كلاسيكيات / تقارير خاصة

الموجة الفرنسية الجديدة .. موجة غيّرت السينما .. 2 من 4 …

مقدمة:

   تحدثنا في الجزء السابق عن المقدمات التاريخية التي قادت إلى ظهور الموجة الفرنسية السينمائية الجديدة, متناولين أهم الأحداث السياسية التي جرت على الساحة الفرنسية من جهة, والدوريات والكراسات والمجلات النقدية والتظاهرات والنوادي السينمائية التي كانت تشق طريقها بعزيمة جيل الشباب الراغب في التغيير نحو خلق حالة إبداعية جديدة, ونقل السينما إلى خطوة جديدة في فصول تاريخها المتلاحقة. في هذا الجزء سيكون الحديث عن بدايات الموجة وظهورها الفعلي. ومن جديد, فهناك في قراءتنا عدد كبير من الأسماء الفنية سواءً أكانت شخوصاً أم أفلاماً, كل هذه الأسماء جديرة بالعودة إليها ودراسة مكنوناتها السينمائية لمن يرغب في التعمّق أكثر. وسيتم التركيز في جزء “البدايات” على النظرة الإخراجية وتنقّل أصحاب الموجة بين قصار الأفلام إلى طوالها وصولاً إلى نقطة التحول. في حين سأفرد الجزء الثالث لتجارب بعض “المتموجين” الجدد في الستينات من القرن الفائت. فمرحباً بكم إلى الجزء الثاني من قضيتنا السينمائية.

 

نظرية المخرج – (الفيلم يشبه مخرجه):

   كانت الفكرة النظرية الرئيسية لنقاد الموجة الجديدة هي (مفهوم المخرج) كبوصلة توجّه نظرتهم الجمالية. علماً أن Andre Bazin وآخرين كانوا قد حضّوا في وقت سابق على أن يعكس الفيلم نظرة المخرج الشخصية. وكان Truffaut أول من سطّر عبارة “سياسة المخرج” (la politique des auteurs) في مقالته (اتجاه مؤكد للسينما الفرنسية), مشيراً إلى أن أفضل المخرجين هم من لهم أسلوب مميز بالإضافة إلى ثوابت نجدها في أفلامهم, وهذه النظرة الفردية الإبداعية هي من يجعل المخرج المؤلف والخلاّق الحقيقي للفيلم.

   في ذلك الوقت اعتبرت نظرية المخرج نظرة جديدة مختلفة جدزياً للسينما. فقبل هذا كان كاتب النصوص, أو المنتج, أو حتى الأستوديو الهوليوودي هو ما ينظر إليه كخالق مبدئي للفيلم. وقد طبق نقاد (الدفاتر) [راجع الجزء الأول] هذه النظرية على مخرجين مثل Alfred Hitchcock وHoward Hawks اللذين كانا يُعتبران مجرد مخرجين محترفين ممتازين, لكن لم يتم أخذهما بجدية كفنانين خلاّقين, وذلك من خلال كشف الأعماق المتشابكة في أعمالهما. وبذلك حقق هؤلاء الكتاب أرضية جديدة ليس فقط في طريقة صنع السينما, ولكن في فهم كيفية إدراك السينما بحد ذاته.

   وكنتيجة رئيسية لهذا الطريق الجديد كلياً لنظرة النقاد للسينما. فقد تصاعدت سمعة (الدفاتر السينمائية). فأصبحت قراءة المراجعات حتى في هوليوود أمراً ضرورياً لمخرجين مثل Fritz Lang وJoseph Mankiewicz وNicholas Ray الذين عُثِر لهم على صور يطالعون فيها نسخة من المجلة بين يديهم, فلم يعتَد هؤلاء المخرجون أن يتعمق الناس في أعمالهم إلى هذه الدرجة والدقة, حتى أصبحوا في المقابل معجبين بشدة بحماسة هؤلاء الشباب إلى أفكارهم القوية وبصيرتهم النافذة إلى السينما كفنّ.
   ومع زيادة شهرة أفكار وكُتّاب مجلة (Cahiers du Cinéma) فإنه كان من المحتوم أن نجد هناك ردة فعل عنيفة وعدوانية مضادة, حتى وصلت إلى حد التطرف في بعض المراجعات, التي حملت معاني الاستياء ومستويات من الكراهية. وقد نتج عن ذلك نوع من الحرب الهائجة بين “الشباب الجدد” و”حماة السينما الفرنسية القديمة”.

