مراجعات الأفلام / السينما اليوم

The Hunger Games: Mockingjay / Part 2 – 2015

vlcsnap-2016-03-15-00h58m31s805

جابر الغول

إذا كنت ثوريَّاً، حتى لو نظريَّاً، تدعم نضالات “الشعوب” من خلف الشاشات، فعلى الأغلب فيلم “ألعاب الجوع: الطائر المقلّد – الجزء الثاني” لن ينال إعجابك، وهناك احتمال كبير أن تحتقره وتتهمه بالرجعيَّة. وإنْ كنتَ مُولعاً بالتصنيفات، قد تصنِّفُه في خانة اليمين، لشيء واحد، لم يكن موجوداً في الأجزاء الثلاثة السابقة.. وهو إبراز وجهٍ آخر للثورة، ونزع القداسة عن الثوار، وإن كان على نحوٍ غير مباشر.

لا يعني ذلك أن الجزء الرابع والأخير من السلسلة المُقتبسة عن ثلاثية الروائية الأميركية (سوزان كولينز) والذي أخرجه (فرانسيس لورانس)، مُعادٍ للثورة -إحدى موضوعات السلسلة الرئيسة- لكنَّه وعلى نحوٍ مُفاجئ أقلّ تَحمُّساً لها من ذي قبل، وأكثر جرأةً في نقد مثالِبِها، وأقلّ شيطنةً للنظام الشمولي، دون أي محاولاتٍ مُحافِظَة للإقناع بضرورة بقاءه أو تبرير عُنفه. الفيلم الذي كانت أجزائه السابقة تميلُ نحوَ اليسار، بدا لي مُتحفّظاً جداً في مدحه للخيار الثوري، ومُحذّراً من مغبَّة تحوِّل الثورة إلى نقيضِها، إلى ديكتاتورية جديدة.

يُستهلُّ الفيلم بثورة مقاطعات دولة “بانيم”، المُستمرّة ضد العاصمة “الكابيتول” (هل لاختيار هذا الإسم علاقة بمقر الكونغرس الأميركي؟) والرئيس المستبِّد “سنو” (دونالد سثرلاند). “الثورة” تأخذ منحى جديد، “كايتنس” (جينيفر لورانس) محور السلسلة كلها، رمز الثورة، تُشكِّل تهديداً لطموحات زعيمة الثوار “ألما كُويْن” (جوليان مور)، فتقوم بتحجيمها، عبر تحويلها إلى أداة في البروباغندا الثوريَّة، واستغلال شعبيَّتِها لتحفيز الناس على القتال والتضحيَّة من أجل الخلاص من “الديكتاتور المُجرم سنو”. “كايتنس” تُدرِكُ بأنها تُستغلُّ لتفريغ شهوات سلطوية مكبوتة داخل زعيمة الثوَّار، فتتمرَّدُ عليها، وتصنع خطَّتها الخاصة، وتُذهبُ لوحدها إلى العاصمة لقتل “سنو”.

أمام قصر “سنو” تشهدُ “كايتنس” مذبحةً جديدة، يروح ضحيَّتُها أبرياء، معظمهم أطفال، مذبحة من سلسلة مذابح اعتادت أن تكونَ شاهدةً عليها، لكن هذه المرة أُختها الوحيدة “بريم” إحدى ضحاياها، والمذبحة لا يرتكبها “سنو”، ولن تكون معرفة منفِّذيها الحقيقيين مُفاجِئَة أبداً.

بعد أن يتمَّ إسقاط “سنو” -بعد أن أراد الشعب ذلك!- يبوح لكايتنس بسرٍّ سيقلِب الموازين ويرسمُ خاتمةً غير متوقعة، يُخبرها “الرئيس المخلوع” بأن زعيمة الثوَّار “كويْن”، هي المسؤولة تخطيطاً وتنفيذاً، عن قصف جموع اللاجئين من سكان العاصمة أمام قصر “سنو”، لتتهمه بفعل ذلك لكبح جماح الثورة، لتقول بأنَّه “يقتل شعبه”، (كأن هذا السيناريو حدث قبل هذه المرَّة.. أين يا ترى؟)، وبهذه المجزرة، تكسبُ “انشقاق” مؤيديه وآخر حرسه عليه، وتكون تلك الرصاصة الأخيرة في جسد نظامه الشمولي المُنهك، الآيل للسقوط.

