مراجعات الأفلام / السينما اليوم

Captain America: Civil War – 2016

***هناك حرق لمعظم أحداث الفيلم.

NEN28cAqxGOMQW_2_a

جابر الغول

منذ ثمان سنوات، لم تكف Marvel عن الخلق والإبداع في عالم “المنتقمين” The Avengers، إذ قدَّمت منذ ذاك الوقت تسعة أفلامٍ عظيمة، تكاد أن تكون بمجملها الأقضل، ليس في تاريخ عالم مارفِل السينمائي فقط، بل في تاريخ تلك النوعية من الأفلام على الإطلاق. وهذا الأمر وضع “كابتن أميركا: الحرب الأهلية” أمام اختبارٍ صعب، النجاح فيه يتطلَّب تقديم ما هو جديد، استثنائي ومميَّز عمَّا سبقه، وقد نجح في هذا الاختبار بجدارة، كما كانَ مُتوقَّعاً.

ما يجعل الجزء الثالث من “كابتن أميركا” مميَّزاً، فكرة الصراع بين أساطير مارفِل، الأفنجرز الذين كانوا متَّحدين دائماً، والفضول لمعرفة كيف زُرِعت بذور الشقاق بينهم، وكيف سيتفجَّر الصراع وإلى ماذا سيُفضي. خاصةً وأن “دي سي” لم تُفلِح في هذه الجزئية في “باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة” إذ كان الصراع قصيراً جداً، ولم تكن مُسبِّباته مقنعة، وطَغَت عليه الأسطورية، بعكس واقعيَّة الصراع في هذا الفيلم. يضاف إلى ذلك، أنه يحدث بين قطبي الأفنجرز “آيرون مان” (توني ستارك) و”كابتن أميركا” (ستيف روجرز) والآخرون ينضوون تحت رايات الاثنين، لأسباب مختلفة. وهو صراعٌ سياسي في أساسه وجوهره، وإن كان سيأخذ في النهاية أبعاداً شخصية، لكنَّها تتداخل مع ما هو سياسي.

الحرب الأهلية.. أعظم ما صنعت مارفِل

يُقدّم الأخوين أنتوني وجو روسو في تجربتهم الثانية في عالم مارفِل، درساً في كيفية صناعة فيلم أبطال خارقين ناجح بكل المقاييس، فيلم يكاد أن يكون مثالياً.. أعظم ما أبدعت مارفِل صنعه حتى الآن. وهو وعلى الرغم من كونه مبنياً على إحدى أكثر قصص مارفِل المصوَّرة شهرة، بعنوان “الحرب الأهلية” والتي صدرت قبل عشرة أعوام، للكاتب “مارك ميلر”، إلاَّ أنه -بحسب الأخوين روسو- ليس مجرّد إعادة سردٍ لها، ولا نقل حرفي عنها، إذ استعار الكاتبان كريستوفر ماركوس وستيفن مكفيلي التصور العام وبعض الأحداث، لكن القصة أصليَّة وتحمل رؤية مستقلة، وأكثر اتساقاً مع روح عصرنا.

معارك الفيلم المُبهِرة والمُتقَنَة، هي الأكثر تفرُّداً في تاريخ أفلام الأبطال الخارقين. أبرزها مشهد مطاردة باكي في النفق، الذي يتألق فيها بلاك بانثر، لا تشاهد مثيلاً له، في إثارته وحركته وإتقانه، إلاَّ في أفضل أفلام الآكشن. والمعركة الكبرى بين فريقي آيرون مان وكابتن أميركا في المطار هي الأفضل على الإطلاق، وأعظم ما فيها القتال الجسدي المباشر بين الأبطال، المُمتزج بكوميديا عفويَّة قلَّ نظيرها في عالم الأبطال الخارقين. والمعركة الأخيرة، التي تستحقُّ أن يطلق عليها وصف ملحميَّة، والتي تأخذُ منحىً درامياً قوياً يُغطي على جمالية القتال الدائر فيها.

على المستوى البصري، هُناك تكثيف يتطلَّبه الفيلم. مثلاً بدلات سبايدرمان وبلاك بانثر منشأة بواسطة الكمبيوتر بالكامل، ومشهد معركة المطار معظمه رقمي. لكن هذه الكثافة البصرية، لا تفسد الفيلم أبداً، إذ أنَّها لم تصل حد التخمة البصرية -إن جاز الوصف- كما في أفلام سابقة، مثل “المنتقمون: عصر الآلترون” -ربما فرضت ذلك طبيعة العدو “الآلترون” غير البشرية-.

