مراجعات الأفلام / السينما اليوم

باتمان ضد سوبرمان.. أو الإنسان الأعلى ضد الإله

** إذا كنت مهتما بقراءة ما يلي، ولم تشاهد الفيلم بعد، هناك حرق لأحداثه.

batman-v-superman-trailer-poster-comic-con

جابر الغول

بناءً على أراء النقاد السلبيّة تجاه فيلم “باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة”، وعلى الهجوم الجماهيري الشرس، والسخرية المُبالغ فيها من الفيلم ومُمثّليه، وعقد مقارنات غير منطقية مع ثلاثية “فارس الظلام”، كدتُ أن أُصدّق أن العمل الذي أخرجه الأميركي زاك سنايدر أسوأ فيلم “سوبر هيرو” على الإطلاق، لدرجة أنه أسوأ من فيلم “المرأة القطة”! لكن بعد مُشاهدته مرَّتين، لم يبدو لي سيئاً أبداً، ووجدته جيّداً جداً من حيث قربه لعالم “القصص المصوّرة” (الكوميكس) وأفلام الرسوم المتحركة، ومن حيث نجاحه في اختبار باتمان الجديد، والنجاح يعود لأداء بن أفليك، وحِرص سنايدر على تقديم نسخة أصيلة من باتمان، حيث التزم بجعله قريباً من عالمه الأصلي، عالم الكوميكس (تأثير فيلم الرسوم المتحرّكة “عودة فارس الظلام” -المبني على كتاب القصص المصوّرة لفرانك ميلر المنشور عام 1986 –بجزئيه طاغٍ على الفيلم وهناك مشاهد منقولة منه حرفيَّاً).

بين نولان وسنايدر: المقارنة غير منطقية

افتراض أن الفيلم هو النقيض لثلاثية “فارس الظلام” للمخرج البريطاني الأميركي كريستوفر نولان، وعقد مقارنات بين الفيلمين أمرٌ لا معنى له ولا طائل منه، وأي مقارنة ستكون على الأغلب في صالح “فارس الظلام”. لكن الفيلم والثلاثية ليسا مُتضادين، ولا جاء الأخير ليكون مُنافساً لها – نولان مُنتج منفّذ في الفيلم بالمناسبة-. هذه نظرة تبتذل الفيلم والسينما بشكل عام، وتحشر صناعة الأفلام في ثنائياتٍ تشبه ثنائية “ميسي-رونالدو” في كرة القدم. ببساطة كلٌ له عالمه الخاص، ولا علاقة للواحد بالآخر.

يمكن القول إن نولان أراد من خلال باتمان تمرير أفكارٍ أو إيصال رسائل معينة، وصنع عالمه الذي يريد، ثم قَذفَ بباتمان وبقية شخصيات دي سي كوميكس إليه. أو أنَّه أراد تحرير باتمان من سطوة الالتزام الحرفي بالكوميكس، ونقله إلى فضاء أوسع يكون فيه شخصية أقرب للواقع، وهذا فعله مع كل شخصيات ثلاثيَّته (باين، الجوكر، رأس الغول…) قام بعقلَنَتِها وإضفاء حسٍ واقعي عليها، وتوظيفها لخدمة غاياتٍ مُحدَّدة في سياقٍ سياسي فلسفي. أمّا سنايدر فحَرِصَ على الالتزام بالكوميكس، فجعل الفيلم بعالمه وأحداثه وشخصيَّاته شبيهاً جداً بالكوميكس، وأزعم أنَّ هذا الالتزام لم يقم به أي مخرجٍ قبل هذه المرة. وسنايدر هو رائد تحويل القصص المصوَّرة إلى أفلامٍ تتجلَّى فيها آلهة الأساطير المعاصرة في لحم الصورة ودم الحركة وروح التقنية.

