كلاسيكيات / تقارير خاصة

الموجة الفرنسية الجديدة .. موجة غيّرت السينما .. 3 من 4 …

مقدمة:

   في ثالثة وقفاتنا مع الموجة الجديدة نفرد هذا الجزء للتحدث المكثف عن مجموعة من الأعمال السينمائية المرتبطة بالموجة مع روادها الأساسيين.. جزء ثالث من قضيتنا السينمائية المكتنزة بالأسماء الكبيرة بعد جزأين عن الظروف المسببة, ثم البدايات التي مرت بالوثائقيات التسجيلية مروراً بالأفلام القصيرة ثم الطويلة.. لنجد هنا الحالة الحقيقية من الشغف الشبابي بالسينما.. من الاحتفاء بالجمال والبساطة والعمق.. قبل أن نعود في الجزء الرابع والأخير لنتحدث عن حالة خبو ليست خموداً.. فمرحباً بكم إلى الجزء الثالث من قضيتنا السينمائية..

 

“فتاة وبندقية”:

   قابل Truffaut في “كان” Georges de Beauregard وهو منتج جريء يطمح بالمقامرة مع مخرج شاب, لذا فقد قدم Truffaut له Jean-Luc Godard الذي اقترح بدوره مشاريع عدة, من بينها فكرة قدمها Truffaut كان قد قرأها في جريدة. وقد أعجب Beauregard بالفكرة واشترى الحقوق من Truffaut بمائة ألف فرنك. وحتى هذه الآونة كان Godard مجهول الهوية نوعاً ما لذا فقد أصر المنتج أن يظهر أصدقاء Godard المعروفون في صناعة الفيلم كضمان إضافي. وعليه فقد عمد Truffaut إلى أن يكتب القصة بنفسه في حين كان Chabrol مستشاراً فنياً. النتيجة كانت رائعة فنية باسم (على آخر نفس : À Bout de Souffle).

Jean-Luc Godard

Jean-Luc Godard

   عبّر فيلم (على آخر نفس : À Bout de Souffle) أكثر من أي فيلم آخر عن حركة الموجة الجديدة سينمائياً, وكأنه فعلياً شرح خاص لما تود الموجة فعله. فهو فيلم بسيط – معقد, ثوري يكسر ما اتفقت عليه روايات هوليوود التقليدية. حيث أننا نلحظ فعلياً التعمق في التفاصيل الداخلية للشخصيات, والكاميرا المحمولة, الموسيقى العميقة, التحاور مع الكاميرا, التقلبات بين الهدوء والمزاجية. ليكون فيلماً قال عنه Godard نفسه أنه نتيجة ( تساوي عقداً من صناعة الأفلام في رأسي). وقد حقق الفيلم نجاحات مادية ونقدية على حد سواء, فقد كانت عروضه الباريسية مكتظة, وكسب الدب الفضي لأفضل مخرج في مهرجان برلين السينمائي. أما نجما العمل Jean-Paul Belmondo و Jean Seberg فقد أصبحا أيقونتين عند الشباب الفرنسي خاطفين الأنظار حتى من الأيقونات الدينية. هنا خطا Godard خطوته الأولى نحو “إعادة اختراع” السينما.

من فيلم À Bout de Souffle

من فيلم À Bout de Souffle

   وكما كان Godard كان Truffaut حاملاً عشقاً لروايات الجريمة الأمريكية وأفلام النوار, وظهر ذلك في فيلمه الثاني المستند إلى رواية لـ David Goodis تُدعى (هناك في الأسفل : Down There), وقد كان خطوة حذرة عما توقع منه الجمهور في فيلمه الأول. فقد كان فيلم (أطلق على عازف البيانو : Tirez Sur Le Pianiste) مكتظاً بالإشارات السينمائية الساحرة, ليكون فرصة للمخرج أن يتمتع بالإحراج ويجعل من الصعب تصنيف عمله. ورغم أنه قد تم اعتباره كلاسيكياً فقد كان فيلماً حير المشاهدين الذين اعتادوا على أساليب أكثر تقليدية في رواية القصص, وبما هذا جعله غير ناجحاً مالياً, وعليه فقد لجأ Truffaut إلى تحويل شركته الإنتاجية الخاصة (أفلام المدرب : Les Films du Carrosse) إلى شيء يشبه الاستوديو للموجة الجديدة, ومنذ هذه اللحظة قرر أن ينتج أفلامه الخاصة بنفسه وأية أفلام أخرى ترسل له من قبل زملائه.