 الأفلام القصيرة:

   على أثر النزاع الحاصل, لم يعد النقاد راضين عن بقائهم كمجرد كتاب, بل أرادوا أن يتحولوا إلى صناع أفلام ليثبتوا أنفسهم وأفكارهم. ولكن كانت “الموضة” وقتها لمن يريد الوصول إلى المخرج أن يمر بأحد خيارين.. أولهما أن يتدرج بالسلم صعوداً بحيث يكون مخرجاً مساعداً لفترة طويلة تؤهله فيما بعد ليتحول إلى مخرج رئيسي قادر على إدارة الأمور بنفسه. وطبعاً هذا الخيار كان مرفوضة كلياً من طرف هؤلاء فهو متناقض إلى حد بعيد مع رغبتهم الجامحة في نقل أفكارهم من الورق إلى الشاشة وتحقيق التغيير في تلك التوجهات المحافظة وفق ما يرتأونه.

   أما الخيار الثاني فكان أن يلجأ إلى تقديم طلب للحصول على تمويل فيلم قصير. وبهذا النموذج من الموافقات الحكومية يمكن رفع الأفلام إلى السوية الاحترافية وتأهيلها بالعديد من المواقع المساعدة. وفي النهاية كذلك تمكين المشارك (المخرج) من الحصول على بطاقة العمل التي يحتاجها لإعلان وإضافة بعض الوظائف والموظفين. وقد بدأ بعض كبار السن في الموجة الجديدة باستحسان الوثائقيات وأشباهها, كـGeorges Franju (دماء الحيوانات: Les Sang des bêtes, مأوى العجزة: Hôtel des Invalides) وAlain Resnais (ليل وضباب: Nuit Et Brouillard, كل ذكريات العالم: Toute Le Mémoire du Monde, أغنية ستيرين: Le Chant du Styrene) وChris Marker ( التماثيل تموت كذلك : Les Statues Meurent Aussi, الأحد في بكين : Dimanche a Pekin, رسالة من سيبيريا : Lettre de Siberie), وPierre Kast (سيدات اللوفر: Les Femmes du Louvre). ثم حذا آخرون حذوهم مثل Louis Malle (عالم الصمت : Le Monde du Silence) وAgnes Varda (نقطة الانطلاق : La Pointe-Courte), وJacques Demy (خشّاب وادي اللوار: Le Sabotier du Val de Loire).

Georges Franju
Georges Franju

   مجموعة “الدفاتر” رفضت في أي حال كل هذه الأساليب مدركة أنه عليهم أن يتجاوزا كل هذا النظام إن أرادوا اقتحام الصناعة السينمائية لصنع صنف الأفلام الذي يريدونه. مستفيدة مما اكتسبوه خلال عملهم في المجلة من التجربة والاتصالات, فقد عمل Chabrol كوكيل إعلاني لشركة 20th Century-Fox وGodard عمل كوكيل صحفي أما Truffaut فقد عمل كمساعد لـMax Ophuls وRoberto Rossellini في حين عمل Rivette مع Jean Renoir وJacques Becker.
في هذه الأثناء أسس Truffaut شركة أفلامه الخاصة (أفلام المدرب : Les Films du Carrosse) وذلك بمساعدة حماهُ الميسور مادياً. وفي صيف 1957 صوّر (صنّاع الشر : Les Mistons) المرتكز إلى قصة لـMaurice Pons. وقد ساعد نجاح هذا الفيلم في إيجاد الدعم المادي مادياً لصناعة آخر. لذا فقد بدأ Truffaut بصناعة فيلم كوميديا رومانسية قصير مصطدماً بالفيضانات التي اجتاحت باريس في تلك القترة. وبحثاً عمّن يمكن أن يساعده في ذلك فقد أسلم أمر الفيلم إلى Godard الذي لم يشعر بأي إكراه في أن يعمل على مؤلَّف لـTruffaut كاسراً التقاليد السينمائية ومشرعاً للموجة الجدية في الأفلام القصيرة بفيلم (حكاية المياه: Une histoire d’eau).

