مراجعات الأفلام / السينما اليوم

ديدبول: دماء، جنس، كوميديا.. وسخرية من الأبطال الخارقين!

vlcsnap-2016-05-02-18h12m55s114

جابر الغول

لمن يعرف أفلام الأبطال الخارقين جيّداً، سيبدو له فيلم Deadpool عملاً ساخراً من هذه الأفلام، أشبه ببعض حلقات Saturday Night Live القديمة التي كانت تسخر من الأبطال الخارقين. وهو بالفعل كذلك، إذا عرفنا أننا لسنا أمام بطلٍ خارق.. بالحقيقة هو خارق لكن ليس بطلاً أبداً، هو نفسه يقرُّ بذلك، وينفي عن نفسه البطولة.

الفيلم الذي حمل توقيع المخرج وفنان المؤثّرات البصرية الأميركي تيم ميلر، يعج بالسخرية اللاذعة من الأبطال الخارقين، وتتركّز سخريّته على أفلام X-Men وأبطال مارفيل، وحتى باتمان سينال قليلاً منها! إلى جانب ذلك نحن أمام مزيجٍ بديع من الدم والقتل والجنس والكوميديا التي نادراً ما ما تتقاطع مع عالم السوبر هيروز، وأي فيلم عنهم تطغى عليه الكوميديا في العادة يكون ساخراً منهم، وهذا الفيلم يسخر منهم مع أن بطله-على الأقل نظريَّاً- واحدٌ منهم!

عبقرية الفيلم تكمن في أنَّه عن بطل خارق لا علاقة له بالأبطال، وايد ويلسون (ريان رينولدز) الذي سيتحول إلى “ديدبول” يفتقر إلى الصفات البطولية التقليدية، الأمر الذي يجعل منه Antihero بطلاً مضاداً/مخالفاًَ للعرف، ليسَ ثمة شيءٌ واحد فيه يؤهله ليكون بطلاً خارقاً، فهو يقتل الأشرار بشراهة، ويتفنَّن في ذلك كأنَّه تلميذٌ لـ”ماركيز دي ساد”، يقطع رؤوسهم ويطيّرها، ويغرز سيفاه في أجسادهم دون أن تمنعه عن ذلك أي اعتبارات أخلاقية. ديدبول لا يسعى إلى غاية سامية، لا يقاتل من أجل إنقاذ البشرية، أو إحلال السلام أو منع حدوث كارثة عالمية.. إنَّه يقاتل من أجل إنقاذ حبيبته، وغايته الأسمى، الانتقام من الَّذين شوَّهوه.. ووهبوه علاجاً للموت! إن ديدبول ليس بطلاً خارقاً ولا شريراً كذلك، إنه يتجاوز الخير والشر، إنه إنسان عادي بمقدراتٍ خارقة، وغدٌ خارق لنكون أكثر دقة.

img-269

 

ليسَ هُناك ما هو استثنائي على صعيد القصة والثيمات، القصة عادية جداً، أهم ما فيها أصول قصة تحوَّل وايد ويلسون إلى “ديدبول”، وقصة حبّه الجميلة والعفوية والأكثر صدقاً من قصص حبٍّ مصطنعة لأبطالٍ آخرين. أما الباقي فعادي جداً، وإذا تجاهلنا أن الفيلم عن بطل ذي قوى خارقة، سنكون أمام فيلم أكشن، بقصّة تقليدية عن الانتقام وإنقاذ المحبوبة. أما الثيمات فهي أقرب للانعدام، ربّما الثيمة الأبرز هي لاأخلاقية البطل الخارق، والتعامل مع القتل بتسامح أكثر، والنظر إليه بأنَّه طبيعي جداً، ومبرّر في هذا العالم. لكنَّ ذلك ليس سلبيَّاً أبداً -في هذا الفيلم على الأقل- إذ أنَّنا لسنا أمام بطلٍ خارق تقليدي، والفيلم لا يدّعي العمق، ولا تتحمَّل طبيعته تعقيداً وعمقاً مصطنعاً كانا سيفسدان فرادته.

في الجانب البصري، يُبدع الفيلم في المؤثرات والخدع البصرية -الفضل يعود للمخرج تيم ميلر المختَّص في هذا الشأن- دون اللجوء إلى التكلُّف الذي ابتليت به أفلام أبطال خارقين أخرى، ليس هناك فائضٌ بصري، ولا استخدام لا لزوم له للمؤثّرات الخاصة. وخيار صنَّاع الفيلم بترشيد استخدام الـCGI (الصور المنشأة بواسطة الكمبيوتر) كان حكيماً، إذ نجَّى الفيلم من السقوط في فخ الاصطناع والملل.