أغلب شخصيَّات الفيلم في تطورٍ مستمر، بعضها في ارتقاءٍ نحو الكمال -كابتن أميركا (آداء كريس إيفانز أنضج من الجزئين السابقين) وآيرون مان (روبرت داوني جونيور لا تتوقّف شخصيته الكاريزمية عن مُمارسة سحرها) تحديداً- وآخرون لا جديد بخصوصهم، وأهميتهم في القصة تنبع من موقفهم من الصراع، وأي فريقٍ يتّبعون. مشاعرهم وعواطفهم وصداقاتهم، وكل ما كانَ مستوراً ينكشف في هذا الجزء تحت مجهر “الفتنة”. والبعض نراه كما لم نراه من قبل، والبعض الآخر -“آنت مان” و”سبايدر مان”- تبدو وظيفتهم إضفاء مسحات من الكوميديا والمرح على الأجواء قبل أن تحدث الانعطافة الدرامية المرافقة للصراع الملحمي الأخير.

مفاجآت الفيلم:

-سبادير مان المُذهل أكثر من أي وقت

Spider-Man-3-1200x632.jpg

المفاجأة الأبرز في شخصيتين جديدتين على عالم الأفنجرز، إحداهما جديدة كليَّاً على الشاشة الكبيرة.. سبايدر مان وبلاك بانثر. مساحة ظهور سبايدر مان محدودة جداً، ويبدو أنَّ الهدف منها تقديم النسخة الجديدة منه لعالم مارفِل – بعد فكّ احتكار سوني له- والتمهيد لفيلمه القادم. تواجده في الصراع ليس لمصلحة له، ولا لعلمه اصلاً بما يدور حوله الصراع. بل لأنَّ توني ستارك طلب منه ذلك! وهو يعتبره اختباراً ويريد اثبات نفسه.

أهميَّة خلق سبايدر مان بدماء جديدة، تكمن في أن الشخصيَّة عانت منذ عام 2002 من سلسلة افلامٍ نجحت في جعل سبايدر مان أكثر الأبطال الخارقين سخافة – عن الثلاثية التي كان بطلها توبي ماغواير أتحدَّث- ثم أُعلن عن سلسلة جديدة عام 2012، كان يُنتظر منها أن تعيد إحياء الرجل العنكبوت “سبايدر مان المذهل” لكنها فشلت، حاولت ذلك في الجزء الأول، وفي الثاني فشلت تحت وطأة ركاكة القصة، وهشاشة الشخصيات، وبؤس الأشرار، وزاد الأمر سوءاً دراما ليس سبادير مان أحد روَّادها!

سبادير مان هُنا مختلف جذرياً عن النسخ السابقة، هو شابٌ صغير (19 عاماً)، نشِط، مرح، ومفعم بالحيوية، وقد أحسنَ الأخوين روسو حين اختارا توم هولاند ليكون الرجل العنكبوت الجديد. ويبدو أنّه سيكون أفضل سبايدر مان، والحكم النهائي يُترك لحين عرض فيلمه الخاص (سبايدرمان: العودة للوطن) العام القادم، والذي ستبدأ فيه قصة بطله من حيث انتهت في هذا الفيلم، دون اتباع النهج التقليدي في العودة إلى اصوله وكيف أصبح بطلاً خارقاً.

-بلاك بانثر.. جاذبيّة استثنائية قد تفسدها الجديَّة المفرطة

screen-shot-2015-11-25-at-1-12-16-am1.png

أمَّا بلاك بانثر (النمر الأسود) القادم الجديد إلى الأفنجرز، والمُنتظَر بشدّة -منذ صدور الإعلان التشويقي الأول- رداءه وقناعه وللفنون القتالية التي يتقنها وحركاته التي تذكر بـ”بروس لي” تشكل مغناطيساً جاذباً للأنظار نحوه، على الرغم من حداثة عهده بهذا العالم. أهميته القصوى ليست في حضوره للتمهيد لفيلمه القادم (عام 2018) مثل سباديرمان، بل من دوره الرئيسي في القصة وفي مساهمته في تحريك الحدث وتطويره. لا شيء يعيبه إلاَّ جِديّته المفرطة وصرامته وعبوسه، حينَ يخلع القناع، لكن قد تعني هذه الصفات عقلانيته وبعده عن العاطفة وتساميه على المشاعر التي تجرف الإنسان إلى ما لا تحمد عقباه، وهو ما يتضح في النهاية.