“كايتنس” لا تُصدِّق ذلك، مع علمها بأن “كويْن” تؤله كرسي الحكم وتذوب في عشق السلطة، ومستعدة لفعل أي شيء لأجل ذلك، لكن ليس لدرجة ارتكاب مذبحة يفترض أن الثورة اندلعت من أجل منع حدوث مثلها. وفي لحظة من أفضل لحظات الفيلم وأهمِّها لفهم مبدأ “احتكار الدولة لوسائل العنف”، يُفحِمُ “سنو” “كايتنس”، يقول لها: “أنا أقتل لأسبابٍ مُحدَّدة، ولم يكنْ لديَّ أيّ سببٍ لتدمير حظيرة تعجُّ بالأطفال”، (يرمز ذلك للعنف الذي تحتكره الدولة، خاصةً الدولة “المُتحضِّرة” -مع التحفظ على ما يعنيه التحضُّر- التي لا تقتل لأجل القتل، بل لسببٍ يستدعيه، بعكس الدولة الاستبدادية الشمولية المُتخلِّفة، التي يكون العنف والقتل خيارها الأول والأخير، اللغة الوحيدة التي تفهمها).

تكتشف “كايتنس” أنها مجرَّد دمية -مثل كثير من الثوَّار عبر التاريخ- تم استعمالها للوصول إلى أعلى درجات النشوة لدى الإنسان.. السلطة. لقد استغلَّت كوين ثوريَّة “كايتنس” العفوية والصادقة، لتحقيق غايتها الحقيقية من الثورة، الممثلة في استبدال ديكتاتور، بديكتاتور جديد.. استبدال “سنو” بها، تغيير شكلي مع الإبقاء على سياسات سنو القمعية، حتى “ألعاب الجوع” التي كانت إحدى طرق “سنو” (الداروينية الاجتماعية) المفضلة في إذلال الناس، واستلاب إنسانيتهم، وجعلهم يتنافسون على قتل بعضهم في سبيل البقاء، أعادت إحياءها!

مشهد قتل “سنو”، يعيد إلى الأذهان مقتل “القذَّافي” على أيدي “الثوَّار” الليبيين أمام الكاميرات، “سنو” تُعذِّبُه الحشود الغاضبة وتقتله أيضاً أمام الكاميرات. لنقف قليلاً عند مشهد قتل القذافي، ومشهد قتل “سنو”.. ألا يبدو أن هذا فقط، ما يبتغيه الثوَّار دائماً، الانتقام، وشفاء الغليل، عبر بعضٍ من القتل والسحل والشنق وقطع الأعناق والأطراف والتمثيل بالجثث الذي لا يضر الثورة ولا يمس نزاهة الثوريين، ويكن اعتباره “ترفيها ثوريَّاً؟. وتفاصيل شكل الحكم الجديد، وحقيقة أن سلطة غاشمة أخرى باتت تحكمهم، وأنه لم يتغيَّر شيء إلاَّ المظهر، أما الجوهر فيتبدَّل للأسوأ، يبدو أن كل هذه الأشياء لا تهم الإنسان الظمآن إلى الحرية، الإنسان الذي لا يكفّ أنصار أيديولوجيات مُحدَّدة عن التغني بإنسانيَّته، مع أنه على استعداد لبيعهم، وبيع نضالهم من أجله، ونظريَّاتهم الثورية التي لا يقدر عقله على هضمها، ووعودهم له بجنة أرضية، مقابل الجنة الأُخروية الغيبية.

vlcsnap-2016-03-15-00h59m27s701

باعتقادي لا يمكن فهم الفيلم والرسائل المُبطَّنة فيه، إلاَّ بالنظر له كاملاً كإسقاطٍ على “الثورات” التي اندلعت في المنطقة العربية عام 2011، وتحوُّلِها إلى حروب أهلية، وحلبة لتصارُع القوى الكبرى، وساحة لمعارك ثأرٍ وانتقام يعود عمرها لأكثر من ألف عام.

