كلاسيكيات / تقارير خاصة

الموجة الفرنسية الجديدة .. موجة غيّرت السينما .. 4 من 4 …

مقدمة:

   في آخر الوقفات التي أفردها للتحدث عن الموجة السينمائية الفرنسية الجديدة.. سيكون حديثنا مبعثراً بعض الشيء حاله حال الموجة فيما بعد زمن الذروة.. وإذا كانت بداية الموضوع ستُظهرها كتلة متماسكة, ففي آخر الموضوع سنشهد عدة تطورات تتضمن أعمالاً منفصلة لمخرجيها, ومن ثم موجات أخرى؛ منها ما أخلّ ببعض مبادئ “الموجة الجديدة”. ثم لا بد لنا أن نعترف أن مبدعي الموجة لم يتكرروا, وأنهم قد شاخوا وبعضهم فارق الحياة رغم بقاء تصريحاتهم النارية التي تلهب الإعلام, وأن محاولات التعلم والتشبه بهم كانت محدودة في المخرجين المعاصرين, حتى عادت لتطغى لغة الاستهلاك والتجارة, على سينما المؤلف والخلفية النقدية الثائرة في المضمون والشكل. لن نقول أنها موجة خمدت.. ربما سكُنت أو هي في حالة جزر, ومن يدري فلربما يأتي يوم تعود الموجة من جديد لتثور مرة أخرى على الاستهلاكية السينمائية وتقاليدها.

حب.. جريمة .. وحكايات عن الأخلاق:

   ألحق Francois Truffaut فيلم Jules et Jim بفيلم آخر هو (الجلد الناعم : La Peau Douce) عام 1964 , وهو كذلك حالة أخرى من ثالوث حب مشؤوم, كان معاصراً هذه المرة.. إلا أن هذا الفيلم بالرغم من الأداء العالي لم يصل إلى النجاح المادي المطلوب. وعلى امتداد السنوات القليلة القادمة تباطأ عمل Truffaut بسبب انشغاله بكتابه عن Alfred Hitchcock وعمل جاهداً لإظهار فيلم (Farenheit 451) عام 1966 الذي كان من العسير عليه أن يتواصل بسهولة مع طاقمه الإنتاجي (وهو من الإنجليز) مع ميزانية قليلة, وهذا كان على ما يبدو إخفاقاً في مجاراة أعماله السابقة.

   من جهة أخرى حقق Jacques Demy نجاحه الثالث المميز في فيلم رائع هو (مظلات شيربورج : Les Parapluies de Cherbourg) عام 1964 , وهو من بطولة Catherine Deneuve ذات العشرين عاماً وقتها, الفيلم حكاية تراجيدية من الحياة اليومية, تم تحويلها بشكل ذكي إلى رومانسية ناعمة غنائية خصبة التلوّن. كسب الفيلم سعفة كان وترشح إلى خمسة أوسكارات. ثم تلا Demy نجاحه السابق بنجاح آخر هو (فتيات روشفورت : Les Demoiselles de Rochefort) الذي كان كذلك دراما موسيقي كوميدية عام 1967.

من فيلم Les Parapluies de Cherbourg

   قدم Louis Malle تنوعاً كبيراً في أفلام الستينات من خلال (قضية خاصة جداً : Vie privée) عام 1962 وفيه قدمت Brigitte Bardot شيئاً من السخرية من حياتها الشخصية التي أصبحت غير قادرة على ضبطها مع شدة وكثرة المعجبين والصحافيين, ثم (النار الداخلية : Le Feu Follet) عام 1963 وهو قصة كاتب يحاول إيجاد سبب لعدم الانتحار, ثم (عاشت ماريا : Viva Maria) الفيلم الذي كسب نجاحاً عالمياً مع Brigitte Bardot وJeanne Moreau عام 1965 في قصة ثورية جرت في أمريكا الجنوبية, ثم (السارق الباريسي: Le Voleur) عام 1967 وهو دراما كوميدية عن رجل يسرق مجوهرات خطيبته. ولكن الفيلم الأخير لم يحقق له النجاح المطلوب, لذا أعلن Malle أنه تعب من صناعة السينما السائدة, لذا ارتحل إلى الهند عام 1969 وبدأ بصناعة الوثائقيات.