كابتن أميركا ضد أميركا:

-الإرادة الحرَّة للبطولة ضد التدخل الحكومي

56e053b54e608.jpg

على خلفيَّة الأضرار الجانبية الفادحة التي يتسبّب بها الأفنجرز أثناء قيامهم بمهامهم في “حماية البشرية” -أحداث الجزء السابق في سوكوفيا، وأحداث بداية الفيلم في لاغوس في نيجيريا- تقرر حكومات العالم الإشراف على الأفنجرز ومراقبتهم وتنظيم عملهم، أو بالأحرى التحكم بهم وتحجيم سلطاتهم الفردية، ليصبحوا مجرّد موظَّفين حكوميين، أبطال خارقين تحت الطلب، وتتحوّل البطولة إلى عمل حكومي خاضع لحسابات السلطة ومصالحها التي لا تأخذ قيم البطولة وفعل الخير بعين الاعتبار.

يؤيّدُ توني ستارك ذلك على الفور، لأنَّه يرى أنَّ عدم قبول الحدود، يجعلهم كالأشرار. يبدو في كلام ستارك الكثير من الوجاهة، وكأنَّه يتحدَّث عن الولايات المتحدة وقوَّتها المنفلتة من عقالها، إذ خرقت -وما تزال تخرق- القانون الدولي من أجل ما تدَّعي أنَّها غايات سامية متمثِّلة في نشر الديمقراطية وتخليص الشعوب من الديكتاتورية، ومحاربة الإرهاب، ومنع دولةٍ ما من امتلاك أسلحة الدمار الشامل..الخ.

في المقابل يذكّر موقف ستيف روجرز الرافض لأي حدود، بجورج دبليو بوش، ودونالد رامسفيلد عشيَّة احتلال العراق، قد تكون هذه مبالغة، لكن أليس هناك ما هو مشترك بين الطرفين، كلاهما قوَّة ترفض أي حدود، وتفعل ما تشاء لأنَّها تملك شرعية محاربة الشر ونشر الخير، والأضرار الجانبية شر لا بد منه.. يعترف روجرز بذلك حين يقول: إنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس، لا يعني إنقاذ الجميع!

لكنَّ بعد الاستماع لمرافعة كابتن أميركا دفاعاً عن موقفه الرافض للتوقيع على اتفاق الإشراف على الأفنجرز، نجد فيها قدراً كبيراً من الصحة، إذ أن للحكومات تاريخٌ غير طيّب في مكافحة الإرهاب، الجريمة، المخدرات وغيرها (هل انتهى الإرهاب، هل أصبحت تجارة المخدّرات محدودة، هل انخفضت معدّلات الجريمة ؟ ما تفعله الحكومات أنها تنظِّم هذه الآفات، تسيطر على تجارة المخدَّرات مثلاً، حتى تخدم مصالحها، والإرهاب قد تستثمره لضربِ دولٍ أخرى)، فما بالك بخطرٍ قد يكون قادماً من الخارج مثل لوكي شقيق ثور، أو خطر ما فوق بشري مثل الآلترون!

ثمَّ إن فعل البطولة يجب أن يصدر عن إرادة حرَّة تؤمن بأنَّ محاربة الشر وإنقاذ حياة الأبرياء هو الصواب، لا أن يتحوَّل إلى قرار حكومي تحدده اعتبارات المصلحة والمنفعة. لذلك يبدو أن موقف روجرز هو الأقرب للصواب، والأكثر عقلانية، خاصةً وأن موقف ستارك كان مدفوعاً بالعاطفة، حيث بدا له القبول نوعاً من التكفير عن ذنب ضحايا “الآلترون” -الذي صنعه- في سوكوفيا.