   أما قصار الأفلام الأخرى في ذلك الوقت -وخلال السنة اللاحقة- فكانت من Jacques Demy بفيلم (العاشق المهمل : Le Bel Indifferent) للعام 1957, وJean-Daniel Pollet (وفّرت لنا حالة السُكر : Pourvu Qu’On Ait L’Ivresse) للعام 1958, وفيلم (الجينز الأزرق : Blue Jeans) عام 1958 لمخرجه Jacques Rozier. ثم ظهرت عالمياً أّفلام قصيرة مثل (جانين: Janine) لـ Maurice Pialet عام 1961, والفيلم الألماني (Machorka -Muff) لـJean-Marie Straub عام 1963 وفيلم (مكان روبنسون : Du Cote de Robinson) للمخرج Jean Eustache عام 1964.

Georges Franju

من فيلم Les Mistons

التطور نحو الأفلام الطويلة:

   خرج مخرجو أفلام الموجة الجديدة من حالة الأفلام القصيرة إلى الأفلام الطويلة في أواخر الخمسينات, وقد أسهمت في ذلك بشكل أو بآخر جملة من الصدف السعيدة. ففي ذلك الوقت كان يتوجب على المخرج أن يجد أستوديو رئيسياً لعمله فضلاً عن أن صناعة السينما أمر باهض, ولكن إيمانهم بتغيير هذه المعادلة أسهم في تجاوزهم لهذه العقبة.

   بعد الحرب جلبت الحكومة الديغولية الإعانات المالية لدعم الثقافة المحلية, ثم قدم (دستور الجمهورية الخامسة) فرصة مالية أكبر لصناع السينما أكثر من أي وقت مضى. فقد أصبحت أموال الاستثمارات الخاصة متوفرة بشكل أسهل في حين بدأ المنتجون يتخيّرون بشكل أكثر ذكاءً من سيدعمون من المخرجين الجدد.

   في نفس الوقت كان التطور التكنولوجي يدفع لأجهزة الحرفة السينمائية إلى أن تصبح أرخص, وأحدث, وأخف وزناً. وهذه السهولة في نقل المعدات بالإضافة إلى الصوت الديناميكي, ساهمت في احتراف الوثائقيات, وخففت من كمية الأضواء التي يحتاجها الفيلم مع وجود أجهزة الإضاءة المتنقلة. وهذا كان يعني بالتأكيد عدم الحاجة إلى الاستوديوهات العملاقة لإنتاج الفيلم. فالآن أصبحت الطبيعة هي الأستوديو الأرحب الذي يخرج له المخرجون لينتقوا المواقع التي يرونها مناسبة مع طواقم أصغر للعمل مما أسهم كثيراً في الارتجالية والتجريب.. كل هذه الأمور كانت العوامل الأكثر طلباً ولإغراء لعشاق الموجة الجديدة ليظهروا ضبطاً كبيراً لعملهم لم يكونوا يحلمون به من قبل.

من فيلم Les Sang des Bêtes

من فيلم Les Sang des Bêtes

بدء الموجة:

   يستشهد كثيرون أن فيلم (وخلق الله… المرأة : Et Dieu… Crea La Femme) عام 1956 هو الفيلم الطويل الأول للموجة الجديدة. وقد قام به كاتبه – مخرجه Roger Vadim بعمر 28 سنة. وقامت ببطولته (زوجته لاحقاً) Brigitte Bardot بعمر 22 عاماً وكانت عارضة أزياء وراقصة, محتفياً فيه بالجمال والشباب ومثبتاً أن الميزانية الصغيرة التي وضعها مخرج يقوم بعمله الأول لا تقف عائقاً في وجه نجاحه لا على أرضه ولا خارج بلده. من جهة أخرى فقد كان هذا الفيلم ملهماً جداً للمخرجين الشباب الذين كثيراً ما تمنّوا إنتاج أفلامهم وفق شروطهم الخاصة.