   عام 1962 قدم Eric Rohmer (فتاة مخبز مونصو : La Boulangere de Monceau) الذي تحول إلى سلسلة من الأفلام خلال السنوات العشرة التالية التي تتحدث عن الحكايات الأخلاقية تتضمن (ليلتي مع مود : Ma Nuit Chez Maud) عام 1969 و(ركبة كلير : Le Genou de Claire) عام 1970 مستكشفاً فيهما الإغراءات والإحباطات التي تواجه العلاقات المعاصرة, ومؤسساً فيها أسلوباً سينمائياً بارزاً في العمل وفياً إلى تقديم الحقيقة المخفية للشهوة.

   أما Claude Chabrol فقد كان أكثر قرباً من التقليدية في أعماله من مخرجي الموجة الجديدة الآخرين, فقد أخفق في شد الأنظار إليه قياساً إلى معاصريه. لذا فقد انتقل إلى القصص النفسية المثيرة للجدل مثل (الظباء : Les Biches) عام 1968 و(الجزّار : Le Boucher) عام 1969 وأسس بها شهرة عالمية.

   عمل Jacques Rivette بعد (باريس لنا : Paris Nous Appartient) على فيلم (الراهبات : Le Religieuse) عام 1966 الذي حقق نجاحاً تجارياً إلى حد كبير. وارتبط بفضائح على خلفية منع الحكومة لعرضه لمدة عام, ثم أتى فيلم (حب مجنون : L’Amour Fou) عام 1970 و(Out 1) عام 1971 و(سيلين وجولي في رياضة الزوارق : Celine et Julie Vont en Bateau) عام 1974.

من فيلم Le Feu Follet

من فيلم Le Feu Follet

La Peau Douce – الجلد الناعم – 1964:

   على أثر التأخر الحاصل في مشروعه الإنجليزي (Fahrenheit 451) بدأ Truffaut التفكير بفيلم يقتل له كل هذا الانتظار, فتم إعداد نص سينمائي مع Jean-Louis Richard بما يقل عن شهر, وقد قال Truffaut أن ما ألهمه الفكرة هو صورة رجل وامرأة غير متزوجين يدخلان إلى منزل ساعة العشاء, كانا يقبلان بعضهما البعض بصورة مفزعة في سيارة أجرة داخل المدينة. لذا فقد كان من البديهي أن يكون موضوع الفيلم الناتج عن هذه المشاهد هو “الزنى” ويعتقد البعض أن Truffaut رأى نفسه في بطل الفيلم ورأى بطل الفيلم فيه, بمعنى أنه لربما كان انعكاساً لحقيقة حبه للنساء الجميلات, ولا سيما خلال فترة زواجه من Madeleine. وقد اختار Truffaut الممثل Jean Desailly لتقديم دور الزوج الذي يراهق متأخراً في حين اختار Nelly Benedetti لتمثيل دور زوجته, و اختار Francoise Dorléac التي كان يراها الأجود في أن تلعب دور العشيقة ليكتمل بها الثالوث المؤلف من امرأتين ورجل هذه المرة وليس رجل وامرأتين كما في فيلم Jules et Jim (راجع القسم السابق). في البداية اعترضت Dorléac على أمور عدة في السيناريو فقد وجدت الشخصية قاسية جداً, لكن Truffaut أقنعها بالدور ومنحها حرية أكبر في أداء ما تريده ضمنه.