من فيلم Tirez Sur Le Pianiste

من فيلم Tirez Sur Le Pianiste

 النساء الجميلات 🙂 :

   شهدت بداية الستينات إطلاق مجموعة متنوعة من الأفلام التي تقدم الشخصيات النسائية كمركز للأحداث في الحياة. فقد بدأ الانقلاب النسوي بفيلم Louis Malle المعنون بـ(الأحبة مع زازي في المترو : Les Amants with Zazie Dans Le Metro) عام 1960 الذي كان فيلماً ملوّناً نابضاً بالحيوية مستنداً إلى رواية لـ Raymond Queneau تتحدث عن مغامرة فتاة بعمر إحدى عشرة سنة مع عمها غريب الأطوار في مطاردة مجنونة حول باريس.

من فيلم Les Amants with Zazie Dans Le Metro

من فيلم Les Amants with Zazie Dans Le Metro

   تفاعلات Claude Chabrol مع الجمال الأنثوي انطلقت بـ(النساء الجميلات : Les Bonnes Femmes) كمزيج خارج عن المألوف من القصص الهيتشكوكية الممتعة والواقعية المثيرة التوثيقية, متحدثاً عن تقلبات حياة أربع فتيات يعملن في متجر باريسي في رحلتهم المتفائلة -لكن المأساوية في الواقع- في إيجاد الرومانسية.
أما Jacques Demy فقد بدأ بـ (لولا : Lola) عام 1961 الذي اختار تصويره في “نانت” مستلهماً له من المسرحيات الموسيقية والحوارية في حكاية تميل للتشاؤم حول حب مفقود.

من فيلم Lola
من فيلم Lola

   وفي ذات السنة كان Truffaut يخطط لـ(جول وجيم : Jules et Jim) الصديقان اللذان يقعان في عشق كبير لـ Catherine التي تبدو منفتحة إلى درجة الانغماس في الملذات. ليقدم فيه عملاً مبهرا حاملاً الكثير من الحكايا, واللقطات الفوتوغرافية, ثم الصور الثابتة المتجمدة. هو حكاية حب تضمّنت محاولات إيجاد الارتياح الجنسي خارج المألوف وهذا أدى بالعمل إلى التسبب بخلافات كبيرة وجدل كثير حوله لكن ذلك لم يُعِقه مطلقاً من النجاح.

Les Bonnes Femmes : النساء الجميلات – 1961:

بوستر فيلم Les Bonnes Femmes

   يعتبر Chabrol وعدة نقاد آخرين فيلم (Les Bonnes Femmes) أهم أفلامه, وفيه قصة أربع شابات عاملات في متجر باريسي يملأن أوقات فراغهن بالبحث عن قصص الحب والوفاء. Jane المتحررة والتي تصبح رهينة شخصين فاسقين, وGinette التي تمنّي النفس بأن تصبح مغنية كبيرة مشهورة, Rita وهي فتاة مخطوبة من شاب يبدو مرتبطاً بأبويه أكثر من مجرد الاهتمام بها. وJacqueline التي تبدو سعيدة عاطفياً لكن هل يمكن أن يكون رجل غامض على دراجة نارية فتى أحلام!

من فيلم Les Bonnes Femmes

   أول ردة فعل على هذا الفيلم كان قاسية جداً على Claude Chabrol, حيث اعتبره كثيرون نظرة صريحة لكنها شديدة القسوة للعلاقات بين الرجال والنساء, وعليه فلم يلاقِ الفيلم ترحيب المهتمين بالرومانسية البحتة. في حين أن النقاد والمشاهدين كانوا على طرفي نقيض بأمره. ويبدو أن Chabrol قد اهتزت ثقته بما قدّمه بسبب هذا الفيلم؛ الأمر الذي أدى إلى تمسّكه أكثر بالمادة السائدة وقلة خروجه عن المألوف تاركاً المساحة الأكبر لـ Godard و Truffautلخلق الحركات الإبداعية والتجديدية والمغامرة.