بين دنيوية نولان وما ورائية سنايدر

من ناحية المضمون، الصراع تحديداً، القائم بين الأبطال الخارقين أنفسهم، أو بينهم وبين أعداءهم، بدا لي في ثلاثية فارس الظلام، دنيوياً، إن جاز التعبير. بمعنى أنَّه لم يأخذ أبعاداً ما ورائية، ثنويّة كونية، بين الله و الشيطان، بين الخير والشر، بين النور والظلام. لقد كانَ منطقُ الصراع في الثلاثية متجاوزاً للخير والشر، صراع وجودٍ على الأرض بين الفوضى (ممثلة بالجوكر) وبين النظام ممثلاً بباتمان، أو من زاوية أخرى.. بين عدميّة الجوكر ووجودية باتمان أو إنسانيّته. أو بينَ مجموعة إرهابية تسعى لبسط سلطانها وتنفيذ مشروعها (تدمير غوثام) عبر الفوضى المتخفِّية خلف شعاراتٍ رنَّانة تميلُ إلى اليسار عن الحرية والمساواة والعدالة وحكم الشعب (ممثلة بباين واتّحاد القتلة)، وبين باتمان والدولة (ولهذه الجزئيّة تحديداً هوجم فيلم “نهوض فارس الظلام” من قبل اليسار، بدعوى أنّه بروباغندا يمينية!).

باتمان ضد سوبرمان.. أو الإنسان الأعلى ضد الإله

في الفيلم يتّخِذ الصراع أشكالاً تتجاوز ما هو دنيوي، ويصل إلى الحدود القصوى، إلى ما هو ما ورائي. ويمكن تقسيم الصراع إلى اثنين:
1- صراع بين الله والشيطان/ بين الخير والشر.. بين سوبرمان وباتمان -بعد إعادة اتحادهما- من جهة، وليكس لوثر وDoomsday الذي خلقه من دمه ومن جثّة الكريبتوني عدوّ سوبرمان الجنرال زود، من جهة أخرى. ولوثر من خلال مؤامرته الشيطانية عبر تغذيّة الصراع بين البطلين الخارقين، أراد للإله والإنسان أن يتصادما، ويتقاتلا.. فيقتل أحدهما الآخر.
2- صراع بين الله والإنسان (بين باتمان وسوبرمان)، باتمان عبر محاولته قتل سوبرمان، أراد تجاوز إنسانيته، والتطهر من رواسب الإنسان الأدنى، والتخلّص من إلهٍ باتَ وجوده تهديداً له ولمعنى حياته الذي يستمده من مهمَّته كبطلٍ خارق، والانتقال إلى “ما فوق الإنسان” أو “الإنسان الأعلى” بحسب التصوّر النيتشوي، عبر قتل الإله، قتل سوبرمان، الذي يُحمّله مسؤولية كل ما حدث من شرور منذ ظهوره، عبر ارتكابها مباشرةً، أو عبر عجزه عن منع وقوعها. وهكذا.. يكون باتمان، لا سوبرمان، هو الإنسان الأعلى الذي تغلَّب على بشريَّته -وما تمثله من دونيَّة- وصنع منها جسراً ليعبُر منه إلى ما فوق الإنسان، إلى السوبرمان. ولن ينجح هذا العبور إلاَّ بتنفيذ أهم طقوسه، قتل الإله (سوبرمان).. الإله العاجز عن حماية البشر، الإله الذي فشل، الإله الذي لم يعد لوجوده أي داعٍ، وباتَ عبئاً ثقيلاً على البشر، بعد أن أصبح بإمكان من هم فوق الإنسان، مثل باتمان أن يتدبّروا شؤونهم ويزيحوا الإله من مركز الوجود، وبالتالي وجبَ قتله وإعلان موته!

