مراجعات الأفلام

Promised Land – 2004

“الظلم في النهاية يُنتج استقلالاً” 

فولتير – كاتب وفيلسوف فرنسي شهير

“توجد أوقات نكون فيها ضعفاء في أن نمنع الظلم, لكن لا يجب مطلقاً أن يكون هناك أوقات نخفق فيها في الاحتجاج عليه.”

إيلي فيزيل – بروفيسور وناشط سياسي أمريكي

   يبدو توجه المخرج والمهندس المعماري “عاموس جيتاي” على الدوام مثيراً ومجدفاً ضد التيار, حيث يستمر الرجل في طرح أفكاره التي لا تتلاءم ولا تتناغم مع السياسات السينمائية المعتادة, ملتزماً يسارية معينة تنحى حيناً منحىً راديكالياً متشدداً ضد اليمين, وحتى ضد الدين في أحيان كثيرة حيث يَفترض فيه الكثير من التجديف والتحريف, وكثيراً ما دفع الرجل ثمن أفكاره وكثيراً ما وجدنا في المراجعات النقدية آراء سياسية للنقاد تناقض آراءه فترى من أعماله دون المستوى وفقاً لنظر الناقد, والغريب أن الجهات اليسارية أو العربية لا تقيم له الكثير من الوزن في المقابل. لستُ هنا في معرض الدفاع عن هذا الرجل الذي سبق وشارك في حرب أكتوبر 1973 كمنقذ طيران وأُسقطت مروحيته على الجبهة السورية وكان من الناجين, ثم أصبح اليوم من دعاة التعايش المشترك.. ولكنني كمهتمّ منذ أمد بالسينما العبرية فسأعمل تسليط الضوء لأول مرة (على ما أظن) في هذا الموقع على أحد أعماله, وسأبدأ بأقدم المتوفر لدي.. “أرض الميعاد”, وهو واحد مما دعي بثلاثية “الحدود” لـ”غيتاي” والذي ضم إلى هذا الفيلم فيلمي (منطقة حرة : Free Zone) و(التحرر : Disengagement).

عاموس جيتاي

   يهدي “عاموس جيتاي” فيلمه هذا إلى والدته التي يقول أنها توفيت خلال تصوير الفيلم, والتي كانت نصيرة دائمة لقضايا المرأة في العالم. ومن منطلق دعم قضايا المرأة ينطلق ليتحدث عن “الدعارة” بصورة مفزعة, فهي ليست كما نألف أن نراها عادةً في السينما, بل هي هنا سوق النخاسة وبيع البشر بصورة لا نتخيلها في أرض هي بالنسبة لليهود “أرض الميعاد”, والتي كثيراً ما نسمع عن أعداد كثيرة من النساء ومعظمهن من أوروبا الشرقية يُحتال عليهمّ فيُسقنَ كالعبيد ويُكرَهن على ممارسة الدعارة في أماكن عدة من العالم. يبدأ الفيلم في صورة غير رومانسية بمجموعة من النساء الأوروبيات الجميلان الشابات نستطيع بسهولة أن نعرف أنهن ذاهبات بصورة غير شرعية إلى “إسرائيل” من خلال تهريبهم من طرف مجموعة من البدو الرحل المتنقلين عبر حدود “سيناء”, إلا أننا نبدأ من أحاديث هؤلاء البدو نكتشف الطبيعة الحقيقية لتهريب هؤلاء النساء, فهن يظنن أنهن آتيات في رحلة سياحية إلى “الأرض المقدسة” وقيل لهنّ أنهن سيمكثن في فندق بخمس نجوم, إلى أن نفهم من مشهد اعتداء بدوي على إحداهن في العراء ليلة اكتمال القمر, ومن أحاديث المال التي تدور بين المجموعة الجالسة المحيطة بالنار المشتعلة اتقاءً لبرد الصحراء في الليل, أننا أمام سوق نخاسة بكل ما للكلمة من معنى, ويحاول “غيتاي” أن يثبت لنا أن هؤلاء المهربين ليسوا إلا وحوش بشرية حقيقية فقبل مشهد الاغتصاب يقول أحدهم أنه لا ولاء لهم لأي دولة, حين يمر في حديث أحدهم أنه قد مر على هذه الصحراء الأتراك والإنجليز والمصريون والإسرائيليون ومن ثم المصريون مرة أخرى.. كأن جميع من ذكروا هم مارقون أو محتلون! وبعد أن يتم عبو الحدود (بموافقة الجنود وبرشوتهم) وبرفقة “إيغور” من قرب الأسلاك الشائكة, لا نأخذ الكثير من الوقت حتى نرى أن هؤلاء المهربين هم جزء من عصابة لها في الداخل عملاء من اليهود بلغات شتّى يشترون النساء كشراء البضاعة بعد أن “يعاينوهنّ” ويدفعون المال “للتاجرة” التي تتواصل مع البدو والتي تفتح مزاداً ليلياً في العراء ولا تترك وسيلة لتغري زبائنها ببضاعتها البشرية ولو بتعريتهنّ.. فتتبقى مجموعة من النساء تفزرها “التاجرة” على أنها لها حين تقول “نحن سنأخذها”.. وتأخذ الصدمة هؤلاء الضحايا, وينجح “جيتاي” هنا في استشفاف صدمتهنّ وألمهنّ حين يركّز على وجوههنّ التي كانت منتظرة أن تدخل إلى هذه البلاد بغرض السياحة والراحة, فأصبحت فريسة الذئاب البشرية.