من فيلم Les Bonnes Femmes

   لا يظهر تسلسل خطي في القصة التي اتبعها Chabrol, بل واضح أن فهم العمل يمر بسلسلة من الحوادث, وتظهر فيه الواقعية الجديدة بشكل أو بآخر لتشبه أعمال Rossellini, من ناحية الخوض في الحياة الباريسية في الستينات بصرياً وتبصّراً, حتى تكاد تشعر أنه وثائقي عن حياة هاتيك الفتيات, فضلاً عن الأسلوب الذكي لدمج بعض المشاهد الفكاهية مع مشاهد القلق والتهديد. هذه الأمور تجعل من الفيلم برأيي عملاً غير عادي متضمناً لجملة من العناصر البارزة. ولم ينسَ Chabrol استخدام الرمزية في طقوس العمل بشكل فائض أحياناً.. فهنا زمجرة نمر, وهنا أفعى ملتفّة, وهنا منديل غارق في الدماء, وهنا شرير في سترة جلدية سوداء.

   أداء الممثلات الأربعة يبدو كبيراً وبالأخص دورJane الذي أدته Bernadette Lafont (زوجة Chabrol مستقبلاً). وقد استطاع Chabrol إظهارهن بصورة متمايزة جداً وقادرة على جعلنا نحس بتفاؤلهن بالحياة رغم كل خيبات الأمل التي تُظهر لنا الرومنسية كوهم كبير خطِر أحياناً..

من فيلم Les Bonnes Femmes

Jules et Jim – جول وجيم – 1961:

بوستر فيلم Jules et Jim

   اقتبس Truffaut الفيلم عن رواية لـ Henri-Pierre Roché لم تكن شهيرة في ذلك الحين, لكن Truffaut انجذب إليها بشكل كبير وقال في إحدى كتاباته عنها:(إن نجحتُ في صناعة الأفلام, فسأصنع جول وجيم), وحين قابل الممثلة Jeanne Moreau ضمن مهرجان “كان” عام 1957 وجد فيها المواصفات اللازمة لدور Catherine, بل إنها تحوّلت إلى صديقة مقرّبة جداً نشرت الكثير من الحكايا عن علاقتها به واصفة Truffaut بالرجل “كثير الصمت”.

   بدأ Truffaut بتصوير العمل في أبريل 1961 بميزانية منخفضة جداً تزايدت تدريجياً لتبلغ مستوى جيداً لاحقاً, حتى أنه اضطر في بعض الأوقات إلى اقتراض مواقع التصوير من أصدقائه. الأمر الذي انعكس كثيراً على مجموعة العمل وتغيّرها. لكنه كان مؤمناً بـ Moreau التي قال عنها (أعطتني الشجاعة في كل وقت ضعفت فيه, فهي كممثلة وامرأة جعلت من “كاترين” حقيقة أمام أعيننا, وهي العاطفية الغيورة المجنونة العاقلة, لكن المحبوبة قبل أي شيء آخر). لينتهي التصوير في منتصف يونيو, وعند بدء العروض الأولى حصل الفيلم على ردود مشجعة جداً من أصدقاء Truffaut ومتتبعيه ومنهم Jean Renoir, ثم كسب الكثير من علامات الامتياز لدى النقاد. ورغم الردود الإيجابية تم تصنيف الفيلم على أنه للمشاهدين فوق 18 عاماً الأمر أزعج Truffaut لكون هذا سيحدد من فرص الفيلم التجارية.