Best-Superman-Batman-Fights-Comic-Books.jpg

إذا عجز الإنسان عن قتل الإله فإنَّ الشيطان سيقتله

الصراع بين الله والشيطان، يمكن رؤيته من خلال شخصية أليكساندر/ليكس لوثر، الذي يبدو وكأن شيطاناً يتخبَّطه من المس، ويؤكِّد ذلك أداء جيسي آيزينبيرغ للشخصية.. طريقة كلامه، وجمله غير المكتملة، وحركاته وانفعالاته وتمتماته التي توحي بأنَّ أرواحاً شريرة تسكنه وتوجهه. ولوحة الشياطين والملائكة الموجودة في مكتب والد ليكس، التي تقترب الكاميرا منها في نهاية الفيلم بالتزامن مع هلوسات لوثر وهو بالسجن عن مجهولٍ سيأتي -يقال أنه Darkseid شريرٌ خارق وأحدُ ألدّ أعداء سوبرمان، وعلى الأغلب سيظهر في الجزء الأول من فيلم Justice League الذي سيخرجه سنايدر العام المقبل- إضافةً إلى خلق شيطانٍ “دوومزداي” لقتلِ سوبرمان، والمشهد المحذوف، تؤكّد أن الصراع في الفيلم بين الخير والشر المحض، بين الله والشيطان، وغير ذلك من صراعاتٍ تتّخذ أشكالاً سياسية ما هي إلاَّ صراعات ثانوية.

Batman-V-Superman-Trailer-Zod-is-Doomsday.jpg

فارس الظلام المُظلِم جداً

هناك عدّة أسباب تدعوني للاعتقاد بأن باتمان في هذا الفيلم هو من أفضل نسخ البطل الخارق التي عرفتها الشاشة الكبيرة. أهمُّها أنه الأقرب إلى الكوميكس وأفلام الرسوم المتحركة، بعكس باتمان في ثلاثية فارس الظلام، الذي كان باتمان كما أراده كريستوفر نولان، وليسَ باتمان الذي ينتظره محبوه وعشاقه القدامى. باتمان هُنا ببساطة هو المنتظر، الذي تتطابق مواصفاته مع باتمان الذي عرفته في مسلسلات الرسوم المتحركة تحديداً، باتمان المُظلم جداً في المظهر والجوهر، باتمان كما يجب أن يكون، لا كما يريده المخرج أن يكون.

maxresdefault.jpg

…والجديد كليَّاً

باتمان الجديد، هوَ الأكثر إثارة، والأكثر تنوعاً على مختلف المستويات، قدراته القتالية، أسلحته، سيَّارته، زيّه الجديد، وبدلته المُدرَّعة التي ارتداها عند قتال سوبرمان -التي ارتداها في فيلم “عودة فارس الظلام” عند قتال سوبرمان أيضاً- يضاف إلى ذلك آداء عظيم لم يكن بالنسبة لي متوقّعاً من بن أفليك، لقد بثَّ أفليك في باتمان/بروس واين روحاً جديدة، ستجعل منه نسخة فريدة ومميّزة، سيتذكَّرها الناس طويلاً، إذا ما كفَّوا عن مقارنتها بباتمان “كريستيان بيل”.

ben-affleck-batman-v-superman

tdkr-132154 (1).jpg

بطلٌ خارق أم مُقتّص ؟

باتمان هُنا، عكس الأبطال الخارقين الملتزمين بقيم وقواعد أخلاقية، تمنعهم من القتل، وتضع شروطاً قاسية لتبريره. إنَّه مُتحررٌ من هذه الأخلاقيات، يقتل دون اكتراث، بساديَّة.. ولا يوقف المجرمين عند حدهم، ثم يسلمهم للشرطة حتى تأخذ العدالة مجراها، إن العدالة عنده تتمثل في القوة، وأفضل عقابٍ للمجرمين هو قتلهم. لقد بدا لي وهو يضرب الأشرار والمجرمين بلا رحمة، ويوشم شعار الوطواط على أجسادهم، نقيضاً للبطل الخارق التقليدي، وأقرب للبطل المضاد/البطل المخالف للعرف (Antihero) أو للمقتَّص (Vigilante)، يُطبّق العدالة بقانونه الخاص لا بقانون الدولة، ولا تُهمّه الوسيلة بقدر ما تعنيه الغاية السامِية.
باتمان المتحرر من أخلاقيات الأبطال الخارقين هو نسخة عن باتمان في فيلم الرسوم المتحركة “عودة فارس الظلام” بجزئيه. وهوَ في اقترابه من المُقتص وابتعاده عن السوبرهيرو، يُعزّزُ فكرةً أؤمن بها، أن البطل الخارق، من حيث هو ما فوق إنساني، لا يمكن أن يكون إلاَّ لا سلطوياً، إنَّه لا يعتمد على القانون، بل القانون يعتمد عليه، والشرطة بحاجته، ولا يرتكن إلى أي سلطة، إلا سلطة قوَّته، مع أنَّه يحارب الخارجين على القانون، لكنَّه لكي يمحقهم، لا بدَّ أن ينتهج بعض أساليبهم، لأنَّه لا يمكن أن تغلب الشيطان بأخلاقيات الملائكة، عليكَ أن تكونَ شيطاناً لبعض الوقت.

