مراجعات مترجمة / مراجعات الأفلام

Caché (Hidden) – 2005

Caché

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت

كيف يمكن أن تشاهد فيلم إثارة مرتين بتركيز ويفوتك الانتباه كلياً لدليل قاطع واضح مثل الشمس؟ هذا ما حدث معي. ولم أتمكن إلا خلال مشاهدتي الثالثة لفيلم Cache للمخرج مايكل هانيكه أن ألحظ لقطة أجبرتني على إعادة تعريف الفيلم تماماً. لم أكن الشخص الوحيد الذي يحدث معه ذلك، مع أني لم أقرأ جميع المراجعات عن الفيلم إلا أنني تصفحت الكثير منها بعد مشاهدتي لتلك اللقطة، ولم يذكرها أيٌ منهم، وبالتالي لم يشير النقاد إلى الخاتمة التي تقترحها تلك اللقطة.

وصفت الفيلم بأنه “إثارة” وهو كذلك، لكنه فيلم إثارة داخلي لا يفصح عن توتره بالحركة بل بحبسها بمكان عميق. يتمحور جوهر الفيلم حول عائلة تكتشف أنها ليست فقط تحت المراقبة بل مكشوفة تماماً. يتم مراقبة منزل العائلة البرجوازي الواقع على طريق فرعي في حي باريسي عادي من خلال اللقطة الافتتاحية للفيلم التي تستمر لخمس دقائق كاملة.

الكاميرا حبيسة في تركيزها على المنزل بواجهته الأمامية التي تكاد تكون مخفية عن الطريق بين الشجيرات، ولا يحدث شيء بتاتاً لثلاث دقائق تقريباً حتى تمر دراجة هوائية: الأمر الذي يوضّح أنها لقطة سينمائية وليست صورة جامدة. بعدها يخرج بعض الأشخاص من الباب الرئيسي لبدء يومهم، ومن ثم نشاهد إعادة شريط الفيديو ونسمع أصواتاً تناقش الموضوع، اللقطة كانت تراقب المنزل والآن باتت اللقطة نفسها تحت المراقبة.

كانت اللقطة موجودة في شريط تُرك على باب منزل آن وجورج لورينت (جولييت بينوش ودانييل أوتوي)، ولديهما ابن يبلغ من العمر 15 عاماً اسمه بييغو (ليستر ماكيدونسكي). يستضيف جورج برنامجاً حوارياً تلفزيونياً عن الكتب، وزوجته تعمل في النشر، وجدران منزلهما مُسطّرة بالكتب وغرفه مملوءة بالحواسيب ومعدات التحرير وكافة أدوات المعمل الافتراضي.

الفيديو الغامض هذا لوحده مثير للغضب، لكنهم يستلمون غيره وبعض منها يأتي معه رسومات طفولية: أحدها رأس كرتوني باللونين الأبيض والأسود مع شق من الدم الأحمر يخرج منه فمه أو من عنقه. من هو المرسل؟ وما هي الرسائل المقصودة منها؟ لقد عاش جورج وآنا خلف شجيرات منزلهما براحة لسنوات في حياة زوجية تبدو مستقرة. يزورهما الأصدقاء لتناول العشاء وتبادل أطراف الحديث المفيد. إن حياتهم كانت تسير بطريقة تقليدية مشتركة قبل هذه الأحداث.

Caché

تُحدث هذه الأشرطة شرخاً بينهما، فيبدأ بنقطة صغيرة في البداية قبل أن يجبرهما على الانفصال. يقول جورج أنه يملك أدنى فكرة عن الأشرطة ونحن نصدقه. بيد أن آنا تعرفه جيداً لدرجة أنها تشعر بأن الأشرطة تجعله منزعجاً من شيءٍ ما. فهو لديه أسرار ربما يخفيها حتى عن نفسه. فيزداد استيائه من أسئلتها، وتكتشف لاحقاً أنه يحتفظ بمعلومات معينة لنفسه ويخفيها عنها.

تقوم جولييت بينوش، الممثلة المثالية بتقمص الأدوار، بتغيير مشاعر شخصيتها بواقعية، فلا تصبح هستيرية بل تشعر بالإهانة فقط. إنها تحترم جورج ونلاحظ أنها تعرفه حسن المعرفة. قد يكون لا يخفي شيئاً فعلياً لكنه يبدو بتصرفاته أنه يخفي هذا اللاشيء. والممثل دانييل أوتوي يبدو كطفلٍ اكتشف شيئاً لتوه.

تصلهم أشرطة أخرى تطلب من جورج الذهاب بسيارته إلى عنوان معين وطرق باب محدد، وهناك يقابل ماجد (موريس بينيشو)، وهو رجل بنفس عمره تقريباً. الرجلان لم يتقابلا منذ أن كانا في الخامسة أو السادسة من العمر. هل هو مرسل الأشرطة؟ يقول ماجد أنه لا يعرف شيئاَ عنها، ونحن نصدقه فعلاً. يخفي جورج تفاصيل زيارته هذه عن آنا، والسبب أنه جازم بأن ماجد هو مصدر هذه الأشرطة ولابد أنه يعرف بأن ماجد لديه سبب وراء قيامه بهذا الأمر.

في ليلة هادئة في الغرفة النوم، تنظر إليه آنا وتسأله ببساطة: “ماذا فعلت به؟” هل يعرف جورج؟ سأترككم تكتشفون كيف عرف رجلان بعضهما وهما أطفال. ومهما كان الأمر الذي حصل فهو لا يزال عالقاً دون حل بينهما.