من فيلم Jules et Jim

   يحكي الفيلم حكاية صداقة Jules الكاتب النمساوي وJim الكاتب الفرنسي خلال العام 1912, وهما كاتبان طموحان تجمعهما صحبة وثيقة العرى وحياة هانئة في باريس, ويشتركان في الكثير من الاهتمامات ولا سيما العاطفية والفنية والرياضية والأدبية وحتى النسائية. وعلى أثر زيارتهما لليونان يعلق في ذهنيهما صورة ابتسامة ساحرة لتمثال امرأة هناك, ويلعب القدر لعبته عند عودتهما حيث يلتقيان بـCatherine الفتاة المتحررة التي تشبه التمثال إلى حد كبير, فينجذب كلا الكاتبين لها, لكنها تقرر الزواج من Jules . وبعد أن تندلع الحرب العالمية الأولى في أوروبا ينفصل الثلاثة عن بعضهم البعض.

   بعد الحرب يقوم Jim بزيارة Jules وCatherine اللذان كانا يعيشان وقتها في الجبل مع ابنتهما الصغيرة, ليكتشف أن زواجهما شبه منفرط. حيث يعترف Jules له أن لـCatherine الكثير من العلاقات مع عدة رجال خلال زواجهما, وأنه يخشى على الدوام من أنها ستتركه, في حين تتعهد Catherine لـ Jim بأنها ستحاول السيطرة على نفسها, لكنها تعود فتحاول إغواءه! ولكي لا يفقد Jules زوجته للأبد يقنع نفسه بأن يتركها لصديقه Jim لكي يكون قادراً على زيارتهما ورؤيتها. لكن سرعان ما تبدأ المشاكل بين Catherine وJim لأسباب تتعلق على الأغلب بالإنجاب. لذا يقرر أولاُ تركها والعودة إلى باريس, ثم لاحقاً قطع العلاقة حسب ما تظهره المراسلات بينهما, وتظل Catherine راغبة في استعادة Jim مهما كلفها الأمر. وفي لقائهما الأخير أعلن Jim لـCatherine أنه سيتزوج بصديقة له في المدينة الأمر الذي جعلها شبه مجنونة لتهدد بقتله.

من فيلم Jules et Jim

   كان الفيلم تحدياً واضحاً للمبادئ الأخلاقية التقليدية, فدور “كاترين” الذي برعت فيه Moreau كان يبدو متحرراً إلى درجة الانفلات, فهي تتنقل دونما رادع بين شريك جنسي وآخر. ربما أرادها Truffaut مثالاً للأنثى الحديثة التي تساوي نفسها بما يراه الذكور عادياً عندهم وتختار شريكها بشروطها! في حين تعملق Oskar Werner (وهو ممثل مشهور وقتها في ألمانيا والنمسا) في أداء الشخصية ذات الحزن المضطربة بين حبه للزوجة وحب الصديق وعدم الرغبة في خسران أي منهما ليجرف الفيلم بدوره إلى النمط الميلودرامي. حتى نستطيع أن نقول أن Truffaut أخرج نضوجاً تمثيلياً واضحاً من الشخصيات. وقد استهل Truffaut النصف الأول من الفيلم بالريتم السريع والموسيقى النابضة بالحياة بشكل يتناسب مع الحياة اللاهية والعواطف المبتهجة, ثم تباطأ الإيقاع في النصف الثاني ليدخل أكثر في عمق الشخصيات ومشاكلها. ويظهر –كالعادة- أن للمونتاج دوراً رائعاً في الحكاية, فتجمد الصورة أحياناً والقفزات والتنقلات كان أكثر من موفق. حتى أبدع Truffaut في العمل ليغدو تحفة خالدة رآها بعض النقاد في المقابل بداية النهاية للموجة الجديدة.

من فيلم Jules et Jim

مجموعة الضفة اليسرى:

   في أول الستينات حاول الناقد Richard Roud التمييز بين المخرجين المتحالفين مع المجلة صاحبة التأثير القوي “دفاتر السينما” فيما أسماه مجموعة “الضفة اليسرى” التي ضمّت في وقت لاحق مجموعة من المخرجين والكتاب ذوي الخلفية الوثائقية والتوجهات السياسية اليسارية والاهتمامات التجريبية الفنية, من أمثال Chris Marker وAlain Resnais و Agnès Varda. ضمت المجموعة شريكاً آخر كان الروائي الجديد Alain Robbe-Grillet الذي تعاون مع Alain Resnais في (السنة الأخيرة في مارينباد: L’Annee Derniere A Marienbad) صانعين شيئاً كالحلم يصعب تمييز الحقيقة عن الخيال فيه, انقسمت الآراء في الفيلم فبعض المشاهدين يعتبرونه تحفة نادرة, وآخرين وجدوه غموضاً غير مبرر. ورغم كل هذه الخلافات في وجهات النظر كسب الفيلم أسد فينسيا الذهبي العام 1961 واصبحت صورته السريالية أيقونة سينمائية تاريخية.