أخلاقيات الأبطال الخارقين، وإنسانيتهم المتكلّفة هي التي أشعلت نيرانَ صراعٍ بين باتمان ومساعده وصديقه جيسون تود (روبن) في فيلم Batman: Under the Red Hood، الذي تحوَّل إلى مقتّصٍ يدعى “القناع الأحمر”، صراعٌ بين بطلٍ يحارب الوحوش ويحرص على أن لا يكون مثلهم، وبين آخر يتحوَّل إلى واحدٍ منهم خلال محاربتهم.

3535254-3508085-1767465954-batma.jpg

باتمان يسرق الأضواء من سوبرمان

حولَ سوبرمان (كلارك كينت)، ليسَ هناك الكثير لِيُقال. سوبرمان الحالي هو الأفضل حتى الآن، والفضل عائدٌ لآداء هنري كافيل وإبداع سنايدر في تقديم نسخة عصرية من البطل الخارق ذي القدرات الإلهية . لكنَّ الفيلم لا يقدّم الكثير حول سوبرمان، ولا يسرِدُ تفاصيل جديدة، كل ما عُرِض عرفناه مسبقاً في فيلم “رجل من حديد”. المساحة الأكبر من الفيلم مُعطاة لباتمان، وهذا طبيعي، لأننا سبق وشاهدنا سوبرمان في فيلمه الخاص، أما باتمان فهو وجهٌ جديد في عالم سنايدر. لقدَ سرقَ باتمان الأضواء من زميله أو خصمه الخارق، ولم يُعطِه إلاَّ بعضاً منها في نهاية الفيلم، حينَ قلَّ تأثير باتمان، وعاد سوبرمان للواجهة، حينَ ضحَّى بنفسه فداءً للبشرية.. أو هكذا شُبّه لنا!

رؤيا الرجل الوطواط

الأكثر ملحميَّة في الفيلم، ليسَ القتال بين البطلين، بل كابوس باتمان.. عالمٌ مُنهار، أرضٌ يباب، خراب وفوضى، أجواءٌ قيامية، ملاحم وفتن، وجوهٌ لا يعرفها باتمان، وأعداءٌ لم يسبق له مواجهتهم! كل التفاصيل التي تجعل حلماً ما كابوساً متوفّرة. إنَّه في الحقيقة ليسَ كابوساً، إنَّها رؤيا، رؤيا نبي أو شخصٍ يتلقَّى وحياً إلهيَّاً، كل تفاصيل الكابوس/ الرؤيا تكشف عن أحداثٍ لم تقع، لكنَّ وقوعها في المستقبل يبدو منطقياً، وتكشف كذلك، عن شخصيات لا يعرفها بروس واين. رؤيا مُرعبة، غامضة، وليسَ من السهل تأويلها.. موت لويس لين (هل لهذا علاقة بقصّة Injustice: Gods Among Us؟)، وتحوّل سوبرمان إلى شخص أكثر ظلاماً وعنفاً، وظهورُ جنودٍ تابعين له، وأعداء غريبون (وحوش طائرة) يُقال أنَّهم تابعون لعدو سوبرمان Darkseid.. وجود فلاش في الحلم (ربما يعني ظهوره أن مسرح الأحداث في كونٍ موازي؟!). وأشياء أخرى مُبهمة، رؤيا تعجُّ بأسرار وطلاسم، ليسَ من السهلِ تفكيكها وإيجاد تأويلٍ منطقي لها، وربما يتطلب ذلك الرجوع إلى أفلام مثل: Justice League: The Flashpoint Paradox و Superman/Batman: Apocalypse