ما يُفترض أن يكون منفّراً للعين، بدا محبّباً لها، مشاهد القتال والقتل والفتك وسفك الدم أخَّاذة -منذ شارة البداية الاستثنائية في غرابتها وطرافتها- كل مرة يقتل فيها ديدبول أحد أعداءه تتمنى أن يقتل المزيد، ولا تشبعُ من الجثث المتناثرة هنا وهناك. طريقة تنفيذ القتل، منظر الرصاص وهو يُطلَق من مسدس ديدبول ليستقر في أدمغة الأشرار، حركاته القتالية، واستعراضه وهو يجهز على خصومه.. هذا الوغد السادي الفاشي -إن صحَّ وصفه بذلك- يضفي بعداً جمالياً على القتل!

يكتَّظ ديدبول بإحالاتٍ إلى أفلام الأبطال الخارقين، وأفلام أُخرى. ويسخر كما ذكرت سالفاً، من الأبطال الخارقين، ويتجاوز ذلك إلى السخرية من الثقافة الشعبية، ليبدو الفيلم وكأنَّه حلقة من مسلسل Family Guy أو The Simpsons تسخر من هذه الثقافة ورموزها. ويبدو أن على المرء أن يتمتع بثقافة سينمائية وتلفزيونية واسعة حتى يفهم إحالات الفيلم وسخريتة اللاذعة.

deadpool-2-boyfriend-pic

رايان رينولدز يُقدم آداءً مبهراً على نحوٍ مفاجئ، يكفِّر فيه عن خطيئته الأولى في عالم السوبرهيروز (عن فيلم Green Lantern أتحدَّث طبعاً). عندما أعلن عن الفيلم أول مرة لم أكن متحمساً لأن يؤدي رينولدز دور “ديدبول” مرة ثانية -أول مرة أدَّى نسخة مختلفة في فيلم X-Men Origins: Wolverine- لأنَّ شخصية ديدبول تتطلب مواصفات لم أكن أعتقد أنها موجود في رينولدز (خفَّة الظل، الطرافة، القابيلة لأن يكون بطلاً خارقاً). لكنّي كنت مخطئاً جداً، وتوقعاتي لم تكن في محلِّها، وأعتقد الآن أن شخصية ديدبول خلقت ليؤديها رينولدز حصريَّاً، إنَّه سيحتكرها طويلاً، وسيقترن ديدبول بريان رينولدز، كما اقترن وولفرين بهيو جاكمان. إنَّه ديدبول الأول والأخير.

أعظم ما في الفيلم أنَّه يُميّز نفسه عن بقيّة أفلام الأبطال الخارقين، ويدعو مشاهديه لأن لا يأخذوه على محمل الجد، من خلال عدّة أدوات، أبرزها “كسر الجدار الرابع” المتخيَّل بين الفيلم وبين الجمهور، عبر التوجه إليهم ومخاطبتهم لجعلهم شركاء في الفيلم، ولنزع الجديَّة عن عالمه، وتأكيد طبيعته “الكوميكية” وسخريتة من كل شيء.

ديدبول، واحدٌ من أعظم أفلام مارفيل وأهم أفلام الأبطال الخارقين، وأكثرها فرادة، ولا تعود هذه الفرادة إلى القصة المميزة أو الحبكة المعقَّدة أو إلى ثيماتٍ لم يتطرق إليها أحد، إنما لبساطته في هذه الجوانب، وتقديمه لنوع جديد من الأبطال الخارقين، بطل يحركّه الهمُّ الفردي لا الجمعي، بطل بذيء، يقترف كل ما يتنافى مع البطولة، ويسخر من زملاءه الأبطال الخارقين ومن مثاليّتهم. كما أنَّه نموذج لخليطٍ عبقري من أفلام الأبطال الخارقين وأفلام الأكشن مع جرعة زائدة من الكوميديا والسخرية المفرطة بلا حدود، وكثيرٍ من البذاءة، وبعضٍ من الجنس والرومانسية الجميلة والعفوية. ربَّما قد يجده البعض -من الَّذينَ اعتادوا على أن تتضمَّن أفلام البطولة الخارقة، موضوعاتٍ فلسفية أو إسقاطاتٍ سياسية أو تضحياتٍ من أجل الجموع والجماهير والإنسانية- سطحيَّاً، لنفترض جدلاً أنَّه كذلك، حينها سيكون واحداً من أعظم الأفلام السطحية وأكثر إبداعاً في التاريخ.

vlcsnap-2016-05-02-18h44m26s051

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s