Alain Robbe-Grillet
Alain Robbe-Grillet

   بدأ Chris Marker بصنع الوثائقيات في أوائل الخمسينات فقد تعاون من قبل مع Alain Resnais في فيلم (التماثيل تموت أيضاً : Les Statues Meurent Aussi) [راجع الجزء السابق] الذي بدا كفيلم بسيط حول الفن الأفريقي ثم تغير بشكل تدريجي إلى مجادلة انفعالية مناهضة الاستعمار, لكنه خلال الأعوام التالية طور Marker أسلوبه وقدمه فيلمه الخيالي الوحيد المعنون بـ(الدعامة : La Jetée) عام 1962 كقصة خيالية بسيطة معقدة في آن معاً للسفر عبر الزمن, وتحول الفيلم مع الوقت إلى قطعة كلاسيكية.

 Chris Marker

Chris Marker

   أما Agnès Varda فقد كانت الوجه النسائي الأشهر الذي ارتبط بالموجة. بدأت Varda كمصورة ثم اتجهت نحو السينما فأخرجت (نقطة الانطلاق : La Pointe-Courte) عام 1954وكان أشبه بوثائقي طويل عن انفراط الزواج. وفي السنوات التالية قدمت Varda عدة وثائقيات وأفلام قصيرة قبل أن تخرج (كليو من 5 إلى 7 : Cléo de 5 à 7) الذي تحدث عن مغنية تعلق في المدينة وهي تنتظر نتيجة حياة أو موت في تقرير طبي, هذا الفيلم أصبح واحداً من أهم علامات الموجة الجديدة.

Agnès Varda
Agnès Varda

طوفان أم مد إخراجي.. حالة عشق سينمائية شبابية:

   نشرت دورية (دفاتر السينما) في ديسمبر عام 1962 تحقيقاً خاصاً عن الموجة الجديدة, تضمنت مقابلات مطولة مع Truffaut و Godard و Chabrol وقائمة من 162 مخرجاً فرنسياً جديداً حتى المخرجين لأول مرة. وكان في القائمة عن العام 1960 مثلاً Jacques Doniol-Valcroze عن فيلم (الماء إلى الفم – L’eau a la Bouche ) وPierre Kast عن فيلم (الزمن الجميل – Le Bel Age) و Luc Moullet عن فيلم (Un Steack Trop Cuit) و Jean-Daniel Pollet عن فيلم (خط المسار : La Ligne de Mire) , وJean-Pierre Mocky عن فيلم (Les Dragueurs), وعن العام 1962 مثلاً فيلم (وداعاً الفلبين – Adieu Philippine) لـ Jacques Rozier. وبذلك فتحت الموجة الجديدة المبكرة لباب لجيل من المجهولين ليقتحموا الأضواء من الظلمة, لتصبح السينما حرفة الشباب تجمعهم وتدفعهم إلى الإبداع.

في المقابل كان هناك رد فعل إعلامي من كارهي الحركة تمسك بفشل أفلام مثل (Tirez Sur Le Pianiste) و(Une Femmes est une Femmes) وغيرها على شباك التذاكر ليوجه الانتقادات كالرصاص لمهاجمة الحركة, منتقدين الشباب الجدد بأنهم مثقفين ومملين بنفس الوقت, أما حماة السينما التقليدية فكانوا يظنون أنهم عائدون من خلال قلةٍ من الأفلام الناجحة مثل فيلم (شارع المروج : Rue des Prairies) عام 1960. كما كان هناك حالة معاكسة ضمن (دفاتر السينما) نفسها, وكان أغلب كاتبيها البارزين مخرجين لا وقت لديهم للكتابة في المجلة وبما أن لهؤلاء تجارب سابقة قبل الستينات لا يمكن إدراجها ضمن الموجة فقد اختلفوا في مرات عدة من رئيس التحرير Eric Rohmer.