   الفيلم هو قصة Pierre وهو أكاديمي وناشر يعيش في باريس مع زوجته Franca وابنتهم Sabine. وخلال رحلة قام بها إلى لشبونة لإلقاء محاضرة في جامعة بلزاك التقى Pierre مضيفة شابة اسمها Nicole وعند عودته إلى باريس بدأت بينهما حكاية سرية, وبهدف قضاء بعض الوقت معها لوحدهما اصطحب Pierre معشوقته Nicole إلى بلدة من المقرر أن يلقي فيها محاضرة عن السينما فتم التقاط صور تجمعهما معاً. وحين عودته شكّت الزوجة بما جرى, في حين أنكر الزوج أي شيء, ومع احتدام الموقف بينهما يقرر الزوجان الانفصال, مما يجعل Pierre حرّاً ويعرض على Nicole الزواج فترفضه, وفي هذه الأثناء تكتشف Franca وجود صور لزوجها وعشيقته فتصمم على الانتقام.

   من المشاهد المميزة التي تنحى منحى أسلوب Alfred Hitchcock مشهد لـ Pierre وهو يتمشى في ممرات فندق, بعد أن صادف Nicole في المصعد ولم يكن هذا الوقت كافياً ليناقش معها أي شيء, حيث بدأ يحدق في الأحذية الموضوعة خارج كل باب, فهذه غرفة رجل أعزب, وهذه امرأة, وهذه لرجل ومرأة معاً.. بعدها دخل بقلق إلى غرفته, وخفف الأضواء كثيراً, ثم اتصل بـ Nicoleوطلب منها فرصة ليراها وأن تعطيه موعداً يدعوها به إلى الشراب, فرفضت متحججة بتأخر الوقت, لذا اعتذر Pierre بشكل مهذب وأقفل الخط. لكن سرعان ما خابرته هي موافقة على مقابلته في المساء التالي, فابتهج Pierre وبدأ بالتجول حالماً على محيط الغرفة, مغيراً وضع كل أزرار الأنوار, ثم اضطجع على السرير ملقياً بكفيه خلف رأسه وهو في غاية السرور.

   تم اختيار الفيلم للمنافسة في مهرجان كان 1964, لكن النقاد وصفوه بالبرود والتهكم والسطحية, وعلى أثر هذا فشل الفيلم على شباك التذاكر, ويبدو أن Truffaut قد أحس بالخيبة من ذلك, إلا أنه أيقن أن الفكرة لم تكن عميقة كما في سابق أفلامه الناجحة, فلا تبدو شخصية Pierre الزوج العائد إلى المراهقة مقنعة أو قديرة على جذب التعاطف معها لمن يمر بتجربة مماثلة, رغم ذلك فإن هذا الفيلم يعد من أفضل أعمال Truffaut في خروجه عن المألوف وتصويره للخيانة بمنتهى الوضوح, ورؤية نتائجها, وللأداءات العالية الجودة من الثلاثي الذي تم اختياره للأدوار.

1968 – عام الثورة:

   في ربيع عام 1968 تصاعدت احتجاجات طلاب جامعة نانتير بسرعة, وأدت الاضطرابات المدنية في جميع أنحاء فرنسا إلى حدوث مجابهات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين. ورغم أن اليد العاملة بدأت تشارك في الأيام التالية في الاحتجاجات لكن حكومة ديغول صمدت, وبسبب الانقسامات ضمن المعارضة اليسارية بدأت الاحتجاجات بالخبو والاضمحلال. وفي وقت سابق من ذات العام كانت بعض الأحداث التي جرت في عالم السينما قد ساعدت في اضطرام الاضطرابات, فعندما تم طرد Henri Langlois الراعي والمؤسس لتظاهرة (Cinématheque Francaise) بعد أن تم ادعاء مسؤوليته عن العجز الإداري أثار ذلك الاحتجاجات بين طلاب السينما الذين استمروا في كسب الاطلاع والدرس السينمائي من خلال (Cinématheque Francaise) والمخرجين الجدد الذين حققوا شهرة من الموجة الجديدة مثل Truffaut وGodard وRivette وResnais الذين كانوا يتفاخرون أنهم أبناء (Cinématheque Francaise).
وقد انسحبت الاحتجاجات إلى مهرجان كان السينمائي بعد أن استقال Louis Malle وRoman Polanski من لجنة التحكيم, وجاء الدعم من طرف Truffaut وGodard وحتى خارجياً من مخرجين عالميين مشهورين كـHitchcock وKurosawa وFellini وعلى الأثر تراجع وزير الثقافة عن قراره بطرد Langlois.