   لا يبين “جيتاي” مصير البنات اللائي تم بيعنّ من مبدأ معرفة ما سيجري لهن وعدم الحاجة إلى تناوله, لكنه يتابع مع بنات “نحن سنأخذها” ليستعرض لنا صنوفاً من القهر والتعذيب النفسي والجسدي تتعرضن له, فهن في الأساس أصبحت رهينات سيدة عجوز صاحبة دار دعارة في “إيلات”, تظهر شفقة مصطنعة لحال الباكيات منهن وهي تهيّؤهن بالزينة والتجميل لتدخل عليهنّ زبائنها, ولا تخجل من أن تقول أن طليقها “يوسف” ما زال شريكاً لها في “بضاعتها من النساء المرتهنات” التي تشغلها هي في الجنوب وهو في الشمال, ولا تخجل من أن تطلب من البنات أن يعتبرن أنفسهن في عمل وأنه لا يجب عليهنّ أن يعتبرن أنفسهنّ كعاهرات. وفي ظل تلك المأساة الإنسانية لا يبدو أن أمام فتيات الفندق الغريبات عن البلد أية فرصة للهرب فهنّ لا يعرفنّ أية معلومات أو أشخاص لأجل هذه الغاية, ويظهر الخيار الوحيد حين تتحدث إحداهن “ديانا” إلى “روز” السيدة الجميلة التي تزور حانة الدعارة مع عشيقها, والتي يظهر للأسف أنها ما هي إلا واحدة منهن تم تشغيلها في الشمال لذا لم يكنّ يعرفنها, والتي تبقى معهنّ بعد ذلك إلى أن يسقن جميعاً إلى “حيفا”, إلى حين يحدث ما هو غير محسوب بتدخل إلهي بتفجير “إرهابي” في منطقة قريبة من دار الدعارة, فينشغل الكل بلملمة الأشلاء والجرحى في حين تنشغل الفتيات بالهرب من سجنهن الإجباري, ضاحكات ساخرات من أن للظالم يوماً غير آبهات بضحايا قد لا يكون لبعضهم علاقة.