استلم Jacques Rivette منصب محرر بدعم من قبل الكتاب الجدد. وقام مجموعة من مخرجي الموجة الجديدة بصناعة فيلم (ستة في باريس : Paris Vu Par) عام 1964 كمجموعة من “الاسكيتشات” المجمعة من مخرجين عدة , لكن فيما بعد بدأ عقد مجموعة الدفاتر ينفرط ليتوجه كل منهم إلى عمله الخاص.

من فيلم Rue des Prairies

من فيلم Rue des Prairies

“السينما حقيقة 24 مرة في الثانية”:

   مع منتصف الستينات أصبح Jean-Luc Godard المخرج الأكثر إثارة للجدل في العالم. وتعاقبت الأفلام بشكل سريع على هيئة إعادة اختراع السينما, فبعد (على آخر نفس : À Bout de Souffle), جاء الفيلم السياسي (الجندي الصغير : Le Petit Soldat) عام 1961 كقصة مثيرة سياسية, ثم (الامرأة امرأة : Une Femme Est Une Femme) عام 1961 أيضاً وهو دراما إجتماعية عن الدعارة, و(حياتي لأعيشها : Vivre Sa Vie) عام 1962 ومن ثم فيلم حربي (الجنود : Les Carabiniers) عام 1963. هذه الأفلام سببت سطوع نجم الممثلة الفرنسية البلجيكية Anna Karina التي تزوجها Godard عام 1961. وفي فيلمه التالي (الازدراء : Le Mépris) عام 1963 أعاد Godard اكتشاف Brigitte Bardot عموما, فقد أعطاها فرصة ثمينة لإثبات موهبتها وقدمت له نجاحاً مالياً كبيراً على شباك التذاكر كانت كضمانة مستقبلية له  , ثم قدم Godard فيلم (عصابة الغرباء : Bande A Part) وفيه ثلاث أصدقاء يشكلون عصابة للسرقة في قصة ساحرة وساخرة معاً. ثم فلسفة جديدة في الخيال العلمي قدّمها في (المدينة ألفا : Alphaville) عام 1965. ثم وفي نفس العام كان الفيلم الرائع (بييرو المجنون : Pierrot Le Fou) جامعاً Jean-Paul Belmondo مع Anna Karina مشكلاً نقلة نوعية في الصناعة الفيلمية وفي التفلسف السينمائي الذي يجعلك تولع بالعمل لو تعمّقت به أو تخرج منه خالي الوفاض غير فاهم لشيء!

من فيلم Vivre Sa Vie
من فيلم Vivre Sa Vie

   بعد ذلك ظهرت وجهات نظر Godard السياسية أكثر فأكثر في سينماه, ففيلم (مذكر, مؤنث : Masculin, Feminin) عام 1966 كان دراسة للشباب الفرنسي المعاصر وتدخلهم بالسياسة الثقافية. ثم جاء فيلم الجريمة (صنع في الولايات المتحدة : Made in the U.S.A) عام 1966, ثم (شيئان أو ثلاثة أعرفها عنها : Deux ou trois choses que je sais d’elle) وهو حكاية حياة مضاعفة لمرأة كربة منزل ومومس. ثم (الصينية : Le Chinoise) عام 1967 الذي ركّز على مجموعة من الطلاب المهتمين بأفكار المجموعات الطلابية الناشطة في فرنسا المعاصرة. وفي وقت لاحق من نفس العام قدم Godard فيلماً سياسياً آخر أشد تلوناً هو (عطلة نهاية الأسبوع : Weekend) وهو حكاية زوجان باريسيان يذهبان في رحلة للريف الفرنسي لجمع ميراثهما حيث يسعى كل منهما لقتل الآخر, فيلم يبدو مظلماً وشنيعاً أحياناً في بحثه عن عيوب البرجوازيات, تنتهي سلسلة عناوين هذا الفيلم بعبارة (نهاية السينما) وقد اعتبر البعض ذلك بالفعل نهاية Godard كمخرج أو على الأقل نهاية مرحلته الأولى, خاصة أنه صفع أحد منتجي أفلامه في مكان عام، وبدأ على الفور باعتبار السينما ساحة برجوازية متأثراً بسينما الروسي Dziga Vertov والأفكار الثورية والبروليتارية.