Roger Vadim
Roger Vadim

   حالة أخرى مثيرة للإلهام كانت مع Jean-Pierre Melville في فيلم (بوب المقامر : Bob Le Flambeur) الذي كان علامة مميزة في نوع (الإثارة) للأفلام الفرنسية, وقد تم تصويره في شوارع باريس وفي الأستوديو المحلي الخاص بالمخرج. مظهراً المقامر المنكوب بشكل واقعي وجريء حتى اعترف نقاد الموجة الجديدة أن Melville قد قام بضربة حقيقية في تفرّده برؤية سينمائية أصيلة خاصة به.

   بعيداً عن Melville وعوالمه القاسية, كانت هناك أفلام Georges Franju, ذلك المشترك في تظاهرة (Cinématheque Francais) الذي خرج من عمله كمؤرشف إلى صانع أفلام قصيرة مثل (دماء الحيوانات : Le Sang des Bêtes) الذي تم تصويره في مسلخ باريسي, مستخدماً قدرته الفائقة في دمج الشاعرية والتصويرية, ودمج الغرباء في مكان حقيقي, ليظهر حالة غير تقليدية في (رأس إلى حائط : La Tête Contre Les Murs) عام 1958, ورائعة (عيون بلا وجه : Les Yeux Sans Visage) عام 1959.

   أظهر Louis Malle اسمه من خلال العمل مع العالم البحري الشهير Jacques Cousteau للحصول على السعفة الذهبية في الوثائقي تحت الماء (عالم الصمت : Le Monde Du Silence). ثم خارجاً من أرضية ثابتة فقد كان قادراً على صنع فيلمه الطويل (مصعد للمشنقة : Ascenseur Pour L’Echafaud) عام 1957 عندما كان بعمر 25 عاماً فقط, مقدّماً أداء كبيراً من Jeanne Moreau في الدور الرئيسي, وموسيقى مميزة جداً من Miles Davis, ومحققاً نجاحاً كبيراً. ثم تلاه بـ(الأحبة : Les Amants) عام 1958 كذلك مع Moreau. وقد أثار هذا الفيلم خلافات حادة في مجمل الأوساط بسبب معالجته الصريحة والمباشرة لموضوع الجنس, ولكن وعلى مبدأ “رب ضارة نافعة” فبهذه الطريقة من التناول النقدي فقد حصل على قدر كبير من الشهرة والنجاح, مبرزاً المخرج الشاب كموهبة كبيرة صاعدة.

   أما Claude Chabrol فقد كان أول من سعى مباشرة إلى الأفلام الطويلة مستفيداً من المال الذي قد ورثه من عائلة زوجته, حيث كتب وأخرج وأنتج فيلم (سيرج الظريف : Le Beau Serge) عام 1958, مستخدماً Jean-Claude Brialy و Gerard Blain في الأدوار الرئيسية, على الرغم من عدم وجود الخبرة الفيلمية المسبقة. أما موقع التصوير فقد كان في قرية ريفية, واستخدم الضوء الطبيعي, وقد أزعج هذا الفيلم مؤسسة سينما المحترفين بسبب كسر القواعد التي كانوا يستخدمونها في تقدير جودة الفيلم, ورفضوا إدخاله إلى مهرجان كان. لذا فقد عمد Chabrol إلى تقديمه إلى المهرجان بنفسه حيث استُقبل استقبالاً حسناً, وكسب من المبيعات ما كفاه لتمويل مشروعه التالي (Les Cousins : ابنا العم) عام 1959. وقد تم صنع ذلك الفيلم في باريس ليحل كذلك Brialy وBlain في الأدوار النجومية, لكن في قصة معاكسة لسيناريو (سيرج الظريف). الفيلم حقق نجاحاً نقدياً (حيث حصد دب برلين الذهبي عام 1959) و نجاحاً تجارياً على حد سواء. وبعد أن لمع اسم Chabrol كمخرج فقد أسس شركة الإنتاج الخاصة به التي توّلت دعم الأفلام الأولى لـ Jacques Rivette (باريس لنا : Paris Nous Appartient) و Eric Rohmer (برج الأسد : Le Signe du Lion).