يحيط هانيكه هذا الغموض بتفاصيل الحياة اليومية مثل حفلات العشاء والاجتماعات المكتبية وتحضير الوجبات وتسجيل البرنامج التلفزيوني وغداء بين آنا وصديق مشترك وزيارة جورج لوالدته المسنة. أضف إلى كذلك مشاكل ابنهما بييغو المراهق الغاضب والمتحفظ كما يتصرف المراهقين الذين ليس لديهم ما يشتكون منه سوى استيائهم من الحياة. يخيفهم بييغو عندما يختفي طوال الليل، فيتم استدعاء الشرطة قبل أن يُفسر سبب غيابه لاحقاً وتغادر. جورج لا يريد أن يعرض مسألة الأشرطة للشرطة لأن زوجته ترى أنه يعترض زيادة عن اللزوم.

Caché

نسأل أنفسنا: هل يكمن الغموض الحقيقي في هوية مرسل الأشرطة أم في الشعور الذي تسببه في نفسية جورج؟ يتحول التركيز من تهديد خارجي إلى آخر مختبئ في شخصيته، فانتباه المخرج يتمحور حول انفصال الزوجين وليس حول مصدر الأشرطة والرسوم. وفعلاً عندما نكتشف مصدر صور الفم والرقبة الدموي، لا نجد شيئاً يقترح أن ماجد هو المرسل. سبب ذلك على الأغلب هو موريس بينيشو الذي يؤدي دور ماجد بطريقة تقنعنا ببراءته. أكرر: نحن نصدقه.

إن هانيكه المخرج النمساوي البارع والذي فاز فيلمه The White Ribbon بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 2009، صانع أفلام شديد التنقيح بأدق التفصيل، فكاميراته موضوعة بدقة ويتحكم بما نراه وكيف نراه بإحكام مطلق، ووجهة النظر هنا هي العامل الأهم. كما أن الصور الخلفية لأخبار التلفزيون في الفيلم قد تكون ذات صلة بالأحداث، فنحن نعلم من جورج عن حادثة مخفية لمدة طويلة وقعت عام 1961 خلال مظاهرات الجزائريين في باريس، عندها تم العثور على 200 جثة متظاهر وهي تطوف على نهر السين. كيف يمكن لمثل هذه الحادثة أن تُنسى؟ هل خبئتها فرنسا في ذاكرتها؟

الكاميرا الثابتة تكون موضوعية أما المتحركة فتشير إلى منظور المشاهد الشخصي، سواء كان هذا المشاهد هو الشخصية أو المخرج أو الجمهور. يستخدم المخرج أسلوب جعل الكاميرا “تتحرك” بالزمن وليس بالمكان. ولقطاته الثابتة التي تتحرك الأشياء من حولها تعتبر موضوعية، وعندما يتم عكس اللقطة عبر جهاز الفيديو تصبح اللقطة شخصية. ومثلها هي اللقطات داخل منزل لورينت التي تبدو أحيانا موضوعية، ويوضّح ذلك حقيقة أن بعض الأشرطة تبدو أنها صوّرت من زوايا عريضة أو كاملة، مثل الشريط المصوّر داخل شقة ماجد. إن لم يكن من تصوير ماجد فمن صورّها؟ وهناك لقطة عكسية في شقة ماجد تعرض    الرفوف التي استخدمت لإخفاء الكاميرا كي يتم تصوير الشريط. وإذا قمت بتقديم اللقطة كل إطار على حدا سترى في الرف الأخير عدسة كاميرا على ما يبدو، أو ربما لا، فهي تبدو كبيرة جداً.

أحد الشخصيات يعرف شيئاً وجورج ربما يشتبه به، والأمر يعود إلى سنته الخامسة: كم نتذكر أو نفهم من ذلك العمر في حياتنا؟ أما ماجد فيعرف ذلك الشيء، وربما ابنه الكبير (وليد أفكير) يعرف لكنه ينكر ذلك وهو أيضاً مقنع بكلامه. ووفقاً لـ”قانون اقتصاد الشخصيات” لا يتبقى أمامنا إلا لاعب واحد وهو بييغو، الابن. ما الذي ممكن أن يعرفه وكيف له أن يعرف سراً قد لا يكون واضحاً حتى لوالده الذي قطعاً لم يناقشه مع ابنه من قبل.

ومع ذلك فإن الإبن أيضاً يبدو بعيداً عن الشبهات، مثل باقي الشخصيات. يقول المخرج في مقابلة موجودة في DVD الفيلم أنه مسرور بإرباك توقعاتنا، ويضيف أن أولئك الذين تربوا على السينما التقليدية تعودوا أن تحل لهم النهاية كل شيء “كي يغادروا الفيلم وينسوه بعد ذلك” كما أنه يناقش العديد من التفسيرات للفيلم ويشير بأن جميعها غير ضرورية.

وهناك اللقطة الأخير للفيلم التي نوقشت بشكل كبير، حيث تعرض اجتماع شخصيتين ليس من المفترض أن يعرفا بعضهما، ما الذي تعنيه؟ وهل تحل شيئاً؟ المخرج مسرور أنه صمم اللقطة بشكل لم يتمكن بفضلها نصف الجمهور أن يلحظهما وذلك ضمن إطار واسع مليء بالحشد الإضافي. والآن أدعوكم للانتباه إلى اللقطة التي فاتتني في المشاهدة الأولى، ستجدها في الـDVD عند 20:39 تقريباً، وأخبرني ما تعنيه، فهي الدليل القاطع الذي تحدثت عنه، لكن هل وصلت لأحد؟

Caché

IMDb | RT

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s