من شوارع باريس 1968

   وقد أظهرت قضية Langlois أن مخرجي الموجة الجديدة رغم اختلافاتهم السياسية والسينمائية ما زالوا قادرين على أن يجتمعوا كمجموعة. وفي الواقع فبعد أن أصبح عملهم تحت نيران النقاد, وبعد أن بدأت مؤسسة السينما باستعادة هيبتها, فقد بدوا أكثر رغبة في تأكيد أنفسهم كجزء من الموجة الجديدة بشكل أكبر مما كان في البداية.
   وقد كتب Truffaut في مقالة نشرتها مجلة “دفاتر السينما”: (مسبقاً, عندما قابلونا, جان لوك, رينيه, مال, وأنا, وآخرين, قلنا أنه لا توجد موجة جديدة وأنها لا تعني شيئاً, بعدها كان علينا أن نتغير, ومنذ تلك اللحظة قررت أن أشارك في الحركة. الآن نحن فخورون أننا كنا وبقينا جزءاً من الموجة الجديدة, كفخر شخص يهودي عاش تحت الاحتلال).

Ma Nuit Chez Maud – ليلتي عند مود – 1969:

   إلى النوم, وحذارِ من النوم! هذا الاختيار الوجودي العميق الذي يضعه Eric Rohmer أمامنا في حكاياته الأخلاقية الستة التي حققت له شهرة عالمية والتي يعد هذا الفيلم ثالثتها, إضافة إلى كونه أحد مؤسسي “الموجة الجديدة” على الرغم من أنه أقلع فعلياً في مرحلة كانت بها الموجة قد أنهت فترتها الذهبية ودخلت مرحلة التراجع. ومن الجلي في حوارات Rohmer أنها تحاكي المثقفين من خلال ثقل استكشاف التعقيدات في العلاقات الإنسانية, وذلك يرجح كفة أسلوبه الساحر المتناسق عند المشاهد الذي يستخدم بصيرته وليس فقط بصره ويتمعن في فنه الذي لم يرق لبعض النقاد ممن وصفوه بالطفولي المبهم. ودائماً الحب هنا تقرير مصير أو حتى وجود, وعلى الرجل أن يسأل نفسه عن الشهوة, تلك المعضلة الأخلاقية: هل على الرجل أن يبقى مخلصاً للمرأة التي يظن أنه يعشقها؟ أو أن يسمح لنفسه بأن يستجيب لإغراءات سواها إرضاء لها ولذاته ورجولته؟

   في “ليلتي عند مود”.. حكاية Jean-Louis الرجل الذي أصر Rohmer على أن يخبرنا أنه شخص كاثوليكي ملتزم, وجد في الطالبة الشقراء Françoise ضالته كزوجة مثالية, لكنه لم يجد فرصة للاقتراب منها والتحدث معها بالخصوص, يلتقي Jean-Louis مع Vidal صديقه القديم الذي لم يره منذ أكثر من 10 سنوات, فيأخذه الملحد Vidal معه إلى شقة صديقته الفاتنة Maud, وهناك يتناقشون في أمور كثيرة فلسفياً ودينياً وحتى عن الحب. وعند تغير الطقس ليلاً للأسوأ يقرر Jean-Louis العودة إلى منزله, لكن خوفاً على حياته في هذا الطقس المتقلب يقنعه صديقه بالبقاء معه في شقة Maud التي لا تدخر جهداً في إغواءه.