Claude Chabrol

Claude Chabrol

Bob Le Flambeur : بوب المقامر – 1956:

بوستر فيلم Bob Le Flambeur

   يتناول الفيلم قصة Bob Montagne وهو مقامر ولص “متقاعد” فشل مسبقاً في سرقة مصرف, يقرر أن يقوم بتجربة أخيرة بسبب سوء الحظ الذي يرافقه, وذلك من خلال سرقة كازينو Deauville, ويجنّد لهذه الغاية عدداً من المجرمين وشركائه السابقين, ويضع خطة تفصيلية محكمة للعملية, إلى حين تخرج العملية كلها عن السيطرة.

من فيلم Bob Le Flambeur

   من الواضح أن عشق Jean-Pierre Melville لأفلام الشقاوة والعصابات الأمريكية كانت وراء هذا العمل الذي كان جديداً في طرحه على السينما الفرنسية والذي يمكن اعتباره جزئياً مُستلهماً من فيلم (غابة الإسفلت : The Asphalt Jungle) لـJohn Huston. الفيلم يستخدم بشكل ممتاز أجواء باريس في الأوقات المتأخرة من الليل (الكازينوهات – البارات – غرف المدخّنين – الشوارع المضاءة.. الخ) فتظهر هذه الأمور ربما أكثر أهمية ووضوحاً حتى من الحبكة التي وضع Melville تركيزه عليها.
بوب (Roger Duchesne) في دوره الرئيسي الأول كان بارزاً بشكل واضح, وسيُربط في المخيلة مباشرة بدور المجرم ذي شعر أبيض, والذي رغم كل مساوئه يظهر له قلب طيب حين يحمي Anne المتشردة من المكوث والتسكع في الشارع, وحتى حينما يسدي النصح للشاب Paulo, ولكن ربما كان طمعه ورغبته الكبيرة في الثروة وراء ما آل إليه أمره. وبما أن السر لو تجاوز الاثنين شاع فإن Paulo الذي يكون شريكاً في مخطط Bob يظن أنه يأتمن Anne على سر فيخبرها بأمر العملية, فتوصل الأخيرة السر إلى مفتش في الشرطة المحلية! ومن سخرية القدر أن الربح كان يحالف Bob في مقامرته تلك الليلة.. قبل أن تنتهي اللعبة بأحداث لم تكن في الحسبان.

من فيلم Bob Le Flambeur

   وككل أفلام Melville الأولى جاء (بوب المقامر) بميزانية متوسطة في ذلك الوقت, وقد تم التصوير في الحانات والنوادي, مستفيداً بشكل خاص من ساعات الفجر التي كانت تعني الشوارع شبه الخاوية أو المهجورة, الأمر الذي من جهة أخرى أعطى الفيلم واقعية وشاعرية وسوداوية يبدو أن Melville عكس من خلالها حبه لأفلام “النوار”.
من عدة نواحٍ فإن Bob Le Flambeur كان نظرة سينمائية جديدة شجعت الكثيرين من المخرجين الجدد على الخروج عن المألوف والتصوير بالميزانية المتاحة والكاميرا المحمولة.

من فيلم Bob Le Flambeur

   يذُكر أن الفيلم تمت إعادة إنتاجه من جديد باسم (اللص الحسن : The Good Thief) عام 2002 من قبل Neil Jordan.

“كان 1959” – الموجة تضرب ضربتها:

   ظهر تعبير الموجة الجديدة عام 1957 في “الإكسبريس” من قبل الصحفية Francoise Giroud, ثم في كتابها الذي نشرته في العام التالي واصفة الموجة الجديدة على أنها (صورة شباب اليوم, من لم يكن لهم شيء في السينما, ثم وجدوا الحاجة لتغيير المجتمع). ثم تمت استعارة هذا التعبير من قبل باقي الصحفيين ليستخدموه في تقديم جملة المدراء الشباب الذين خلقوا عاصفة في مهرجان كان السينمائي عام 1959, لتنتشر اللفظة بعدها عالمياً.