من فيلم Masculin, Feminin
من فيلم Masculin, Feminin

:Deux ou trois choses que je sais d’elle – شيئان أو ثلاثة أشياء أعرفها عنها – 1966

بوستر فيلم Deux ou trois choses que je sais d'elle

   في تسعين دقيقة لا يخبرنا الفيلم قصة واضحة, فهو يقدم دراسة أشبه بمقالة أو طلقة فلسفية غودارية نرتشفها مع فنجان قهوة .. كشيء مركب وبسيط معاً عن الحياة المعاصرة.. حين نسمع وجهات نظره بالهمس.. يتلو علينا بوح خاطره الذي يجعله شمولياً للكثير من ملامح عيشنا.. بلا مقدمة ولا نهاية..

من فيلم Deux ou trois choses que je sais d'elle

ما هي اللغة يا أمي؟.. اللغة هي البيت الذي نعيش فيه

(معاً) هي الكلمة التي أحبها. (معاً) تعني آلاف الناس.. ربما مدينة كاملة؛ ولا أحد يعلم كيف ستكون المدينة في المستقبل.

أين هي البداية. وما هي؟ خلق الله السماء والأرض, وعلى المرء أن يجعلهما أفضل. لغتي تلك من العالم –عالمي- فبكلامي أحدد العالم وأنهيه. وعندما يخطف الموت المنطقي الغامض هذه الحدود, لن يتبقى لدي أسئلة, ولا أجوبة, فقط الغموض.

ما هو الفن؟.. يصبح الشكل أسلوباً, ولكن الأسلوب هو الرجل, لذا فالفن هو بشرية الأشكال.

العيش في المجتمع الحديث يشبه العيش في حكاية كرتونية مصورة

الأجساد الميتة تعيش, فالناس الأحياء غالباً هم موتى مسبقاً.

هل الشعر صناعي, أم أنه تزييني؟ .. كل ما يزين الحياة هو صناعة.

من فيلم Deux ou trois choses que je sais d'elle

   الأقصوصة هي عن Juliette Janson وحياتها الفارهة الفارغة كأمّ وزوجة داعرة.. تعيش حياتها كأنثى حرة أو كجسد فقط.. تتسوق وتقوم بأعمال المنزل وتنظم مواعيد زبائنها لكي تتدبر أخيراً أمور المعيشة في عالم الفخامة وأجرة شقتها الباذخة.. ورغم وجود سيناريو فيبدو أن طاقم العمل قد كسر الروتين مقدماً مناجاة شخصية عشوائية من شخوصه وقناعاتهم حول الحياة خارجة ربما عن النص. ويظهر جلياً أن Godard يرى في الإعلانات التي بدأت تكسر كل القواعد من خلال الشاشة التلفزية الصغيرة نخاسة للأنثى واستعباداً لها, في حين تقدم النساء أجسادهم بسذاجة كماركات حمقاء تباع وتشترى. كما يبدو أن الفيلم كما معظم أفلامه من منتصف الستينات وصاعداً يكرّس حالة عدائية للأمريكان بعد حالة هوس سابقة لهم في بداياته, حتى أن العلم الأمريكي كان يلازم فانيلة صحفي زبون رفضته المومس. (شيئان أو ثلاثة أشياء أعرفها حولها) هو فيلم خارج عن المألوف يلعب على وتر الوعي ليحقق الإنسجام والخصام بين الكلمة والصورة, كأن Godard رسام أو شاعر يرسم نصاً فلسفياً وصورة وأشياء وأبعاد أفسح من السينما, لكنها أشياء وأبعاد ثائرة على كل شيء يندرج في منحى “الثقافة الاستهلاكية”.

من فيلم Deux ou trois choses que je sais d'elle

يتبع…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s