متحدين نقف.. متفرقين نسقط

أعظم ما في الصراع، أنَّه بين أصدقاء، أفراد عائلة واحدة، شعبٌ واحد كانَ دائماً مُتّحِداً. في الأفلام الأخرى المشابهة، لا توجد هذه الروابط المتماسكة بين الأبطال، لذا لا يكون للتقاتل بينهم أي تأثير عاطفي، أي أن شعور التفاعل مع الصراع والتأثُّر بنتائجه معدوم. وفي آخر معركة تحديداً تجد نفسك مُتأثُّراً بما يفعله أبناء العائلة الواحدة ببعضهم! هذا الصراع يحقِنُ الفيلم بجرعة دراما مكثَّفة، كانت أفلام الأفنجرز والسوبر هيرو بحاجتها، ولو نسيت أنَّه فيلم عن أبطال خارقين، أو لو تجاهلت الأبعاد السياسية، فستجد نفسك أمام فيلم دراما عظيم عن صراعٍ بين أصدقاء وأبناء عائلة واحدة. الأفنجرز من خلال هذا الصراع يتجاوزون الصورة التقليدية عن الأبطال الخارقين، ليكشفوا عن الجانب الإنساني فيهم، بمحاسنه ومثالبه.

ليسَ عبثاً استخدام مقطع “متحدين نقف، متفرقين نسقط” من “أغنيّة الحرية” التي تعود لمرحلة ما قبل حرب الاستقلال الأميركية -وتستخدم كشعار للاتحاد والتعاون- في إعلانات الفيلم!

كيف تُسقِطُ الحرب الأهلية الأمم للأبد؟

“أنا هُنا لأشاهد سقوط إمبراطورية…”

Captain-America-Iron-Man-Civil-War.jpeg

يقول زيمو، إن الإمبراطوريات حين يُسقِطُها أعداءها فإنها تستطيع النهوض مرّة أخرى، لكن حين تَسقُط من الداخل فإنها تموت للأبد. والسقوط من الداخل، يتمثّل في الحرب الأهلية، أن يصبح أهل البلد الواحد أعداء، فيتقاتلون، ويذبّح بعضهم بعضاً، فيما العدوّ الخارجي يعد العدّة لكي يسيطر على تلك البلد ويحتلّها.

الصراع بين الأفنجرز، بين الأبطال الذين يحمون أميركا والعالم كلّه هو حرب أهليّة، ويمكن رؤيتها كحربٍ أهلية أميركية جديدة. في البدء كان سبب الخلاف داخلياً، متمثّلاً في التدخل الحكومي لتنظيم ومراقبة الأفنجرز، ووقوف كابتن أميركا مع صديقه القديم “باكي” (جندي الشتاء) الّذي غسلت منطّمة هايدرا دماغه وحوّلته لآلة قتل.

ثم يتبيّن أن أيادٍ خارجية تعبث بالأبطال، وتزرع بذور الشقاق والبغضاء بينهم، الكولونيل زيمو يُغذي هذا الصراع عبر القيام بتفجيرٍ في فيينا وإلصاقه بـ”باكي” المطارد والمصنف كإرهابي، وعبر اللعب على عواطف الأفنجرز الشخصية ومشاعرهم واستثمارها لتأجيج الصراع بينهم، لتدميرهم بأيديهم.

الفيلم يقول لنا، إنّ هناك بالفعل مؤامرات خارجية، وأجندات أجنبية تتلاعب في مصائر الأمم، وتصنع حروباً أهليّة لإسقاطها ومنعها من النهوض مرّة أخرى، الأميركي يقول ذلك لكم بصراحة، هناك مؤامرة، وربّما تكون مسألة الإشراف على الأفنجرز مؤامرة كذلك وهو المرجّح، إذا عرفنا أن أحد أبرز عرّابيها هو وزير الخارجية الأميركي المُتخيَّل روس، وهو في الكوميكس معروف بعدائه للسوبرهيروز وعلى الاغلب سيكون عدو “هلك” في المستقبل.