  أكثر الأفلام مسؤولية عن لفت أنظار العالم إلى هذه الحركة السينمائية الجديدة وقتها كان فيلم Francois Truffaut (أربعمائة ضربة: Les Quatre Cents Coups) عام 1959 الذي كسب جائزة أفضل مخرج. وبدأ الحديث العالمي بشكل مفاجئ عن الموجة الجديدة بعد ذلك. وكان من سخرية القدر أن Truffaut كان ممنوعاً من المشاركة في المهرجان السنة التي قبلها بسبب ملاحظاته الحادة على السينما الفرنسية في دورية “دفاتر السينما”, لكنه غدا مخرجاً لامعاً انسحب من أمامه كثيرون ممن عارضوه دون أن ينبسوا بعدها بأية تعليقات على عمله.

   في نفس السنة عرض المهرجان إحدى التحف السينمائية الخالدة (هيروشيما, حبيبتي: Hiroshima, Mon Amour) لـ Alain Resnais الذي حصد جائزة النقاد العالمية بعدما تحوّل إلى الإخراج من السينما التسجيلية. علماً أنه كان لـ Resnais اسم صنعه من قبل مع وثائقي أخرجه سابقاً باسم (ليل وضباب: Nuit Et Brouillard) عام 1955, وكان الفيلم الأول الذي ركّز على معسكرات الاعتقال النازية خلال الحرب العالمية الثانية. وهو مثل الوثائقي السابق فقد استخدم فيه تقنية الارتجاع (الفلاش باك) لينير من خلالها حكايات الوقت والذاكرة ويضفي نوعاً من رعب الحروب. كسب هذا الفيلم زلزالاً من المديح لقوّته وقد حقق شهرة ومجداً عالميين.

من فيلم Hiroshima, Mon Amour

من فيلم Hiroshima, Mon Amour

Les Quatre Cents Coups : الأربعمائة ضربة – 1959:

بوستر فيلم Les Quatre Cents Coups

   إنه دون شك لمن العسير التحدث عن الروائع! وأعلم مسبقاً أن مجرد الكتابة عن مثل هذه التحفة الفنية الخالدة لن يوفيها حقها.. وأهمية هذا العمل لا تكمن فقط في أنه الانطلاقة الكبرى والحقيقية للموجة الجديدة التي ضربت بها بدل الضربة “400 ضربة”, بل لأن Truffaut استند استناداً جوهرياً فيه إلى أحداث من طفولته, وكان انتقالته الرسمية من النقد والجدل إلى شهرة عالم الإخراج, حاملاً فيه أفكاره الخاصة التي عبر عنها مسبقاً في أقواله (الفيلم يشبه مخرجه) و(هوامش التفصيلات).

   بدأ التصوير في العاشر من نوفمبر عام 1958 وفي تلك الليلة توفي Andre Bazin الأب الروحي للموجة الجديدة, مما جعل Truffaut يكرّس فيلمه لذكرى Andre Bazin. وقد اكتمل التصوير يوم الخامس من يناير عام 1959 واستمرت العمليات الفنية عليه شهرين كاملين, في حين كانت الأصداء محمسة جداً وضامنة لدخول الفيلم بقوة إلى المنافسة الرسمية في مهرجان كان. ثم ليحقق بالفعل نتيجة بارزة من خلال كسبه لجائزة أفضل مخرج, فاتحاً الباب على مصراعيه للمخرجين الشباب الجدد ليعلبوا لعبتهم بأسلوبهم الحر الفسيح الخارج عن المألوف. ومع هذا فلم يكن نصيب Truffaut فقط من المديح بل فقد اعتبره بعض الحاقدين شخصاً وصولياً تزوج ابنة عوده اللدود ليحصل على التمويل, وحتى أن والديه أصابتهم الصدمة من تصوير للطفولة الحزينة التي نُسبها له والتي كانت على ما يبدو كفيلة بتدمير حياته لو لم تنتشله السينما على يد الكبار مثل Andre Bazin. ويُذكر أن التحدي الأكبر الذي واجه Truffaut كان في إيجاد الطفل الذي سيؤدي دور Antoine, فقد اختبر أكثر من مائة طفل إلى أن تم اختيار Jean-Pierre Leaud, الفتى العفوي كثير الحركة مع بحث Truffaut عن شبيه له.

