مراجعات الأفلام / السينما اليوم

Irrational Man – 2015

جابر الغـول

«الإنسان ليس شيئاً آخر، سوى ما يصنعه من نفسه»
جان بول سارتر

«إنَّنا جميعاً تحتَ رحمةِ الصُدفة..»
آيب لوكاس

irrational_man_8_phoenix

من يعرِفُ “وودي آلن” جيِّداً، سيكون قادراً على التنبؤ بمعظم مجريات فيلمه الأخير “رجل لا عقلاني”، خاصة مع بداية الثلث الثاني منه، ستصبح معرفة ما ستؤول إليه الأحداث أمراً سهلاً، وسيبدو الفيلم كالـDeja vu (أي شوهد من قبل)، لموضوعاته التي سبق أن عالجها “آلن” في اثنين من أعظم أعماله وأكثرها إثارة للمُعضلات الأخلاقية، واشدَّها تطرفاً في تحطيم المسلَّمات الأخلاقية الصنميَّة بمطرقة الإنسان الحُر.. “الجرائم والجُنَح” (1989)، و“نقطة تلاقي” (2005).

ربمَّا هذه مشكلة الفيلم، أنّه ظاهريَّاً إعادة إنتاج لموضوعاتٍ مُفضَّلة لدى “آلن”، لكنه بدا لي أكثر من ذلك، هناك ما هو جديد، ما هو أكثر تطوراً وتعقيداً -على مستوى الفكرة على الأقل- وحتى لو فرضنا أن لا شيء جديد، مجرَّد تناول فكرة مُشابهة كل مرَّة بمعالجة جديدة، دليلٌ على قدرة آلن اللانهائية على الخلق والابتكار وطرح أكثر التساؤلات التي يهرب منها البشر لأخلاقيتهم المُفرِطة.

الفيلم بمثابة بيانٍ فلسفي يحمل توقيع “وودي آلن” العبقري ذو الثمانين عاماً، المهووس بالعدم كحقيقة وحيدة، وبالوجود ومعناه، بالموت، بالحب ولا جدواه، وبالأخلاق ونقدِها ونقضِها، اليهودي المُلحد المتأثر بفرويد، المعادي بتطرّف لكل الأديان، ومع ذلك المُلتصِق بثقافته اليهودية، التي نسمع صداها في معظم أعماله. بيان “آلن” يُعلي من شأن الإرادة الحرَّة، وينتصر لصناعة الفرد لمعنى لوجوده -الخاوي من أي معنى مُسبق- بمعزل عمّا هو خارجي أو متجاوز من منظومات قيمية أخلاقية ودينية، بفضل أفعاله لا شيء آخر. والصُدفة هي التي تحرك الأشياء وتُوجِّهُها، لا “الإله”.. والصُدفة وحدها، ستقلِبُ عَالَم بطل الفيلم وتُحوِّله من العدميَّة السلبيّة والقنوط وإرادة الفناء، إلى العدميّة الإيجابية البنَّاءة وإرادة الحياة.

وودي آلن، للمرَّة الثالثة، ينظر للقتل من زاويته الخاصة، يُعالِجُه خارج الإطار التقليدي، الذي يرى القتل جريمة مهما كانت مبرراته أو دوافعه، والظروف التي قادت إليه، والسياقات التي حدث فيها. القتل في فيلم (الجرائم والجُنَح) كان ضرورياً، الطريق الوحيد والأخير، لجأ إليه طبيب العيون اليهودي “يهوذا” مُضطرَّاً بعد أن انسدت في وجهه كل السبل، ولم يقم به مُباشرة.. بيديه. ومع نهاية الفيلم وانفلاته من العقوبة، يبدو فعل القتل عادياً، ومبرَّراً، ويبدو القتل مثل الكذب، من الممكن أن يكون أبيضاً أحياناً، بحسب الغاية منه. وفي (نقطة تلاقي)، يِحبِك القاتل لاعب التنس السابق “كريس ويلتون”، جريمته بإتقان وحِرَفيَّة، متأثِّراً بفلسفة الروائي الروسي “داستاييفسكي”، ويقتل الفتاة التي أحبَّها حُباً شهوانياً، بعد أن كانت ستدمر حياته، وتُفقده كل مكتسباته الاجتماعية والاقتصادية، بعد أن تفضح أمر خيانته لزوجته الثريَّة، وحتى تبدو الجريمة كاملة، يضفي عليها طابع السرقة، فيقتل امرأة عجوز، معتبراً أنها ضرر جانبي لا بُدَّ منه لاكتمال جريمته.