الحرب الأهلية إذاً ليست داخليّة تماماً، هناك مُسبِّباتها الداخلية لا شك، لكن رقعتها لا تتسع، ولا تشتد دمويّتُها، إلا حينَ يدخل الأجنبي على الخط، ويبدأ بالعبث من خلف الكواليس ويقنع المتقاتلين -يخدعهم- بأنّه لا يد له في ما يحدث وهُم يصدِّقون! وحينَ ينكشف دور العدو الخارجي ومؤامرته، يلجأ إلى الورقة الأخيرة، إلى اللعب على ما يصعب على الإنسان ضبطه والتحكم به، حين ينفضح أمر زيمو، وتوشك أن تذهب العداوة بين آيرون مان وكابتن أميركا، يكشف لتوني ستارك أن باكي هو من قتل والديه، ورغبة ستارك في الثأر لوالديه عارمة -رغم أنَّ باكي كان مسلوب الإرادة ومغسول الدماغ- فيستسلم لها، ليحتدم الصراع من جديد، ويكون أكثر فتكاً هذه المرة حينَ يتغلَّب الهم الفردي على الجمعي!.. الرغبة في الثأر في أوقات الأزمات تودي إلى التهلكة، هذا ما فطن إليه بلاك بانثر، لذا كبَحَ جِماح شهوة الثأر ولم يقتل زيمو.

وفي بلادٍ ما زالت تنهار بفعل الحرب الأهلية التي ساهمت في اندلاعها أيادٍ خارجية، لا يهم الناس أن تكون أوطانهم بأمان واستقرار، أو أن هناك عدواً خارجياً يتربص بهم، وعينه على أرضهم ومقدراتهم، كل ما يهمهم هو الثأر ويكونون على استعدادٍ لفعل الموبقات من أجل الانتشاء بمتعته اللحظية، تستهلكهم الرغبة في الثأر، فتحوّلهم إلى حطبٍ في جحيم الحرب الأهلية، إلى وقود لمزيدٍ من الخراب والدمار. الحرب الأهلية تُسقِط الأمم إلى الأبد، تُميتُها.. هذا ما يعلّمنا إياه الفيلم، ويعلمنا إياه كذلك تاريخنا المُثقل بتلك الحروب المُستمرّة!

روسيا: العدوّ الذي يحلُّ ضيفاً دائماً.. والشيوعية قد تعود من جديد!

lorQdMv.jpg

العدو الروسي حاضر في هذا الجزء، كما هو حاضر في هوليوود منذ حقبة الحرب الباردة، لذا لا شيء جديد، في الحقيقة هو ضيفٌ دائم على السينما الأميركية في حقبة الحرب الباردة الثانية التي نعيشها اليوم، ضيفٌ عدو، عدو تستحضره أميركا دائماً بوصفه عدوّاً أبدياً، وأكثر القوى الكبرى تهديداً لبقائها (غريب أنَّ قوى الإرهاب التي تدّعي أميركا مُحاربتها لا يطغى حضورها وتهديدها مثل الروسي؟). وإن كانَ هذا الحضور بشكلٍ غير مباشر في هذا الفيلم (جنود الشتاء الخمسة الروس، الأصول الروسية لزيمو، حديثه عن سقوط الإمبراطورية، أحداث سيبريا وقتل باكي لوالدي ستارك حدثت في 16 ديسمبر 1991 أي قبل سقوط الاتحاد السوفيتي رسمياً بعشرة أيام!)، بإمكاننا أن نقول إنَّ روحه حاضرة أو أنَّه موجود في ظل الفيلم.

العدو القديم للولايات المتحدة والعالم منظّمة هايدرا التي اتشقّت عن النازية، وسلكت مسلكاً أشد إجراماً منها انتهت (كما انتهت النازية بانتهاء الحرب العالمية الثانية)، ليظهر على الفور عدوٌ جديد، قادمٌ من سوكوفيا –دولة شرق أوروبية مُتخيَّلة من عالم مارفل السينمائي- يتحدث الروسية ويمقت الهايدرا ويسعى لسقوط الولايات المتحدة (كما أصبح السوفييت رسمياً أعداء العالم الحُر بقيادة الأميركان منذ أن هُزمت النازية). هذا العدو يسعى لسقوط الإمبراطورية الأميركية عبر ضربها من الداخل، عبر إشعال فتيل حربٍ أهلية بين الأفنجرز. انتبهوا أيها الأميركيون.. الحرب الأهلية يشعلها الروسي، هذا ما يلمّح إليه الفيلم!