nightmare-batman-scene.png

_1449504274.jpg

السينما وإعادة إنتاج الميثولوجيا

هذه الرؤيا أعظم ما في الفيلم على الإطلاق، من حيثُ تقديم صورة جديدة لباتمان وسوبرمان، ومن حيثُ تضمّنها لفكرة مثيرة، وهي تحوُّل سوبرمان إلى ما يُشبه الإله المعبود. يتجلى ذلك وقت ظهوره وإنحناء جنوده له (أيضاً مشهد الإنقاذ في مدينة خواريز المكسيكية حين يجتمع الناس حولَ سوبرمان، كأنَّه مُخلّص سماويّ مُنتَظَر). هذه الفكرة الخيالية قد تتحقق يوماً ما، لا في السينما فقط، بل في أرض الواقع! فقصص وأفلام الأبطال الخارقين بوصفها ميثولوجيا مُعاصرة، أو شكل من أشكال إعادة إنتاج الميثولوجيا القديمة، قد تتحوَّل بعد فترةٍ طويلة من الزمن إلى أديان، وقد تظنُّ الأجيال البعيدة في المستقبل، أن أبطال “دي سي كوميكس” وأبطال “مارفيل” أنبياء أو آلهة! وقد تنشب صراعات دمويَّة بعد مئات أو آلاف السنين بين مجاميع البشر التي تحتاج الوهم دوماً، وتحتاج الآلهة لكي تنسيها ضعفها وعجزها، وتعزّيها في فنائها، وتريحها من التفكير في المجهول.. قد تندلع حروبٌ ويباد الملايين من أجل هؤلاء الأبطال أو الآلهة، من أجل شخصيات خيالية! يمكن أن يحدث ذلك -وإن بدا مضحكاً، أو مستبعداً في الحاضر- فالسينما تتجاوز نفسها وتتحوَّل لأداة لإعادة إنتاج الأديان والأساطير والطقوس الدينية، ويتحوَّل ما هو خيالي إلى واقع، إلى حقيقة مصطنعة لكنَّها أشد تأثيراً من الحقيقة المُجرَّدة، لندرة ما في الإنسان من حقيقة!

Batman V. Superman: Dawn Of Justice

هجوم ضد الديمقراطية

السيناتور فينش “هولي هنتر” تتحدَّث مرّتين عن الديمقراطية.. المرة الثانية والأخيرة، في المحكمة، حينَ تمتدح الديمقراطية وتثني على فضائلها في الحوار، بعد لحظات تنفجر القنبلة التي زرعها ليكس لوثر!.. من الممكن قراءة هذا كاستهزاء بالديمقراطية واحتقارٍ لها، بوصفها وثناً يفشلُ دوماً! ومن الممكن استخراج رمزية من بطن المشهد تتمثَّل في فشل الديمقراطية المعاصرة، وسائر الأفكار الحديثة (خاصةً تلك التي تتمحور حول حكم الشعب، والحرية والمساواة..الخ) في محاربة الشر، وإيجاد حياة أفضل وأكثر خيراً وسلاماً للناس. الديمقراطية وكل الأفكار التي تدعو للسلم والحوار فشلت في إيقاف الشر، والقنبلة التي زرعها لوثر وانفجرت هي الديمقراطية التي قتلت العشرات! الديمقراطية التي صعدَ من خلالها ليكس لوثر، الديمقراطية التي منعت محاسبته على جرائمه، الديمقراطية التي انشغلت بتجريم سوبرمان وتغافلت عن العدو الحقيقي للمجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه.

