مراجعات الأفلام

Ten Cloverfield Lane – 2016

10-cloverfield-lane-4

بقلم مهند الجندي.

يمنح فيلم Ten Cloverfield Lane للمخرج دان تراشتنبيرغ أولوية قصوى وأهمية بالغة لم نعد نراها كثيرًا لبلورة شخصياته واستعراض أبعادها وعواطفها ودوافعها حتى آخر رمق، سواءً الطيبة أو الشريرة، وهو أمر يطغى على سواد دقائق عرضه المُحفوفة ضمن إطار مكاني مُغلق يُضيّق الخناق على الحبكة ويثير شكوك الجمهور ويزيد من حدة التوتر الصراع بين الأطراف الثلاثة الرئيسية إلى درجة تسمو على الرغبات السطحية المادية لأفلام الإثارة والرعب والمعاصرة الرخيصة التي تهدف لإخافة الجمهور بأسرع وأسهل طريقة ممكنة، أما هنا فيحتفظ صانعو الفيلم بغموض المحيط الخارجي والأسرار التي ستبقى كذلك حتى يحين الوقت المناسب لاكتشافها.

تنتهج قصة هذا العمل، “غير المتمم” لفيلم Cloverfield الذي أخرجه مات ريفز عام 2008 بكاميرته المحمولة، معادلة الشك الكلاسيكية التي وظّفها هيتشكوك كما لم يفعل غيره واستلمها المئات من بعده، ويصل ذروة استغلالها هنا من خلال شعور المشاهد بنفس مشاعر البطلة ميشيل (مارى اليزابيث وينستد) خطوة بخطوة، فنخشى ما تخشاه ونشك بما تشك فيه بفضّل تعرفنا المتأني على موهبتها ومعدنها وما ندمت عليه في السابق وتعاملها مع المعطيات من حولها. ينطبق الأمر نفسه على الشخصيين المرافقين لها، إيميت (جون جالاجار اﻻبن) وهوارد (جون غودمان)، فاطلاعنا على جوانبهما وتطور علاقتهما مع ميشيل يُشكّل علاقة متباينة لا مفر منها في هذا الكوخ المعزول يتمحور جوهرها حول الخوف والألفة والنجاة واكتشاف الذات وتغييرها وتخطي عيوبها.

cloverfield3-xlarge

هذا السرد المتأني من المخرج المستجد دان تراشتنبيرغ وتنفيذه التقني البحت للفيلم ككل، باستثناء بعض المبالغات الموسيقية، يقدم للمشاهد تجربةً مثيرة ومقنعة لأنه يقلب الآية المتعارف عليها في أفلام الكوارث والهجوم الخارجي، بتسليطه الضوء على النزاع البشري سواءً الداخلي أو المشترك، وتهميشه لسر هذا الهجوم حتى يُمثل منعطفًا في حياة البطلة ويحوّل من مسار الهرب الذي اعتادت عليه لحل مشاكلها. كما أن طريقة تسلسل الأحداث واتضاح الحبكة تتجنب معظم الكليشيهات المزعجة التي ضجرها الجمهور وحفظها، لاهتمامه شبه المُطلق على فحوى الشخصيات الماثلة أمامه واستعراض أسباب أفعالهم كل على حدا، فالإثارة تتصاعد في نفوس شخصياته وتنتقل بسلاسة إلى أنفاس الجمهور؛ كل مشهد يخدم الآخر ويُمهد لكل اكتشاف مريب مقبل.

يتَّكئ كل ذلك طبعًا على أداء القدير جون غودمان، ممثل شخصيات لا حدود لقدراته ومفاجآته وعمقه وليس فقط وزنه البدني، فهو يُحدد نسق العمل بشكل عام ويهيئنا لعالم مفزع يصعب التكهن به في الداخل ربما يزيد بغموضه ورهبته عمّا هو في الخارج. ولا يكتفي غودمان بتجسيد شخصية شريرة تقليدية بل يُظهر خصال هوارد الأبوية والعاطفية والعسكرية المسؤولة في آن واحد، وتسانده مارى اليزابيث وينستد بانفعالات حقيقة شجاعة ومؤثرة فتمنح دورها بطولة حتمية في كينونتها لم تكن تعرف عن وجودها من قبل.

ومع أن الربع الساعة الأخيرة للفيلم مختلفة جذريًا عمّا سبقها، الانتقال من الدراما والجريمة إلى الخيال العلمي، وتُجسد بسالة شبه خارقة من ميشيل، إلا أنها تخدم المفهوم الأساسي المحرّك لشخصية ميشيل وفكرة النجاة عمومًا. تتسم هذه السلسلة “غير المتصلة أو المنشقة عن Cloverfield” بغموض متستر وتمهيد خاص بها لم تعرفه أي من أفلام الإثارة والتشويق في السنوات القليلة الماضية. علمًا أن ماثيو ستوكن، أحد كتّاب العمل، لديه موهبة واضحة في استحضار التوتر العصبي والانفعالات من خلال الأماكن الضيقة والندية المباشرة بين الشخوص فقد شارك بكتابة قصة Whiplash العام الماضي. يهدف Ten Cloverfield Lane أكثر من شيء آخر إلى خلق شعور دائم من العدم الراحة والقلق والارتياب ضمن قصة عصيبة ومكتومة تحبس أنفاس المشاهد دون رأفة، بل أنني لا أعرف فيلمًا هوليووديًا معاصرًا آخر يستحق مشاهدة ثانية في القريب العاجل.

IMDb | RT

John Goodman as Howard, Mary Elizabeth Winstead as Michelle, and John Gallagher Jr. as Emmett in 10 CLOVERFIELD LANE, by Paramount Pictures

التقييم: 3 ونصف من 4.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s