من فيلم Ma Nuit Chez Maud

   لا أدري إن كانت الحالة الإيمانية أم الأخلاقية أم تشوش أفكارJean-Louis هي الأمور التي كانت وراء قراره الكبير لصالح وفائه لحبيبته Françoise ورفض إغواءات Maud التي نزعت جواربها النسائية الطويلة, وانزلقت تحت غطائها منادية على غريزة Jean-Louis “تعال إلي هنا”, فتفاجأ الرجل وارتجف وجحظت عيناه, وبدأ يرى فيها شيطاناً لكنه مرغم على قضاء الليلة عنده.. ومن ثم يقابل حبيبته الحقيقية في اليوم التالي في نهاية قد تكون ساخرة في مغزاها.

   Ma nuit chez Maud ليس فقط أحد أفضل أفلام Rohmer الذكية, بل أحد أفضل أفلامه في الفتنة البصرية أيضاً, فالتصوير بالأبيض والأسود واستخدام المشاهد الخارجية الليلية حققا له الإفادة من هذه السبل في إضفاء حالة من الغموض والسريالية والتفلسف الأخلاقي والتضارب النفسي المطلوب, هذه الأمور التي راهن عليها على ما يبدو في أكثر أعماله, وكسب الرهان.

من فيلم Ma Nuit Chez Maud

موجة مستمرة.. ثم خجولة.. ثم في حالة الجزر:

   ألهمت الموجة الجديدة قيام حركات ماثلة في البلدان الأخرى, ففي أمريكا ظهر وليد سينمائي جديد في أواخر الستينات ثم السبعينات, متأثراً بالروايات والتقنيات التي ابتدعها صناع الموجة الفرنسية الجديدة. وفي أوروبا كذلك ظهر مخرجون شباب في بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر وألمانيا وبلدان أخرى, وكان هؤلاء الشباب متحفزين لقطع صلتهم بالماضي ودخول التجارب الشخصية الجديدة المعتمدة على أفكارهم الخاصة. وحتى في الدول البعيدة كان هناك أمكنة طالها المد ونجحت فيها الموجة لفترة لا بأس بها كالبرازيل وكندا واليابان.
   نجاح الموجة الجديدة فرنسياً فتح الباب لمخرجين جدد كذلك لاحقاً Barbet Schroeder (مور – More) عام 1969 وJean Eustache (الأم والعاهرة – La Maman et La Putain) عام 1973, وAndre Techine (مغادرة بولينا: Paulina s’en Va) عام 1975و Philippe Garrel (سر الطفل : L’Enfant Secret) عام 1979. الأمر الذي سمّاه البعض على أنه “الموجة الجديدة التالية”. وكان هناك مخرجون آخرون من أمثال Jean-Claude Biette وClaude Guiguet و Paul Vecchiali ممن بدؤوا الكتابة لدورية “دفاتر السينما” قبل الاتجاه لاحقاً إلى الصناعة الفيلمية.

   وظهر جيل جديد من المخرجين في الثمانينات من القرن الماضي متضمناً شباباً جدداً لقبتهم وسائل الإعلام بالموجة “الجديدة الجديدة”. الأرقام الأهم من هؤلاء كانوا Jean-Jacques Beineix و Luc Besson و Leos Cara, الذين سرعان ما ابتعدوا عن الموجة الأولى معلنين عداءهم لها. تضمنت أفلامهم (ديفا : Diva) عام 1980 و (طريق فرعي : Subway) عام 1985 و(أزرق بيتي : Betty Bleu) عام 1986 و(الأزرق العظيم : Le Grand Bleu) عام 1988, و(العشاق على الجسر : Les Amants du Pont-Neuf) عام 1991. هذا الجيل حصد الكثير من الانتقاد بسبب تفضيل الأسلوب على المادة, هذا الأسلوب الذي أصبح اسمه (سينما التعبير : cinema du look) وعلى الرغم من النجاح والشعبية فالشعور العام عن هذه الطريقة كان تقريباً أنه إظهارات بارعة ونجوم مميزون لا أكثر.