ليكس لوثر: الشر أقلّ جاذبية من الخير

في العادة، يكون الشر أكثر جاذبية من الخير، وتبدو هذه قاعدة في السينما والتلفزيون، وفي الواقع كذلك. الشر دائماً أكثر قدرة على الإغواء، والأشرار مثيرون والطييبون مُملّون، لكن في هذا الفيلم، انكسرت القاعدة، الخير أكثر جاذبية وإثارة -بفضل باتمان البطل اللا تقليدي- والشر أقلُّ جاذبية بكثير، بسبب “ليكس لوثر”. الخلل ليسَ في آداء جيسي آيزينبيرغ، بل في بنية الشخصية نفسها، ثمَّة ما هو منقوص فيها، بعضٌ من العمق والتعقيد يطفو على السطح، لكن عند التفتيش عن تكملة هذا العمق.. لا تجدُ شيئاً!

batman-vs-superman-ew-pics-5.jpg

مشكلة الفيلم وأخطاءه

تبدأ أخطاء الفيلم منذ بدءِ الصدام بين باتمان وسوبرمان، الصراع في أساسه، لا تبدو أسبابه مقنعة، ومن السهل تبيان تهافت دوافعه، إلاَّ إذا تمت مقاربته من زاوية (صراع الإنسان الأعلى ضد الله)، ومن ناحية بحث بروس واين عن فردٍ أو كيان يحمله مسؤولية مقتل والديه، ومسؤولية الأهوال التي بدأت منذ ظهور سوبرمان. ثم القتال -وإن كان ملحميَّاً- إلا أنَّه قصير، ونهايته لا تخلو من تسطيح، نهاية ركيكة، تصلح لفيلم رسوم متحركة لكن ليس لعملٍ بهذا الوزن. هل يعقل أن يوشك باتمان على قتل سوبرمان، ثم يتراجع ويصبح صديقه فقط لأن اسم والدة كلارك بالتبني “مارثا” مثل إسم والدة واين المغدورة؟!

تتكاثر أخطاء الفيلم ويضعُف مستواه مع أواخره، مع المعركة الكرتونية المصطنعة مع Doomsday ومع دخول المرأة العجيبة “ووندر وومان”. لنبدأ بووندر وومان، لا اعتراض عندي على شخصية البطلة الخارقة، وإن كنت أُحبُّ تلك الأقرب للواقع. اعتراضي على اختيار الممثلة الإسرائيلية “غال غادوت”، ألم يكن هناك خيار آخر، ولمَ هي تحديداً؟ لا أرى أنها وجه مُحبّب أو مرغوب كثيراً أو أنَّها الأنسب لهذا الدور (يمكن هنا سردُ قائمة طويلة بأسماء ممثلاتٍ أكثر مناسبة لدور ووندر ومان). مشكلة غادوت أنَّها نقلت معها انفعالاتها في فيلمي Fast Five وFast & Furious 6، فبدت وهي ممسكة سيفها ودرعها أثناء قتال دوومز داي، مفتعلة ومصطنعة واستعراضية، كما لو أنَّها خلف مقود إحدى السيارات إلى جانب عشيقها الياباني! الغريب ما قرأته في بعض ردود الفعل على الفيلم، من أنَّها مفاجأة الفيلم وأفضل ما فيه.. أمَّا أنا فوجدتها أسوأ ما فيه على الإطلاق.

الاستخدام المفرط للـCGI لم يكن في صالح الفيلم، إذ خلَق إحساساً بالانفصال عنه، والمعركة الأخيرة والطويلة زادت الأمور سوءاً، حيث أحدثت مللاً شعرت بثقل وطأته عند المشاهدة الثانية، بعد تلاشي انبهار المشاهدة الأولى. سنايدر كرَّر نفس الخطأ القاتل في فيلم “رجل من حديد” (المعركة الأخيرة مع الجنرال زود)، إهدار مساحة طويلة من الوقت على معركة، مصطنعة، كرتونية، غير مبهرة، وفاقدة للحيوية، كان من الممكن استثمارها في تقديم معالجة أكثر تعقيداً لموضوعات الفيلم، وإحكام الحبكة، وسد بعض ثغرات القصَّة، وتطوير بعض الشخصيات مثل ليكس لوثر.