من فيلم Les Quatre Cents Coups

   نجاح الفيلم نقدياً رافقه نجاح مادي جعل Truffaut ينتقل إلى شقة باريسية متحضرة ويرتدي ثياباً أغلى ويمتلك سيارة رياضية, هذا من الناحية الشخصية.. أما من الناحية المهنية فقد كان Truffaut وفياً لأصدقائه acques Rivette وJean-Luc Godard وClaude de Givray ليساعدهم في أعمالهم الأولى, وبدأ بالتفكير في فيلمه التالي (Tirez sur le pianist).

   الدور المفصلي يعود للطفل Antoine Doinel ذي الثلاثة عشر عاماً, الذي يعيش طفولة حزينة سواء على صعيد المنزل حيث والدته المشغولة ووالده الساذج, أو على صعيد مدرسته في ضوء سلطوية التدريس وخلقه المستمر للمشاكل. تلك الظروف المقيتة جعلت فكرة الهرب هي القوة المسيطرة على تفكير Antoine مرة بعد أخرى، مع أنه كان يفكر أحياناً في أن يتحوّل إلى طالب مجتهد. وبعد أن اتهمه استاذه بالانتحال سرق Antoine آلة كاتبة من مقر عمل والده ليمول بها خطته لترك المنزل. عندها يقرر أبوه إبلاغ الشرطة, فيتم اعتقاله أولاً مع اللصوص والمومسات. وخلال مقابلة القاضي لأم الطفل اعترفت أن والده ليس بوالده الحقيقي, ويتم وضعه في مركز تأهيل إصلاحي قريب من الشاطئ تبعاً لرغبة أمه, لكنه سرعان ما يهرب Antoine من المركز متوجهاً نحو البحر.

من فيلم Les Quatre Cents Coups

   عمد Truffaut إلى إظهار التفاصيل الصادقة التي كانت قادرة على إخراج الإحساس العاطفي المطلوب من مشاهد الحياة العادية, مستخدماً الكاميرا المحمولة لإضفاء المزيد من حرية الحركة والتنوع المشهدي البصري مع اعتماده على المشاهد الطويلة أو المتوسطة, فهو لم يكن يريد منه أن يكون مجرد ذكريات طفولة معذبة بل أساساً لما حضّره هو زملاؤه من عناصر ومفاهيم أرادوا من خلالها تحقيق الثورة السينمائية.

   يبقى المشهد الأخير في الفيلم أحد روائع النهايات السينمائية, حيث الطفل يدير ظهره للبحر حاملاً نظرته الحائرة في مآله المستقبلي. نهاية لم يكن المقصود فيها هو Antoine فقط؛ بل الطفولة بشكل عام وخياراتها المتاحة تحت ضغوط الظروف الصعبة وعدم قدرة الكبار على فهمها. ومن السهولة أن نستشعر هذه الغاية فيما لو استرجعنا مشهد مقابلة Antoine بالإخصائية النفسية؛ ففي هذا المشهد ندرك أن Truffaut يحاول النفاذ بالعمق إلى داخل الطفل دون الاكتراث بمن يقوم بالمقابلة فهو يجمع لنا ردود الطفل مباشرة دونما حتى التعريج على صورة الإخصائية التي تقوم بالمقابلة ولا سماع أسئلتها.

من فيلم Les Quatre Cents Coups

Advertisements

One thought on “الموجة الفرنسية الجديدة .. موجة غيّرت السينما .. 2 من 4 …

  1. التنبيهات: الموجة الفرنسية الجديدة .. موجة غيّرت السينما .. 3 من 4 … | مجلة السينما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s