافتراضية لكتابة المراجعات النقدية.. فمرّة أخرى يغرقني “أنجيلوبولوس” بأسئلته العميقة المحرجة والجارحة.. أحس به يقهر عباراتي ويتحدى أسلوبي.. لا أستطيع أن أكون نمطياً هنا.. صحيح أن الحوارات قليلة ولكن الصورة التي تنبض بالرمزيات هي أيقونات تخترق الأفئدة بسوداوية حارقة وحميمية موازية سلسة.. وها هو “أنجيلوبولوس” أيضاً يختار العواصف والطرقات كمفارق ضياع وفقدان, ويبحث عن الأحبة البعيدين, وها هي من جديد الطفولة المعذبة الوحيدة التي تكابد ألم الوداع والمجهول, ومن جديد فشخوص “ثيو” تحمل هواجسه الخاصة التي تبدو كأحلام اليقظة والاستغراقات.. وكالعادة فالزمن يسيل كهلام غريب.. والمكان فسيح مترامي الأطراف يشترك بالحدث بقسوته رغم جماليته.. والمقطعية الطويلة الثقيلة ترهق الروح وتزيد من إرهاصات الأسى.. والمونتاجات الممتازة المترافقة مع فلاش – باك سلس رائع والتباين الإضائي اللوني بين أحداث الحاضر وصور الذكريات.. عوامل فائقة الإبهار تجعل التنقلات الزمانية والمكانية كأطياف أحلام تشبع العيون سحراً وإلهاماً..

    “الخلود ويوم آخر” رحلة مادية وروحانية معاً, وعمل يسمو نحو الخلود, ويتفاعل مع الأرواح.. شيء من نوع خاص جداً,  قد لا يناسب أي أحد.. ولكنه يتغلغل داخل الجوانب الفكرية والإنسانية, ويشكل دعوة صريحة للتأمل. وحتى إن كان الموت هو الفكرة الرئيسة فيه, فهو دعوة إلى الحياة قبل أن تنتهي الحياة.. عمل يفوق التقييم.

IMDb | RT

Advertisements

3 thoughts on “Eternity and a Day – 1998

  1. نقد ممتاز مكتوب بنفس ثيمة بناء الفيلم
    الفيلم كله تساؤلات ومحاولات للعثور على إجابة لكنه لا يسمع أغلبها أو يكتفوا بتركه
    عظمة العمل تكمن في مكوثه بمنطقة اللا إجابة
    الشاعر الذي كتب قصيدة عن الحرية لشعبه بينما يعيش غربة اللغة، بينما يكتب قصيدته الثانية التي لم يكملها ظل حبيسًا لشراء الكلمات من الفقراء
    حاول أليكساندر شراء الكلمات من الطفل وكان حصاده كلمات .. الغريب وزهرتي الجميلة ومتأخر جدا
    بناء الفيلم كان بمخيلة طفل أوقف الزمن ليلعب النرد مع أوهامه ومخيلاته السعيدة
    باحثًا عن المدينة السعيدة التي ابتلعها الزلزال ليبقى في فمه طعم الملح
    أليكساندر الطفل لم يجد بعد آنا إلا الطفل البولندي ليبقى معه ولو يوم واحد أخير قبل الرحيل