لنقُم بجولة سريعة على الدول التي اندلعت فيها “الثورات” والانتفاضات، ألاَّ تشبه دولة “بانيم” دول “الشرق الأوسط” التي ما زالت الثورة مستمرة فيها؟ مشاهد الخراب والدمار -التي تذكر بسوريا تحديداً- والصراعاتُ اللانهائية بين أطرافٍ تسعى إلى شيءٍ واحد، إلى السلطة، وآلاف الأبرياء تُهدَرُ حياتهم وتُسلب أرواحهم، ويعتبرهم المُتصارعون -خاصة الثوار- ضرراً جانبياً، ضحايا لا بد منهم من أجل بلادٍ ديمقراطية، تعددية، من أجل الحريَّة..الخ.

ألا تمثّل “كُويْن” قادة الثوَّار، ومفجِّري الثورات في كل زمانٍ ومكان، أشخاصٌ تتملَّكُهُم إرادة السُلطة، وهذا شيء فطري، لا أعتقد أن إنساناً لا يرضخ لسلطان الطبيعة، ولا يستجيب للحياة وإرادتها، يمقُت السلطة أو لا يسعى لها باختلاف صورها وأشكالها. لكن ما يُميز هؤلاء أّنَّ شبقهم لها في السرّ، وفي العلن يرفعون شعارات الشعب، والحريَّة، والتظاهر بعدم السعي للسلطة، وسلاحهم الأبرز شيطنة الحاكِم، وإضفاء صفة الملائكية على كل ما يَنتسِب أو يُنسَبُ للثورة.

الجرائم التي تقترفها “كُويْن” وثوَّارها بالفيلم، يتمُّ تبريرها بالشرعية الثورية، والقتل المُسرِف يندرج ضمن العنف الثوري. إن الثائر مثل المتطرف دينيَّاً، لكنَّه يُنحِّي (الإله) جانباً، ويستبدله بـ(الشعب) صنم الثوريين المفضَّل، ومفاهيم دينيَّة مثل الشريعة، والحاكمية والجهاد وغيرها، تستبدل بالحرية، والمساواة -المُتناقِضتان- وبالعدالة الاجتماعية والتعددية…الخ، والمتطرف دينيَّاً يُبرر جرائمه بالعنف المقدَّس، بالحرب العادلة، وكذلك الثائر، يبرر جرائمه، ونهمه للدم وإدمانه سلب الأرواح بـ(العنف الثوري). ومنذ بداية الفيلم، كانت “كايتنس” مبدأيَّة في رفضها قتل الأبرياء أو الَّذين استسلموا من الطرف الآخر، فيما لجأ رفاقها -مثل أسلافهم عبر التاريخ- إلى تبرير القتل الجماعي والتنكيل بالعدو، تحت راية الشرعية الثورية.

في ألعاب الجوع، ومنذ الجزء الأول، يثور المتمردون ضد “الديستوبيا” (المدينة الفاسدة) من أجل “اليوتوبيا” (المدينة الفاضلة)، ينشدون عالماً لا قتل فيه، ولا فقر، لا ظلم، ولا سُلطة غَاشِمة، تُحرِّكهم مبادئهم المثالية، ورؤيتهم الطوباوية للعالم، لتتمخَّض عن ثورتهم “ديستوبيا” جديدة، ديكتاتورية جديدة تُبدِّل جلدها، وتُجدِّدُ دماءها، ليستمر القتل وتتبدل أسبابه ومبرراته، ولتتغوَّل الدولة البوليسية أكثر، حتى تصل إلى غرف النوم. ولتتغيَّر شعارات النظام الجديد، وطرق إذلال الناس فقط، والفقر يتم توزيعه بتساوٍ بين البشر.