في الفيلمين السابقين القتلة، كان يصيبهم تأنيب ضمير سرعان ما يضمحلُّ، لاكتمال الجريمة وانعدام العقوبة. لكن في هذا الفيلم الأمر مختلف كثيراً، الجريمة ليست لدوافع شخصية، وهي ليست الملاذ الأخير الذي يلجأ إليه المرء بعد انسداد كافة الطرق الحضارية لحل مشكلة ما. الجريمة هذه المرة مؤطَّرة فلسفياً، القتل هنا فعل جمالي فني، أخلاقي لأنه يهدف لجعل العالم مكان أفضل. القاتل هنا أستاذ الفلسفة الجامعي “لوكاس آيب” (خواكين فينيكس) المعذَّب، الغارق في العدم، المدرك للاجدوى الحياة، وسخافة الوجود، اليائس من الفلسفة التي أفنى ردحاً طويلاً من الزمن في رحابها وأروقتها، لم توصله لشيء ولن توصله لأنه لا شيء هُناك حتى نصل إليه. ويعلن أمام طلبته أنها مجرَّد استمناء لفظي. “آيب” مُصاب بانسداد فكري منذ أن فقد شهيته للحياة – بعد خيانة زوجته له ومقتل صديقه في العراق -، حتى الجنس لا يعود قادراً على مُمارسته، لا لعجزه، إنما لفقدان الأشياء معناها، وفقدان المتع طعمها والملذات مذاقها الشهي، وانهيار كل شيء على صخرة العدم.

يُغازل آيب الموت مِراراً، ويغدو شهوته الوحيدة، يقترب منه، حين يلعب الروليت الروسي، لكن الصُدفة والاحتمالات تُنقذانه! والصُدفة ذاتها تقلب حياته، صدفة كسائِر الصدف التي عرَّفته على الفتاة التي تصغره كثيراً، التي أحبَّها، وأحبَّته بعد أن أغوتها فلسفته وشخصيته الاستثنائية المركَّبة، التي لم تجدها في أبناء جيلها “العاديين المُملّين”.. “جيل” (إيما ستون) التي كان للصدفة حكمتها في إتاحة لقائه بها (ستنكشف الحكمة في نهاية الفيلم).

irrational-man-resized

ذات يوم، يستمع بالصُدفة المحضة، لمشكلة امرأة مع زوجها الظالم، مشكلتها قد تُحلُّ بسهولة، إذا ما تغيَّر القاضي الفاسد الذي يحكم في قضيَّتها، تتمنى المرأة أن يصاب القاضي بالسرطان، لكي تتخلَّص منه، فيهبط الوحي الفلسفي على آيب بعد انقطاعه عنه طويلاً.. يُفكِّر: “المرأة تتمنى موت القاضي، لكن التمني لا يفعل شيئاً، إذا أردته ميِّتاً عليك أن تقدم على خطوة فعلية، أن تقتله! وهي غير قادرة على ذلك.. أنا من سأقتله، مع أني لستُ طرفاً في القصة، لكن القاضي يستحق القتل، والوجود سيصبح أفضل بدونه، وأكون أنا قد أديت خدمة للمرأة وأعدت أطفالها لها، وبالتالي  القتل هنا، ليس جريمة، بل فعل أخلاقي، نفعه أكبر من ضرره، مساعدة امرأة مظلومة مقابل سلب حياة إنسانٍ سيء”. التحدّي الإبداعي لارتكاب جريمة كاملة يثير “آيب”، ويؤمن أنَّه بوساطته سيعيد الاتصال بكينونته، وسيجد معنى لحياته كانَ تائهاً عنه، بممارسة فعلٍ يؤكِّد فيه إرادته الحرَّة ومسؤوليته عن أفعاله. وتبدأ حياته بالتبدل حتى قبل أن يرتكب الجريمة، يمارس الجنس بعنفوانٍ مُتفجّر.. بشراهة بعد أن فقد لذَّته لفترة طويلة، يحتسي الخمر بنشوةٍ لم يعهدها، يجد في كل شيء أشياء لم يكن يراها في فترة اعتكافه في غار اليأس.