الغريب أنَّه وعلى الرغم من أنَّ روسيا اليوم رأسمالية (رأسمالية الدولة) إلاَّ أن الخوف من التهديد الروسي، يأتي بالتزامن مع خوفٍ من الشيوعية، من عودتها على الرغم من تبجح الغرب بأنَّها ماتت، ودفنت حتى قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، وبأنَّها متناقضة مع الطبيعة البشرية، وغير صالحة للبقاء مثل رأسماليته التي انتهى التاريخ البشري عندها..الخ. لكن يبدو أن هناك ذعراً من احتمال منطقي لعودتها أو تسللها ببطء عبر بوابة العداء للغرب ورفض سياساته التوسعيّة وإمبرياليته الجديدة. العدو المستقبلي للغرب ربما يكون شيوعياً، وربّما -حسب هاجس الخوف الأميركي من المؤامرة الروسية والصينية أحياناً- الشيوعية لم تمت وقد تعود يوماً ما أقوى من أي وقتٍ مضى؟!

كاد الفيلم أن يكون مثالياً

أو.. مشكلة الأشرار في عالم مارفِل

PicMonkey Collage

قلت في البداية إنَّ الفيلم كاد أن يكون مثالياً، لأنَّ هناك مشكلة منعت الوصول للكمال، وهي سوء استغلال الاشرار، عبر الحد من تطوّر شخصياتهم وعدم استثمارها بشكل جيد في القصة، وإبراز مكامن الجاذبية فيهم، فننساهم على الفور. وهي مشكلة موجودة في عالم مارفِل السينمائي – ربَّما المقصد أن تطغى جاذبية الأبطال على الأشرار بعكس دي سي؟!- حدثَ ذلك من أول افلام آيرون مان، وحتى فيلم “عصر الآلترون”، تم إهدار مجموعة أشرار يملكون مقوّمات منافسة أشرار دي سي الأكثر جاذبية، مثل Red Skull، (كيف يتم التخلُّص من ألدّ أعداء كابتن أميركا والأفنجرز بهذه السهولة والسرعة؟!) Ultron.. وربّما لوكي هو الاستثناء الوحيد. تم إهدار Crossbones والتخلُّص منه سريعاً، بعد ظهوره اللافت في معركة لاغوس ببداية الفيلم التي تم إهدار مساحة زمنية طويلة نسبياً عليها، مع أنه كان بالإمكان استثماره لظهور أكبر وأطول يخدم القصَّة في هذا الفيلم -خاصةً جزئية المؤامرة لإشعال الحرب الأهلية- وفي افلام قادمة.

هناك مشكلة أيضاً مع الكولونيل زيمو -على الرغم من إبداع تركيب شخصيّته، وتعدد أبعادها- في طغيان الخاص على العام فيه، إذ تتوقف طموحه الكبرى بإسقاط الإمبراطورية، عند مساعيه الشخصية بالانتقام من الأفنجرز الّذين تسببوا بقتل عائلته. وهذا لم يرق لي، إذ حوَّل الأمر من صراع يأخذ أبعاداً حضارية وايديولوجية إلى صراع دافعه الحقد الشخصي لا أكثر! الجيّد أنّه لم يُقتَل، وهذا يعني أننا قد نراه في أفلام قادمة.

الخلاصة:

“الحرب الأهلية” ربما هو أفضل فيلم للأبطال الخارقين يمكن للمرء مشاهدته -سأستثني ثلاثية فارس الظلام لأنّي لا اعتبرها منتمية لهذه النوعية- وهو كذلك من أهم تلك الأفلام لراهنيَّة موضوعاته وجديَّتها وعُمقِ شخصيَّاته، وكذلك كونه غنيَّاً بدراما فريدة تميّزه عن كل ما صُنِعَ قبله، وتذكّر مشاهديه أنّهم أمام فيلم أبطال خارقين غير تقليدي. إضافة إلى تصنيفك للفيلم سيختلف باختلاف الزاوية التي تنظر منها إليه، قد ترى الدراما طاغية عليه، قد تجده سياسياً بحتاً، أو فيلم آكشن، وهو كل هذا وأكثر. أقول هذا وأنا مُنحازٌ لـ”دي سي” لكن عليَّ الاعتراف، لقد أشهرت مارفِل أفضلَ أسلحتها في وجه الخصم اللدود “دي سي”، وقد انتصرت في معركة أفضل فيلم لهذا العام.. وربّما لأعوامٍ مقبلة.

IMDb | RT

160331023722190757.jpg

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s