من فيلم La Maman et La Putain
من فيلم La Maman et La Putain

   أدى الموت المبكر لـ Francois Truffaut عام 1984 إلى نهاية أفضل وأكثر المخرجين المحبوبين في الموجة الجديدة الفرنسية. أعماله الأخيرة كانت متنوعة وليست كلها بذات الصدى لكنها تضمنت أموراً مهمة دونما شك. مثل (يوم وليلة : La nuit américaine) عام 1973 الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي و(الغرفة الخضراء : La Chambre Verte) عام 1978 ثم (المترو الأخير : Le Dernier Metro) عام 1980 قصة المقاومة التي حققت نجاحاً نقدياً ومادياً في فرنسا, و(المرأة في الجوار – La Femme D’à Côté) عام 1981 الذي قد يكون النهاية غير الرسمية للموجة الجديدة. وحتى الآن ما يزال Truffaut أيقونة في السينما يدرس أعماله كل المهتمين بتاريخ السينما والباحثين عن شيء يخرجهم عن حالة الرتابة, ومثالاً لكل شخص يحلم بصياغة السينما وفق شروطه وأحلامه.

من فيلم Les Amants du Pont-Neuf
من فيلم Les Amants du Pont-Neuf

   وبعد وفاة Chabrol و Rohmer عام 2010 بقي جملة من المخرجين “الشيوخ” ليعاصروا عصرنا الحالي من أمثال Godard وRivette, وMarker وVarda التي تحولت إلى الوثائقيات, وResnais الذي ترشح فيلمه للسعفة الذهبية عن هذا العام. ورغم بلوغهم التسعينات من العمر إلا أنهم دائماً تحت الأضواء وأعمالهم وآرائهم تأخذ متابعة دولية وهم يستمرون في تحدي الشائع وتوسيع حدود التعبير السينمائي. ونضيف إلى هؤلاء جملة من المخرجين المتأثرين بهم والذين لا يمكن إلا أن نحترم تجديفهم عكس التيار بين الفينة والأخرى. في حين استمرت الدوريات التثقيفية ومنها مجلة “دفاتر السينما” في لفت النظر إلى ما هو في الظل أو يتماشى مع توجهاتها ويلفت نظرها.
   وإذا كانت الموجة الجديدة سينمائياً قد تضاءلت وخبا نجمها في زمن اجتاحت الأشكال والأفكار التقنية التي أبعدت السينما عن الواقع وفتحت لها أبواب أوسع للخيال والكوميكس على مصراعيها, فإن الثورة الثقافية التي حققت بها هذه الموجة فصولاً في تغيير بنية السينما وسُبُل فهمها لا تزال موجودة حتى الآن, ويخطئ من يظن أن تأثير الموجة الآن حكر على التدريس, فما يزال عشاق الفن السابع ينهلون من هذه الأعمال ويقفون مشدوهين أمام روعة ما تم تقديمه ببساطة الإنتاج والتمويل في ذلك, فضلاً عن الجرأة في الطرح ورفض التقليد وتحدي المألوف من جهة أخرى.وهذا تثبته مبيعات كل التظاهرات السينمائية المحتفية بالموجة الجديدة والتي تقام بين الفينة والأخرى في أنحاء العالم.

La Femme D’à Côté – المرأة في الجوار – 1981:

