كلاسيكيات / نظرة سريعة

حين وجد أليكس ضالته في العنف الديني

في فيلم “برتقالة آلية” (1971) -للعظيم، المتفرِّد، السابق لعصره.. ستانلي كوبريك- يعمل أليكس (مالكولم ماكدويل) -بعد أن حكم عليه بالسجن 14 عاماً إثر تسببه بمقتل امرأة- مساعداً لقسيس السجن، وتُتاح له فرصة قراءة “الكتاب المقدَّس”، و بعكس ما هو متوقع من شابٍ مهووسٍ بالعنف والجنس، ومُنفلت من أي قيد أخلاقي و قيمي، يتأثر أليكس بالكتاب! لكن حين نعرف بماذا تأثَّر تحديداً، وما الذي أحبَّه هذا الشاب -التوَّاقُ إلى العنف والدم- في الكتاب المقدَّس، يُعرَفُ السبب ويَذهبُ العجب.

أثناء قراءته “الكتاب المقدَّس” تجتاح أليكس موجة من الخيالات، يستلهمُهَا مما يقرأه من قصص في “العهد القديم”، لكن عوضاً عن تخيُّل نفسه مكان يسوع وهو على الصليب، يتقمَّص في إحدى خيالاته شخصية جندي روماني يجلد يسوع. وبدلاً من التأثر بـ”إنسانية” المسيح، ودعوته للخير والمحبة والتسامح..الخ، يتصوَّر نفسه جندياً في إحدى معارك العهد القديم، يجّز الأعناق، ويشق البطون، ويتلذذ بجمالية الدم. وبعكس يسوع الذي قال: “إن كل من ينظر إلى امرأَةٍ بقصد أن يشتهيها فقد زنى بها في قلبه.” (إنجيل متى 5:28)، يسرح أليكس بعيداً في خياله الجنسي، يرى نفسه محاطاً بنساءٍ عاريات، إحداهن تطعمه العنب -في مشهد تخيُّلي تُذكِّر تفاصيله بالجنة- بالتزامن مع موسيقى “شهرزاد” للموسيقار الروسي “نيكولاي ريمسكي كورساكوف” في خلفية المشهد المتخيَّل.

vlcsnap-2016-02-26-02h12m20s392

وفي رفضٍ واضحٍ للوعظ الأخلاقي المسيحي، ولنهج يسوع في نبذ السيف وذم الحرب، يقول أليكس: “لم يستهويني الجزء الأخير من الكتاب (يقصد العهد الجديد)، الذي تطغى فيه المواعظ على المعارك والمُضاجعات”. لكنه يُعلن إنبهاره بالعهد القديم: “أحببتُ الأجزاء التي تحكي قصص اليهود وهو يقاتلون ويذحبون بعضهم، ثم يحتسون النبيذ العبري، ويعاشرون وصيفات زوجاتهم.. هذه القصص أثارتني للاستمرار في القراءة!”.

في هذا الجزء من الفيلم، يمكن فهم علاقة المتطرِّف بالدين.. ما الذي يجذبه إليه؟ وكيف يتأثر شاب عنيف وفاسد، وغارق بالملذَّات بالدين، وبأي نصوص الدين يتأثر؟.. تأثُّر أليكس بالكتاب المقدَّس كان انتقائياً، لقد تأثَّر فقط بالأجزاء المتمحورة حول المعارك والقتل والدم، والجنس في “العهد القديم”، وهي كثيرة جداً (يمكن مراجعة كتاب “حكايا محرَّمة في التوراة”، للمزيد عن الخيال الجنسي الخلَّاق للَّذينَ كتبوا العهد القديم)، ونفرَ من العهد الجديد، ومن حديثه الوعظي المكرَّر عن المحبة والسلام ونبذ العنف.

ومثلما انتقى أليكس ما يبحث عنه وما يحتاجه، وما ينسجم مع ميوله ورغباته (العنف، الجنس) من الكتاب المقدَّس، ينتقي المتطرِّفون ما يريدونه، ما يحتاجونه، ما يرغبون به من النصوص الدينية، فيختزلون الدين بالنصوص التي تتحدث عن القتال، ليخلقوا نسقاً ضيِّقاً منه، يحصره في القوة والعنف الشرعي والحرب المقدَّسة.

وليس من باب المُصادفة أن كثيراً من الَّذين انتهى بهم المطاف في صفوف الجماعات الإرهابية، كانوا أصحاب سوابق و”خريجي سجون” و”بلطجية”، لأنهم كانوا يبحثون عن وسيلة لتفريغ القوة المكبوتة في أعماقهم، وتصريف ما فاضَ منها، وبدلاً من تفريغها في “البلطجة” و”الحرابة” يُفرغونها في معارك خارج حدود بلدانهم، يقاتلون فيها من أجل الغنائم، وممارسة الجنس الحلال مع السبايا، ومن أجل مشاهدة الرؤوس وهي تتدحرج بعد قطعها بالسيوف، والدماء وهي تتدفق من الأجساد كماء النافورة!

ما يجذب المتطرفين إلى الدين، هو ما جذب أليكس إليه، لا النصوص التي تنهى عن القتل، وتعتبر قتل نفسٍ كقتل الناس جميعاً، ولا النصوص التي تدعو إلى السلم، بل تلك التي تدعو إلى القتال والحرب، وهي نصوص جاءت في سياقات زمانية محددة، لا يمكن فهمها إلا بفهم تلك السياقات، لكن المتطرِّف لا يعقِل ذلك، فهو يرى معتقده فوق التاريخ، وهو ما كانَ ليؤمن به إلاَّ لتضمُّنه تلك النصوص، لأنَّه مثل “أليكس” وكل متطرف تتملَّكه إرادة العنف، وجد ضالته في العنف الديني.

vlcsnap-2016-02-25-21h35m58s098

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s