يُخطّط “آيب” بهدوء لجريمته، ويستعين بـ”داستاييفسكي” وروايته الجريمة والعقاب -كما استعان به القاتل في فيلم (نقطة تلاقي)-، يتجنب أي ثغرة قد تقود إليه، يستغل عقله المتَّقِد ذكاءً، ومهاراته الحياتية في إبداع جريمة كاملة، لن يشك أحدٌ بأنه ورائها. يقتل القاضي، ويسجل أول إنجازٍ، يضاهي كل نتاجه الأكاديمي في الفلسفة، يستمتع بفعل القتل ويراه فنَّاً خلاقاً لا شراً وجريمة، ويفتخر بجمالية ابداع جريمة كاملة. إنَّه يرتكب جريمة من أجل الفلسفة، الفلسفة التي لم تعد مجرَّد استمناء لفظي، فيطبِّقها في سلب حياة شخص فاسد، وفي مساعدة امرأة مظلومة، والأهم من ذلك في بثِّ إرادة الحياة في عروقه، وفي حبُّها واغتنام ملذَّاتها واقتناص أجمل لحظاتها قبل أن تنتهي.

لكنَّ جريمته لا تكون كاملة أبداً، لسانه، وغروره، وجنون العظمة الذي أصابه بعد الاستفاقة من سكرة العدم السلبي، وتواجد أشخاص غير مناسبين في المكان غير المناسب، تفسد عليه الانتشاء بجريمته المثالية المؤطَّرة بالعدميَّة – الوجودية، عدمية من حيث أن الأشياء في حد ذاتها لا معنى لها، ومن حيث تحطيمها للمنظومات الأخلاقية والقيمية الضيِّقة، التي ابتدعت لكبتِ ما هو جزءٌ من الطبيعة البشرية ومسخه. ووجودية من حيث تأسيسها وبنائها لمنظومات جديدة مصدرها الإنسان، وتُعنى بالإنسان فقط، وإرادته الحرة ومسؤوليته عن أفعاله، وأي فعلٍ يُحاكَم -بحسب هذه المنظومة الجديدة- بناءً على مقدار المنفعة والضرر الذي يجلبه لـ”الإنسان الفرد” أولاً، فالقتل طالما أنه يدفع ضرراً أكبر من ضرر “القتل” نفسه، فهو فعل أخلاقي، بغض النظر عن أي اعتبارات ترى قتل النفس البشرية محرَّماً بالمطلق. ومنذ بداية الفيلم، يرفض “آيب” الأحكام الأخلاقية المطلقة، ويستشهِد بالكذب للدلالة على أن بعض الأفعال اللأخلاقية تأخذ شكلاً أخلاقياً، في مواقف تتطلب أن تكذب فيها من أجل دفع شرٍ أكبر من الكذب، ويقول إننا في عالم مثالي فقط، يمكننا أن نتوقف عن فعلِ ما هو جزء أصيل من طبيعتنا.

ينفضح سِرُّه، ويظهر أن جريمته الكاملة مليئة بالعيوب والثغرات، لكنها الأولى، وسيتعلَّم في الجرائم القادمة فلا يكرر أخطائه! حبيبته “جيل” تهدد بإبلاغ الشرطة عنه، إذا لم يسلم نفسه، وهو لن يفعل ذلك، فبعد أن تذوَّق طعم الحياة الجديدة، وأدمَن مَلذَّاتها، وأحبَّ بهجَتَها، أصبحت غريزة البقاء مقدَّمة عنده على أي شيء، حتى “الحُب”. ولأنه لم يكتفِ بجريمة واحدة، والجريمة الأولى فتحت شهيَّته على جرائم أخرى، يقرر التخلُّص منها بجريمة أخرى كاملة.. يدرسها، يخطط لها، يُفلسِفُها. لكنها لا تنجح، الصُدفة.. الصدفة التي كان يتشدَّق بها وبنصرتها الدائمة له.. ستُفشل جريمته الثانية غير المكتملة والأخيرة!

irrational-man-joaquin-phoenix-parker-posey1.jpg

هناك بعض الملاحظات الجانبية على الفيلم، منها: هل كانت إرادة القتل موجودة في “آيب” حتى في فترة سباته الفلسفي وبغضِه للحياة؟ قد نجد في بدايات الفيلم دليلاً يعزّز هذه الفرضية، كتابه عن “هايدجر والفاشية”، قد يخبرنا بأن ميولاً فاشية نائمة أو كامنة في أعماق الرجل، وحينَ عرفَ عن قصة القاضي، وأثارته فكرة الجريمة الكاملة، برزت هذه الميول على السطح، وقرَّر إطلاق العنان لها تحت غطاء الفلسفة الوجودية.. ربما؟!