بوستر فيلم La Femme D'à Côté

   تابع Truffaut في فيلم “المرأة في الجوار” سلسلة أفلام الحب الاستحواذي أو الحب العضال القادر على تدمير الحياة, ودوماً كانت الحكايات ثقيلة تحمل الحب كمفهوم جبري حتمي, لكنه هنا أراده Truffaut أن يحمل بعضاً من الكوميديا السوداء في عدة لقطات, وربما كان هذا ناتجاً عن نضوجه عمرياً بعد تقديم عدة حالات عاطفية شبابية ميلودرامية ساخنة في أفلامه السابقة, وهذا الفيلم حمل تعاونه الأول مع Fanny Ardant, التي تحولت إلى الوجه الأنثوي المفضل في مشاريعه المقبلة في المرحلة الأخيرة في حياته.
   يفتتح الفيلم بمقدمة قصيرة تقدمها السيدة Jouve صاحبة العكازات التي تخاطب مباشرة الكاميرا في حوارية لا تبدو لنا ضرورية في بداية الأمر, حتى أن الفيلم لم يتحدث كثيراً عنها, لكن فيما بعد نعرف أن ما أوصلها إلى هذا الحال هو من مرض “الحب”, فقد حاولت الانتحار قبل 20 عاماً وتم إنقاذها, لكنها فقدت فعلياً الحس بإحدى قدميها. ثم ننتقل إلى الحكاية المحورية للمدرس Bernard Coudray وهو رجل متزوج يعيش بسعادة في إحدى القرى مع زوجته Arlette وابنهما الصغير, تلك المعيشة الرغداء الهانئة تبقى كذلك إلى أن ينتقلPhilippe وMathilde Bauchard ليقطنا في البيت المجاور الشاغر ثم لنكتشف أن السيدة المنتقلة حديثاً إلى الجوار ما هي إلا حبيبة قديمة جداً لجارها.

من فيلم La Femme D'à Côté

   ومع تقدم الفيلم نعلم أن Mathilde قد قطعت بشكل حاد قاسٍ علاقتها بـ Bernard قبل عدة سنوات, ثم يبدو واضحاً أن Truffaut هذه المرة يلعب أولاً على وتر ما بعد علاقة الحب, فهل يمكن أن تعود حبيبة الأمس لتصبح صديقة؟.. وقد حاول عاشقا الأمس عدم إظهار ما كان بينهما أمام زوجيهما, غير أنهما يلتقيان في السوق, فيتحدثان, ويتصافحان, ويتحصل العاشق على قبلة لم ترفضها العشيقة في المرآب. ثم خلال إحدى العطل المشتركة للعائلتين التي يقضيانها معاً تعود مشاعر Bernard فتتأجج, ليشعر أن قوة حبه لـ Mathilde أصبحت لا تحتمل, وهنا تتعقد الأمور, فهما لا يمكن لهما العيش دون بعضهما, ولا يمكن لهما العيش معاً. لذا يبدأ الثنائي بإحياء علاقته من جديد سراً فيستأجران شقة بسيطة في المدينة, وهناك Mathilde صاحبة الشعر الأسود والعينين السوداوين الساحرتين تطلق ابتسامة حماسية محّلاة بالانتشاء تقود بها Bernard إلى داخل المدخل خارج حدود اللقطة, لتنطلق بعدها الموسيقى الدراماتيكية دون أن ترافقهما الكاميرا إلى الداخل. وبمرور الوقت تبدأ حالة الشد والجذب بين العاشقين حول مسألة الاعتراف بما يجري بينهما لزوجيهما, فتكون القشة التي تقصم ظهر البعير هي حين يشتكي Philippe لزوجته قائلاً “أنا متزوج من كاذبة”,” أنتِ تنطقين اسم برنار في نومك” فتنهار الزوجة وتفقد الوعي. ويأبى Truffaut إلا أن يكمل تدمير أبطال الحكاية الخرقاء حين يدخل Bernard البيت المجاور في ساعة متأخرة من أجل أن يرى Mathilde, فتستقبله بحفاوة العاشقة وتقدم له نفسها, ثم تُخرج مسدساً من حقيبة يدها فتقتله ثم تدير المسدس إلى نفسها .. “إن لم أكن معك, فلن أكون بدونك”.. كما تقول السيدة Jouve في مرثيتها لـMathilde و Bernard.

من فيلم La Femme D'à Côté

   ومن دهاء Truffaut دقة اختيار الممثلين في الأدوار, فكان أن أختار Fanny Ardant ذات الجمال الغامض أو الخشن للعب دور العاشقة, واختار Gerard Depardieu الذي يحمل في نظراته جموداً وغرابة لدور العشيق, فضلاً عن طاقم الأدوار الداعمة الذي كان إحدى ورقات العمل الرابحة.

