كلاسيكيات / السينما اليوم

المرأة في الفيلم الأسود: أفعى فاتنة تقود الرجال صوبَ العدم!

Double-Indemnity-1

جابر الغول

بعد مشاهدة مجموعة من أفلام “النوار” (الفيلم الأسود Film noir)، لاحظتُ أنّ هناك نوعين أو صنفين مُتناقضين من النساء في هذه الأفلام. وباعتقادي الشخصي -وأنا لستُ مُختَّصاً كما هو واضِح- لا يُمكن أن يُدعى الفيلم أسودًا إذا كانت لا تحضر فيه الأنثى، حضورًا جسديًا، أو معنويًا (مثل فيلم قوة غاشمة 1947). إذ أنَّ وجودها ركن من أركان عالم هذا الفيلم المتشبّع بالعدمية، والمتشّح بالسوداوية واللاجدوى وانحطاط النوع البشري، والذي تُهيمن فيه أدنى الغرائز الإنسانية وأحقرها، وتنتصر على ما يُسمّيها الإنسان “فضائل”. ليسود اللامعنى وتفرش الخيبة ظلّها في النهاية، وإن كان ثمة شيء له معنى في هذا العالم فهو “الشر” فقط.

النوع الأوَّل هو الفاتنة القاتلة أو الفاتنة التي لا تُقاوم (Femme fatale) (الترجمة توضيحية ولا تؤدي المعنى بدقّة) الركن الأهم في أي فيلم أسود، وهي أقرب للشيطان في القرآن، للأفعى في العهد القديم، هي التي تقود الرجال نحوَ حتفهم، وهي أساسُ خراب العالم، وسببٌ رئيسي في فساده. الرجل في الغالِب يكون في حالِه، يعيش حياة طبيعية، أو ليس فيها ما يهدد حياته، فجأة.. من اللامكان، وبمحض الصدفة المقصودة.. تظهر هذه الفاتنة اللعوب، لكي تقلِبَ عالَمَهُ رأساً على عَقب. لا يكون في الغالب صاحب تاريخٍ إجرامي (فقد يكون محققًا خاصاً، أو عامل في شركة تأمين، أو مقامر، أو مجرّد عابر سبيل أو مواطن عادي مطيع للقانون).. لكنَّ طغيان جمالها، والشهوة الفائضة في عينيها، والرغبة التي تكسو وجهها ولا تملك كظمها، بمرافقة شهوة المال والثروة، تدفعه لارتكاب جريمة يخططان لها سويَّاً، بدقة وإحكام، وعناية.. لتفشل بالنهاية! ثم ليكتشف أنَّه كان ضحيَّة لها، كما كل الرجال ضحاياها. الرجل لا قيمة له في عالم الفيلم الأسود، إلاَّ كأداة تستغلها المرأة، حصانٌ جامح تمتطي صهوته لتسهيل وتسريع بلوغ غاياتها التي لا ليسَ من ضمنها الحُب!

لا يكفي أن تكونَ المرأة طاغية الجمال، حتى يُطلق عليها وصف “الفاتنة القاتلة”، يجب أن تكون مُصطنعة، في مشاعرها، في حُبِّها، في مظهرها، مزيَّفة قلبًا وقالبًا. كاذبة مع الجميع، ولا يُلمسُ لها قاع -كما يقول نيتشه- وقادرة على التلاعب سيكولوجيًا بالرجال وقيادتهم كالنعاج إلى حتفهم، إلى حبل المشنقة التي تلفُّه هي حول رقابهم منذ بداية ولعهم الشهواني العارم بها، منذ بداية توهّمهم حبها، وحاجتها لهم كوسيلة لا أكثر. (أفضل من يمثّلها على الإطلاق: باربرا ستانويسك في فيلم تعويض مَضاعف 1944 *الصورة*).

وهكذا يبدو عالم الفيلم الأسود وكأنّه يحتقر المرأة، ويتماهي مع المخيال الديني التي ترميها بأشد النعوت سوءًا، ويقدّم لكارهي النساء خدمة جليَّة تؤكد كل مزاعمهم حولها. لكنَّه في المقابل يقدّم نموذجاً آخر على النقيض تمامًا، تتمثل فيه الطيبة والفضيلة والخير، والبراءة -نوعاً ما-.. لكن لا تفرحوا كثيرًا، إذ أنَّ هذه المرأة الطيّبة، ساذجة في الغالب، جاهلة حياتيًّا، هشَّة ويبدو أن طيبتها نابعة من جهلها! وكأنَّ مبتكري هذا النوع، يريدون القول: إنه ليس هناك إلاّ صنفان من النساء، صنف المرأة الفاتنة، اللعوب، المُتلاعبة بعقول الرجال، والمثيرة لغرائزهم، القوية، الذكية التي تعرف ماذا تريد من حياتها. وتصنع معنى لوجودها عبر استغلال الذكور، بسلاحها الأشد فتكاً.. جسدها. وصنف المرأة الطيّبة، الصادقة، العفوية، الجميلة، لكن جمالها ربما عادي، وتغلب عليها طبائع السذاجة والضعف وتنهار سريعًا بسبب هشاشة أعصابها ورقّة مشاعرها، وربما يسهل على الرجال استغلالها دون عواقب وخيمة كتلك التي تترتب على تورطهم مع المرأة طاغية الجمال (ببساطة: مارلين مونرو “مقابل” جاين هاغين في فيلم غابة الأسفلت 1950).

gloria-grahame-the-big-heat-film-noir-fashion

عالم الفيلم الأسود، معادٍ للمرأة بالضرورة، يتمظهر فيه كره بعض الفلاسفة الجذري للنساء -شوبنهاور ونيتشه ذكراً لا حصراً- واحتقارهم لهنّ. وتكمن فيه نزعة دينية إبراهيمية، ترى في المرأة سبب الخطيئة الأولى، وفي جنس النساء كيداً عظيمًا ونجسًا.. أفعى تسبَّبت بقذف آدم من الأرض إلى الجنَّة.. منذ بدء الخليقة، وها هي تعيد الكرَّة وتقذف به مجدداً، لكن هذه المرّة من الأرض.. إلى المجهول، إلى العدم.. المُستقر الأخير للإنسان في الفيلم الأسود.

هذا ليسَ رأيي طبعًا في المرأة. لكن هذا ما يقوله “الفيلم الأسود” بوضوح، والذي لم أجد أفضل منه في التعبير بصدق ودقّة عن روح الغرب، عن انحطاط قيمه، وبؤس حداثته، وكذب وعوده بالحرية والرفاه، وحلول العدميَّة في حضارته، وعن موتِ إنسانه، بعدَ أن ماتَ إلهه!.. وفي هذا حديثٌ آخر قريبًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

-أفلام نوار تضمَّنت تقريباً ما أتحدَّث عنه:

تعويض مُضاعَف (1944)

غابة الأسفلت (1950)

مُسدَّس مجنون (1950)

القتلة (1946)

ساعي البريد دائماً يطرق مرتين (1946)

المدينة العارية (1948)

التِفاف (1945)

من الماضي (1947)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للمزيد حولَ “الفيلم الأسود”، يمكن قراءة هذا المقال.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s