تأثير “ألفريد هيتشكوك” واضح جداً، تحديداً في فيلميه (الحبل 1948) و(غرباء على القطار 1951). اعتبار “آيب” القتل فنَّاً وإبداعاً خلاقاً، ورفض الحُكم عليه بمعايير أخلاقية تقليدية، ومنح نفسه صلاحية قتل نفسٍ لأنها لا تستحق الحياة، يذكِّر بفيلم (الحبل)، حين قَتلَ “فيليب” و”براندون” صديقهما شنقاً وأخفيا جثَّته في صندوق، من منطلق فلسفي، لأنه يستحقُّ الموت، ولأن فعل القتل أخلاقي بالنسبة للنخبة المُصطفاة، التي لا تحتاج مفاهيم مثل الخير والشر، والصح والخطأ التي اختُرِعَت للإنسان العادي. الفارق الوحيد، أن “آيب” قتلَ ليصنع معنىً لحياته، أمَّا “فيليب” و”براندون” فقتلا تطبيقاً لمفاهيم مُستَقاة من فلسفة “نيتشه”، وإيماناً بتفوّقهما، بانتمائهما للإنسان الأعلى، وبدونية الضحية. وفي ما يتعلق بالجريمة الكاملة، وبفكرة أن تقتل شخصاً لا صلة لك به، فلا يشك أحد بك، يُذكِّر هذا على الفور بفيلم هيتشكوك (غرباء على القطار)، حين اقترح المختلُّ النفسي على بطل التنس أن يقتل له زوجته، مقابل قتل والده، فلا يكونان محل شك واشتباه، وتكون الجريمة كاملة.

عليَّ أن أعترف، بإعجابي بفلسفة “آيب”، ولا أملك إلاَّ أن أوافقه، مع بعض التحفّظات، على موقفه من القتل، لقد أغواني كما أغوى “جيل” وآخرين في الفيلم، بسحر منطقه، وبواقعيته لا رومانسيته فيما يتعلق بالقتل، إنه مُحقّ.. القتل ليس دائماً جريمة، والقتل على مرّ العصور مُمثَّلاً بالحروب كان أهمَّ أدوات صناعة الحضارة، وهو مُحقٌ أيضاً، في أن هناك أشخاص العالم أفضل بدونهم، لكن كيف تتخلَّص منهم بالدعاء والتمني أم بالقانون؟ أم بإرادتك الحرَّة (مع أني أشك بأنها حرَّة بالكامل!). يبدو “آيب” هنا أقرب إلى اللاسُلطويين، لا من الناحية الأيديولوجية السياسية، بل من ناحية فلسفية، إنه لاسُلطوي فردي، لرفضه أي سُلطة خارجية تفرِضُ نفسها على الفرد، سواء كانت ديناً، أو مجتمعاً، أو قانوناً، أو منظومة أخلاقية تقهر الإنسان وتكبِّله بأغلال قواعدها. لاسُلطوي، في عدم حاجته للقانون لفعل ما يراه أخلاقياً، إنه يفعل ذلك بيده.. إنه الإنسانُ الحر.. الأعلى، الذي يفيض قوَّة ورغبةً بالحياة، ويخلص في حبِّه لها، فيلتحِم بها، ويقدّم حبها على حب أقربِ الناس له.

إنبهاري بالفيلم -لأفكاره ولأسباب ذاتية تتعلق باعتقادي ببعضٍ منها- لا يعني أن بعض الخلل لم يعتريه، فثمَّة شيء مفقود فيه، ربما الحبكة البسيطة والمتوقَّعة -بعكس فيلميه الَّذينِ سبق ذكرهما- والشخصيَّات التي يعوزُها التركيب، والتي تُنسى لحظة انتهاء الفيلم، بعكس الشخصيات الغنيَّة والمركبة التي عوَّدنا عليها “آلن” في مجمل أعماله، حتى في تلك الأقل جودة. كما أن الفيلم مزدحمٌ بأفكار كثيرة، ويكاد أن ينفجر من كثرتها، ومدته الزمنية المحدودة (ساعة و34 دقيقة).. تزيد الأمور سوءاً، فيبدو وكأنه قد طُبِخَ على نارٍ عالية جداً، فكانت النتيجة أن احترقت بعض أجزائه.. لكن، ذلك ليس بالمشكلة الكبيرة، لمن يحب “وودي آلن” ويضعه على رأس قائمة مُخرجيه المُفضَّلين، ولمن يعتبر سينماه دروساً في الفلسفة، في الحياة، وهذا الفيلم درسٌ صغير.. لا يمكن أخذه من الكتب.vlcsnap-2016-03-10-17h15m49s396

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s