مراجعات الأفلام / السينما اليوم

Her – 2013

يبدو أن الحب ليس بالعيون, بل بالعقل.

وليم شكسبير

هناك دائماً جنون ما في الحب, ولكن هنالك أيضاً سبب ما في الجنون.

فريدريك نيتشه

    الحب بين الفيزياء والكيمياء, هو الصراع المرير الذي يطلقه “سبايك جونز” في فيلمه المعنون “Her” ولماذا استخدم جونز الضمير الغائب “Her” وليس “She” فسنعرفه فيما سيأتي, فـ”جونز” هنا يستكشف بذكاء طبيعة المشاعر روحانياً لا جسدياً, ليقدم لنا حالة أخرى عسيرة من الحب, لا تعترضها المحرّمات والمجتمعات, بل لأن بعض ما يقبله العقل ليس دائماً ممكن التحقق.. حالة تشبه حلماً لذيذاً بألوان زاهية, ولكنه للأسف يبقى حلماً.

   “ثيودور” (خواكين فينكس) بشاربه ووجهه الناطق بالأحاسيس, يؤدي هنا دور كاتب فشل في إكمال حياته مع زوجته “كاثرين” (روني مارا), وبدأ تدريجياً يتحول إلى كائن غير اجتماعي مسكون بالحزن والوحدة. كائن أصبح يحتاج بصورة ماسّة للحب وإلى من يهتم به ويقاسمه حكاياته. كل هذه الوقائع كانت مؤشرات ضغف أسقطت “ثيودور” في حب “سامانثا” (سكارليت جوهانسون) شخصية أنثوية وهمية تتراءى له بهيئة صوت نسائي يخرج من نظام تشغيل متطور حديث, حيث وسيلة التواصل الوحيدة بينهما كانت نوعاً من جهاز هاتف محمول مع سماعة أذن خاصة. أظهرت “سامانثا” لـ”ثيودور” الكثير من الاهتمام, وتماشت مع متطلباته, إلا أنه ما لم يكن في الحسبان أنها كانت كائناً الكترونياً ذا مشاعر, فسقطت في حبه كما سقط في حبها. في البدء سارت الأمور بنوع من تجاهل الحقيقة فأخذ “ثيودور” يقص على “سامانثا” كل تفاصيل حياته, ويصحبها معه إلى الشاطئ والمحال التجارية والسهرات والرحلات.. وأي مكان.. غنيا معاً, وتبادلا النكات, بل إنها طلبت منه الخروج والانطلاق نحو المجتمع والنساء وحاولت كسبه المزيد من الثقة بالنفس في أعماله وكتاباته.. إلى أن حدث وشاركته أحد الخيالات الجنسية التي تشابه ممارسة الجنس على الهاتف. فانقلب الحال, وبدأ رغبة الطرفين في تجسيد العلاقة تتأزم, فعملت “سامانثا” على إحضار متطوعة لتتحل مكانها وتمارس الحب مع حبيبها على أنها هي, مستغلة صمت الفتاة وتحدثها هي, لكن الأمر لم يفلح في ظل عدم إمكانية “ثيودور” من الاتصال الروحي بالفتاة.. وبعد أن انتقدته زوجته السابقة “كاثرين” على ولهه بنظام تشغيل, وبعد حدوث خلل مؤقت في البرنامج جعله فاقد العقل ومضطرباً من مجرد التفكير بأنه قد يخسر “سامانثا”, بدأت حالة فهم جديدة تتشكل, فاكتشفت “سامانثا” في تلك اللحظة أن الطبيعة الحقيقية أنها مجرد برنامج يعيش خالداً لإطاعة المستخدمين, وهو مجبر على التواصل مع ملايين الأشخاص دون وجود مبدأ الإخلاص الذي يمثل الأساس عن البشر.. فأنهت وجودها من حياة “حبيبها”, لتتركه مع صديقة حقيقية تعاني كذلك الوحدة والأسى, هي “إيمي” (إيمي آدامز).

ليست المسألة هنا حول العلم أو كيف وصلوا إلى ذلك العالم المتطور, إنها حول الوحدة, حول حاجتنا لشخص يفهمنا. هذا الفيلم يلامس الحقيقة بصدق وأمانة ليسأل أسئلة مرعبة من خلال صوت نظام التشغيل “أحياناً أظن أنني قد شعرت بكل شيء قد أشعر به”.. ” هل هذه المشاعر حقيقية”. تلك الاستفسارات جعلت النص قوياً جداً, بالرغم من إحساسي ببعص التشويش في منصفه. أنا مندهش بذلك المشهد الذي تخيل فيه “ثيودور” و”سامانثا” ممارسة الحب, كان أسود كلياً دون صورة, وفي ذلك الظلام وحدها المشاعر من تحدثت دون تلامس. أعتبر هذا المشهد واحداً من أكثر المشاهد المقيتة التي شاهدتها هذا العام. الرائع “خواكين فينيكس” كالعادة لا يفشل في أدوار كهذه, مقدماً عملاً يشبه “فيلم الرجل الواحد”, أما “سكارليت جوهانسون” ففي دورها الجريء المثير للجدل تثبت القدرة على صنع الإحساس بالصوت, مع تلك الأمنية البعيدة بامتلاك جسد لتكمل صناعة الحب. كل من الأزياء والموسيقى والسينماتوغرافيا والتصوير رائع, مع ألوان مبهجة, وجمال بصري, وحضور جميل لكل من “روني مارا” و”إيمي آدامز” و”أوليفيا وايلد”.

هل يمكن أن تكون العلاقات الافتراضية هي التطور الحتمي للارتباطات في مجتمعاتنا المزدهرة تقنياً؟ حقيقة الأمر, أنني لا أؤمن بالحب عبر الهاتف أو غرف “الشات” أو عن طريق الانترنت, كوني أفترض أن هذه الأشياء هي مجرد نوع من الإدمان, لكن بما أنه لا يمكن لأحد أن يخبرنا بالطبيعة الدقيقة فعلاً للحب, فإنه يمكن لي بسهولة أن أتخيل أن الكثير من الناس قد انغمسوا في ذلك, وأرفض فكرةً سمعتُها أن هذا الفيلم يتحدث مع الأشخاص الساذجين.

أخيراً. أحب هذا النوع الذي يماشي كوميديات “وودي آلن” التي تعرف كيف يدق إيقاع الحياة, وتحمل أطنان من الاستفهامات الذكية, وتخبئ كماً هائلاً من الأسى داخل ابتسامة.

9/10

IMDb|RT

Advertisements

2 thoughts on “Her – 2013

    • مرحباً بك. بصراحة, من الصعب أن أعد بذلك, فالترجمة السماعية دون وثيقة مكتوبة بلغة تعرفها تتطلب الكثير من التركيز بالفعل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s