    مع تصميمه على اعتماد أسلوب الصدمة في التحدث عن إهانة الإنسانية في دولة تتفاخر بنفسها في العدالة كـ”إسرائيل” كمفارقة تاريخية, يضع الفيلم أمام مشاهديه مشاهد وحشية ليس فيها دماء لكنها مؤلمة جداً, بين الاغتصاب والتعرية, ولعل مشهد “الدوش” الجماعي للمختطفات وسوق النخاسة الذي تبعنَ فيه كحيوانات من أكثر المشاهد فظاعة وإهانة للإنسانية في العمل. ملتزماً نوعاً من الموسيقى التكرارية المزعجة ليزيد العنف عنفاً. ويبدو مشهد ضحكات الفتيات الهاربات رغم الدماء المتناثرة على الأرض إثر التفجير الإرهابي درساً أخلاقياً في أن ابتسامة المظلوم في لحظة غير إنسانية هو شيء مبرر.. كأنه يشير إلى أن تشكل الإرهاب أصلاً مرهون باللاعدالة كنوع من الفعل ورد الفعل. ولا أظن أن دخول الفيلم ليلاً وانتهاءه ليلاً كان أمراً عرضياً بل كان أمراً مقصوداً جداً للتدليل على الخطايا والوحشية. ويضجّ الفيلم بسؤال كبير (هل ما رأيناه من تجميع لا أخلاقي يشابه يا ترى التجميع السياسي لليهود في إسرائيل؟ وإلا فلماذا اختيار اسم “أرض الميعاد” كاسم للعمل؟).. ملمحاً إلى دور المافيا -ولا سيما الروسية- في الترويج لهذه التجارة من خلال تحدّث أكثرية مشتري النساء بهذه اللغة لا سواها, دون أن ينسى أن يشير إلى العرب والإسرائيليين بصورة واضحة فاضحة وشراهتهم للمال, وتواطؤهم معاً في الخفاء من أجل المصالح رغم العدائية العلنية..  فالعرب هربوا النساء في نقاط التفتيش بملابس عربية تغطي الرأس وتخفيهنّ من “رام الله” نحو المناطق التي تلقفهنّ الإسرائيليون فيها ليكملوا تلك المأساة.. ثم ينتهي الفيلم بنوع من الشعر الذي يسأل فيه “عاموس” ما الذي استفاده الإنسان من هذه الأعمال؟

   إلا أنه وبرغم حصوله على جائزة فينسيا للسلام وترشحه لأسدها.. فإن هذا الفيلم يتعثر في نواحٍ عديدة وكثيرة كانت يمكن أن تجعل من الفيلم هاماً وكبيراً.. فالعمل يفتقر إلى نص مدروس, وينحى في كثير من الأحيان نحو توجه مبعثر لا يمكن اعتباره توثيقياً حتى. وتتداخل اللغات بشكل منفّر وغير مريح بين العربية والعبرية والإنجليزية والروسية وحتى بعض الألمانية فتُضيع وهج الكثير من المشاهد. ويعاب على النص عدم أخذ شخصية محورية يبني الأحداث عليها, فشخصية “ديانا” التي كان يفترض أن تكون محرك الأحداث كانت غير كاملة الإحاطة الدرامية شأنها شأن باقي الشخوص الثانوية التي لا نشعر بتطورها, وتأتي العقدة بصورة تمّ التمهيد لها كثيراً مما يجعلها للمشاهد متوقعة ومفككة وغير ملفتة, وبالتالي فلا تظهر مع هذه الفجوات الأداءات التمثيلية الحقيقية. ومع هذا فقد نجح “جيتاي” في إيصال صوته اليساري بطريقة غريبة تستحق التقدير لا تخلو من القسوة والتهكم معاً.. قبل أن يتابع سياسته نفسها في أفلامه الأخرى (كادوش: Kadosh) الذي يسخر فيه من التشدد الأرثوذكسي, ومن بعده (التحرر : Disengagement) مع “جولييت بينوش” الذي هاجم فيه من جديد “أرض الميعاد”, ومن ثم (أنا عربية : Ana Arabiya) الفيلم المستوحى من قصة حقيقية والذي كان حاضراً في مهرجان “كان” هذا العام والذي حاز بعض المديح النقدي والسخط اليميني على أثر التحدث عن الأرض العربية وعن زوجة يهودية تعتنق الإسلام, ليثبت لاحقاً تطوره في السرد الذي يتخذ غالباً توجّه التنديد بالمعتقدات والمُسلمات أكثر من محاولة نقضها. وفي الناحية السينماتوغرافية أيضاً على وجه الخصوص حتى أخذت الصورة في فيلمه الأخير نوعاً من البريق المميز الملفت.

   يقدم “جيتاي” في عمله فكرة مهمة جداً ويضمّنه أيديولوجيته الخاصة, ويملأه بالحزن والأسى والغليان الصامت, لكنه يولد من الخاصرة صعباً عسيراً غير ناضج للدرجة الكافية, ويبدو أنه بحاجة الكثير من التطوير المطلوب ليصنع من فكرته الكبيرة فعلاً فيلماً كبيراً.

IMDb|RT

Advertisements