  2. في النهاية كان هناك حديث جميل من ثيو أنجيلوبولوس عن العمل في كتاب “ عالم ثيو أنجيلوبولوس السينمائي – براءة التحديقة الأولى ” من ترجمة وإعداد الناقد البحريني أمين صالح الذي تحدث عن ثيو ومسيرة ثيو وكثير من مقابلات ثيو وكلامه عن أفلامه وددت نقلها هنا للفائدة لأن كلامه عن هذا الفلم تحديداً كان شيء جميل وأيضاً وبالتأكيد لايوجد أحد افضل من يتحدث عن أفكار ثيو غير ثيو أنجيلوبولوس نفسه .
    التخوم، بالنسبة لي، ليست مفاهيم جغرافية. إنها ببساطة انقسامات بين هنا وهناك، بين الماضي والحاضر. وفي هذا الفيلم، هي مسألة الانقسام بين الحياة والموت.
    هذا الفيلم بأكمله عبارة عن رحلة متواصلة عبر الزمن، عبر الحاضر والماضي. ليس هناك تخوم جليّة وواضحة المعالم بين الواقع والخيال. التخوم مائعة. رحلة البطل “ألكسندر” تنطلق من الواقع. هو ينقذ الصبي من براثن منظمة إجرامية متخصصة في بيع الأطفال إلى العائلات الغنية الراغبة في تبني الأطفال. لكن في موضع معين، الرحلة تصبح داخلية، باطنية. كمثال، عندما يصل الاثنان الى الحدود الألبانية، يكون المشهد مرئياً عبر الضباب، ثمة أفراد يتكئون على سياج من الأسلاك الشائكة. بالطبع، الحدود ليست مثلما تبدو عليها في هذا المشهد. إنها ليست حقيقية. هذه الأحداث والصور تقع فقط في مخيلة البطل. إنه تخيّل. هذا التخم المسوّر بالأسلاك الشائكة هو التخم الكائن داخل ألكسندر نفسه. والصبي يساعده، فحسب، على مواجهة صراعه الداخلي، هو يعطيه مبرّراً للسفر عبر اللحظات الرئيسية من حياته، ولتذكّر اللحظات السعيدة التي عاشها مع زوجته الراحلة.
    لزمن، في فيلمي، هو الثيمة الرئيسية. وكما قال هرقليطس: “ما هو الزمن؟ الزمن طفل يلهو بالحصى على حافة البحر” شخصيات فيلمي يسافرون عبر الزمن والمكان كما لو أن الزمن والمكان لا يوجدان. السؤال الأهم هو: كم سيدوم الغد؟ والإجابة هي: الأبدية ويوم واحد. وإذا كان محظوظين فلربما نعيش حياتنا وفق صورة المستقبل التي نحملها معنا اليوم.
    في الفيلم يظهر ديونيسيوس سولوموس، شاعر يوناني من القرن التاسع عشر (1798-1857)، وهو يتجول في أرجاء اليونان ويشتري كلمات لقصائده. في الواقع، هذه القصة حقيقية إلى حد ما. لقد كان سولوموس شاعراً عظيماً، وهو ابن أرستقراطي من جزر إيونيا. كان في ذلك الحين متأثراً جداً بالثقافة الإيطالية، أما أمه فقد كانت تعمل خادمة. أبوه، الذي كان يرغب في اجتثاث جذوره البروليتارية، أرسله إلى إيطاليا وهو صبي في التاسعة أو العاشرة ليدرس في دير. هناك نشأ وأنهى دروسه، وكان يكتب الشعر بالإيطالية عندما بلغته أنباء في العام 1821 عن انتفاضة اليونانيين ضد المستعمرين الأتراك الذين حكموا آنذاك شبه جزيرة البلقان. عندئذ استعاد ذكريات طفولته وصورة أمه والأغنيات التي اعتادت أن تنشدها له، فقرر أن يعود إلى موطنه ويشارك في النضال الوطني. لكن نظراً لكونه شاعراً، ماذا كان بوسعه أن يفعل غير الكتابة؟ لقد شعر بأن عليه أن يكتب قصائد ثورية، يرثي من خلالها موت الأبطال ويستحضر الصورة المنسية للحرية. وقد تحولت قصيدته “نشيد الحرية” إلى النشيد الوطني للبلاد. كما كتب قصيدة طويلة مركّبة لكن لم يستطع إكمالها. بما أن معرفته باللغة اليونانية كانت محدودة جداً، فقد مضى متجولاً في أنحاء البلاد، جامعاً المفردات التي لم يسمع بها من قبل، محاولاً أن يعيد اكتشاف لغته، ويدوّنها في مفكرته. هذه هي قصة الشاعر الحقيقية. أما فكرة شرائه لكل كلمة جديدة يحصل عليها، فقد كانت من اختراعي. والمجاز هنا واضح. اللغة الأم هي بطاقة الهوية الحقيقية الوحيدة. وكما قال هايديجر، لغتنا هي بيتنا (أو وطننا) الوحيد، وكل كلمة تفتح أبواباً جديدة أمام الفرد الذي يحرزها. لكن للدخول من ذلك الباب، عليك أن تدفع ثمناً. لقد حاول سولوموس أن يكتب بصيغة لغوية استمدها في ما بعد كل الشعر اليوناني المكتوب على غراره، كما فعل دانتي مع الإيطالية. في ذلك الوقت لم يكن لائقاً أن تكتب بلغة الناس البسطاء.
    عندما يرى الصبي الألباني مدى حزن ألكسندر، فإنه يرغب في مواساته بأن يجلب له الكلمات التي يلتقطها بنفسه. إنه ينخرط في الزحام، وفي كل مرّة يعود بكلمة جديدة. هو يلفظ الكلمة والآخر يدفع له شيئاً مقابل ذلك. يصبح هذا أشبه بلعبة يلعبانها سويا. من بين هذه الكلمات، ثمة ثلاث كلمات تظل عالقة معه في نهاية الفيلم، وهي الكلمات التي تعبّر فعلاً عن جوهر الفيلم، كما لو أن حياته بأسرها منعكسة في هذه الكلمات. هناك كلمة korfulamu والترجمة الدقيقة لها هي “قلب الزهرة”، لكن باليونانية الكلمة تستخدم للتعبير عن إحساس الطفل حين ينام في حضن أمه. إنها كلمة تستخدمها الجدّات، وقد التقطتها بنفسي، مصادفةً، هنا في ثيسالونيكي، على الشاطئ.الكلمة الثانية حصلت عليها من بحّار مسن. إنها كلمة منسية تماماً اليوم، xenitis، وهي مشتقة من جذر “الغربة”، وتعني الغريب، لكن الغريب الذي هو غريب في كل مكان، ذلك الذي يجد نفسه في وضع أو حالة من يكون غريباً. إنها تصف الاحساس بكونك غريباً، أو الإحساس بالمنفى.الكلمة الثالثة هي argathini، وهي تعني “ساعة متأخرة جداً في الليل”. تلك هي الكلمات الثلاث التي يجدها برونو أثناء لعبته مع الصبي، والتي في الوقت ذاته تعلّق على الحياة التي عاشها. إنها تلخّص حياته، تمثّل طريقته في الحياة.
    الكلمة الأولى تمثّل كل ما هو حب، مودة، حميمية، ألفة.. مع أي شخص كان: أمك أو حبيبتك. الكلمة الثانية تعبّر عن الجانب الوجودي من القصة.. حالة الروح. أما الكلمة الثالثة فتعبّر عن الزمن. الكلمة تعني هنا أن الزمن قد انقضى بعد اللقاء القصير مع الصبي. من المهم الآن أن يكون مدركاً لهذه الحقيقة. الكلمة نفسها كانت هدية من الصبي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s