نادراً ما تبتعد أفلام “هوليوود” عن مُغازلة ما يحبُّه الناس، والثورة باتت عند السواد الأعظم من البشر، طوطماً مقدَّساً، لا يجوز المساس به، وقد يُوسم أي فيلمٍ لا يمتدح الثورة وأخلاقياتها، بالفاشية أو العرقية، وقد يتكفل موقع ذو أجندة تقدُميَّة مثل (هافينغتون بوست) بهجائه وإخراجه عن ملَّة “الصواب السياسي” – بنسختها الإنكليزية لا العربية الإسلامية طبعاً!-. وهذه إيجابية تُحسَبُ للفيلم، وتغفر له مجموعة خطايا ارتكبها على مدار الأجزاء الثلاثة.

من ناحية الخلفية الفكرية للفيلم، والأجندات السياسية التي باتت السينما المكان المفضَّل لتنفيذها، جاء العمل مختلفاً قليلاً عن فيلم “حرب النجوم: صحوة القوَّة” -على سبيل المثال- الذي كان أشبه ببيانٍ ليبرالي، ينتصر للثورة ضد الديكتاتورية، للتعددية ضد العرقية، وللنسوية ضد الذكورية، وقد كتبت ملاحظات حول الفيلم يمكن مُراجعتها. وهذا لا ينفي الأصل الليبرالي لفيلمنا هذا، ونهايته السعيدة المتفائِلَة، بالانتخابات الحرَّة النزيهة، وكأنَّ فيها وحدها يكمُنُ الخلاص، وهذا الانتقال المفاجئ من ظلام “الديستوبيا” الحالِك إلى نور الحياة الهادئة السعيدة لكايتنس وزوجها “بيتا” وأبناءهم -والذي يشبه الحلم- والتركيز على العنصر النسائي، وإعطاء النساء أهم الأدوار القيادية (كايتنس، كوين، القائدة بايلور) يؤكد أن الفيلم لم يَحِد عن الأجندة “التقدُّمية”. مع أن مجرَّد التشكيك بالثورة، والتخفيف من مديحها، وإقرار أن لها مثالب، وتصوير الثوَّار كالهمج وهم يقتلون سنو يتناقض مع تلك الأجندة، التي تُشكِّل الثورة إحدى أركانها.

يؤكِّد الفيلم، ومُفاجئته المخيبة لآمال الثوريين، ويؤكد الواقع كذلك، ما قاله “ألبير كامو” في كتاب “الإنسان المُتمرِّد”: (كل الثورات الحديثة أدَّت إلى تعزيز سيطرة الدولة)، ويضرب أمثلة على ذلك:(ثورة 1789 جاءت بنابليون، 1848 جاءت بنابليون الثالث، 1917 بستالين، الاضطرابات الإيطالية في العشرينات جلبت موسوليني، وجمهوية فايمار جاءت بهتلر). وثورة “كايتنس” ضد “سنو” جاءت بديكتاتورٍ جديد، كان يوماً ما ثوريَّاً، الفارق الوحيد بينه وبين سلفه أنه “أنثى”! وفي عالمنا الواقعي، يتم إسقاط الأنظمة الاستبدادية، ليتم تأسيس ديكتاتوريات جديدة، أسوأ ديكتاتوريات عرفتها البشريَّة، إذا خالفتها لا تتَّهِمُك بالخيانة.. بل بالكفر، ولا تُعدِمُك بالطرق الحديثة بل بالسيوف والخناجر! ديكتاتوريات قد تصنعها الثورة المُستمرة، الثورة التي تحلم بغدٍ أفضل، ثوراتٌ رموزها أشخاص جاءوا بسبب خللٍ بآلة الزمن إلى القرن الواحد والعشرين، لكنَّهُم ديمقراطيون لذيذون يقرأون كتب فلاسفة الأنوار بكرةً و أصيلاً، حتى وهم يُهذِّبون لحاهم المُعتَدِلَة بالسيوف لا بالشفرات!.. يبدو أنَها حتميَّة، أنَّ خلفَ كلّ قيصرٍ يموت.. قيصرٌ جديد، كما قالَ أمل دنقل !

vlcsnap-2016-03-15-01h00m32s991

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s