أمَّا دوومزداي فليسَ شرير المعركة الأخيرة الفاصلة، المنتظر، إنّه سيء جداً، فكرةً وتنفيذاً، مجرَّد مسخٍ مشوَّه مصطنع وغير مبهر إطلاقاً، وليس فيه الحدّ الأدني من الجاذبية المفترض أن تتواجد في الـsupervillain بعكس نسخة ألعاب الفيديو -مثلاً- التي عرفتها من خلال لعبة Injustice: Gods Among Us.

Batman-V-Superman-Movie-Doomsday-Trailer.jpg

الخلاصة

هذا الفيلم ليسَ سيئاً أبداً (كما حكم عليه أشخاص كرهوه قبل أن يشاهدوه أو لم يكملوا مشاهدته حتّى!!)، ولا أراه مجرَّد فيلم تجاري بحت، كما قد يُصنِّفه كارهو السينما الأميركية لأسبابٍ ثقافية وأيديولوجية. هو جيِّد جداً وفضائله كثيرة (الثيمات الفلسفية والدينية، باتمان الجديد، مشهد الكابوس أو الرؤيا ومشاهد أخرى تُشعِرُ بأنّ الفيلم كلّه أقرب للحلم، والموسيقى التصويرية -لهانز زيمر وجانكي إكس إل- التي رفعت من رصيد الملحميّة وزادت أسهم الطابع الأسطوري للفيلم، وآداء جيرمي آيرونز وهنري كافيل..). وكان بإمكان صُنَّاعه أن يجعلوه ممتازاً، لولا الإسراف في الـCGI، والثيمات الجيّدة لكن غير المطهيَّة جيّداً، والحبكة غير المقنعة خاصةً فيما يتعلَّق بصراع البطلين، والأهم المعركة الطويلة جداً في نهاية الفيلم. وهي أشياء توحي بأن زاك سنايدر معني بتقديم صورة ساحِرة، وإثارة وحركة بلا توقف، دون الاهتمام ببناء علاقة طويلة الأمد مع جمهوره، تضمن لعمله هذا أن يُخلَّد ويكون علامة فارقة في سينما الأبطال الخارقين، وأن لا يُنسى بسرعة كما نُسيَ فيلم “رجل من حديد”.

batman-v-superman-deleted-scene-explained-lex-luthor-darkseid-and-cyborg-s-origins-di-915657.jpg

Advertisements

One thought on “باتمان ضد سوبرمان.. أو الإنسان الأعلى ضد الإله

  1. أحييك على هذا المجهود الرائع
    ولكن للصراحة ومع احترامي شخصك ودون تنقيص في مجهودك, لم أستطع تكملة المراجعة اطلاقاً مع ان اسلوبك جميل ومرتب جداً, ولكنني لا أستطيع التعاطف مع هذا الفيلم اطلاقاً, وعلى كثر المحاججات والنقاط التي اتيت بها لتحسين صورة الفيلم فأنا ارى موضوع ووجهة نظر جميلة فقط ولكن لا أرى فيلماً مقبلولاً بتاتاً, والأسباب كما تفضلت يا استاذ في فقرة مشكلة الفيلم واخطائه وضع تحتها الف خط أحمر فهي كفيلة بأسقاط قيمة القصة فهي نقلة مهمة لا يمكن التغافل عنها, وأضف عليها عدم الواقعية في مشاهد القتال وبدائيتها الشديدة في كثير من المشاهد مثل ان ترى لكمة باتمان بعيدة عن وجه العدو ويمكن لأي شخص ملاحظة ذلك, ولا ننسى أداء بن آفلك الذي اقل ما يقال محرررج وكأنما المخرج لا يكترث في اعادة مشاهد التمثيل!
    في النهاية لم أستوعب بصراحة أين ذهبت هذه ال250 مليون دولار!
    ركزوا أكثر شي على مشاهد السينما جرافيكس فقط وغفلوا عن القصة والتصوير والاداء بل الفيلم بالكامل كان كومة من الهراء, باختصار,, النقاد الذين تكلمت عنهم في مقدمة الموضوع يمثلوني تماماً.
    وأحييك على المراجعة المتكالمة مرة أخرى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s