من فيلم La Femme D'à Côté

خاتمة:

   سأتوقع في خاتمتي رأياً مخالفاً لي.. فقد يقول محب للسينما “المنضبطة” وغير الثائرة أو المتقلبة, أن الموجة الجديدة كانت بقدر تجديدها أداة هدامة, فقد سببت الموجة انقطاعاً ما في مسيرة السينما طالما أنها عادت بشكل أو بآخر إلى الحالة التقليدية والتجارية, وأن هذه الأخيرة لو قُدّر لها أن تستمر بذات الزخم والتمويل ربما كانت ستحقق إنجازات (بصرية على الأقل) منذ زمن بعيد.. وهنا دعوني أقول أن إبهار الصورة لم يقتصر على التجارية أو الميزانية الضخمة, فإن بعض أفلام الموجة الجديدة كانت مثيرة ومستفزة من ناحية الصورة أكثر من سينما البذخ بحد ذاتها, لا سيما أن جل مخرجيها الشباب كانوا من سحرة المونتاج. وإذا كانت البساطة مأخذاً عليها فهي مأخذ ضحل, فالإبداع في البساطة أشد تأثيراً من التعقيد الجميل, وإذا كان التجريب السينمائي حالة تنضوي على مقامرة ما فإنني أبرر للشباب حب التجريب والتنويع فهو شيء يجري بدمائهم الحامية. وإن كانت المواضيع التي تم طرحها قد تجاوزت المسموح أو المقبول فقد لا أتفق مع المشتكي من ذلك, لأن هذه المسموح والممنوع ما هما إلا ضوابط اصطنعناها بأنفسنا لتقييد أنفسنا. بل أن أحد ما يجعلنا جميعاً كشباب منبهر بالسينما وطموح لنشر وجهات نظره هو تلك العوامل غير العادية والخارجة عن الروتين, ولستُ أدري متى سيكون لنا نحن موجتنا الجديدة التي تمكنننا من طبع السينما بروحنا, بأفكارنا, بألواننا, بطبيعتنا, بثورتنا, بانتماءنا للشباب الحي, بنبذ التقاليد العتيقة المتآكلة, حتى وإن لم يكن لدينا الكثير من المال أو التجهيزات. قد يكون حلماً, وقد يجده آخرون هرطقة سينمائية, لكنه حلم مشروع, وهرطقة لذيذة لا تؤذي وهي ليست كفراً.
شكري الأخير إلى كل قراء هذه المجموعة على امتداد هذه المدة , واعتذر لكل من لم يعجب بها, أو لم يهمه أمرها واحترم رأيه. وأحيي كل مهتم وكل باحث عن مرجع بالخصوص قد لا يتوفر له بالعربية فوجد في مبحثي مرجعه. وآمل أنني قد وفقت في تناولي وطرحي, وسامحوني إن وجدتم في مجموعتي أي تقصير أو زلة, فلستُ أتوق في ما قدّمت إلى المديح بل إلى أقل درجات اللوم فقط.. وإلى اللقاء.

Advertisements

One thought on “الموجة الفرنسية الجديدة .. موجة غيّرت السينما .. 4 من 4 …

  1. شكراً لك .. قد أكون قرأت سلسلة مقالاتك هذه متأخراً لكن ان اصل متأخراً خيراً من الا اصل ابدا
    انا شخص بسيط عاشق للسينما بمعناها الحقيقي وبرأيي وبعد جولات عديدة في المقالات السينمائية المتعدده إن مقالك العظيم خير دليل وخارطة لكل مهتم بهذا الفن العظيم عموما ًوالمهتمين في الموجه الفرنسيه بشكلٍ خاص
    شكرا لك مجدداً وسأنشر المقال لجميع اصدقائي والمهتمين بالسينما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s