مراجعات الأفلام

Dunkirk – 2017

“.Wars are not won by evacuation”

مهند الجندي.
التقييم: 3 من 4.

نظرًا لفطرته السينمائية المجرّدة من أي زيف أو سفسطة في التجسيد والتشخيص، يحرص كريستوفر نولان على تصوير فيلمه الحربي الأول Dunkirk، والوحيد المهتم بنقله للشاشة الكبيرة حسب تعبيره، كتجربة حسية لا يُمكنه وصفها سينمائيًا إلا كما تمليه عليه حرفته السردية البحتة المنغمسة بالتزامن والسرد غير الخطي أو المباشر؛ استخدام مُركّز لتقنية الآيماكس والتصوير العريض بعمق 65 مليمتر، وكل ما في جعبة طاقمه من تصوير هويت فان هويتيما السينمائي الأخاذ، وموسيقى هانز زيمر التي تنفث لهيبًا مريبًا يعكس انكسار كل من على شاشة من فداحة ما يُصيبهم (وإن كان حضورها مبالغ قليلًا)، لتصوير فيلم حربي ليس حربيًا في شخوصه أو فحواه ولا في نواياه الفنية بقدر ما هو إحياء لذكرى كابوسية التي لن تنسحب من مخيلتك سريعًا بعد نهاية الأحداث.

تتمحور حبكة الفيلم حول عملية الإخلاء التي حدثت على شواطئ دنكيرك خلال الحرب العالمية الثانية بين قوات الحلفاء وألمانيا النازية في عام 1940. ويُوظف الفيلم أفرادًا كان لهم دور محوري في تنفيذ هذه العملية: الجنديان الشابان تومي (فيون وايتهيد) وأليكس (هاري ستايلز)، والمواطن صاحب المركب المدني السيد داوسون (مارك رايلنس)، والقائد البحري بولتون (كينيث برانه)، وطيّار الطائرة الحربية البريطانية “سبتفاير” الماهر (توم هاردي)، والجندي المصاب بصدمة القصف (كيليان ميرفي). وقد تضمنت هذه الواقعة الحقيقية، المعروفة أيضًا باسم “عملية دينامو”، محاولة إنقاذ قرابة من 400,000 جندي بريطاني منسحب من منطقة ميناء دنكيرك الفرنسي.

يبدأ الفيلم عند النقطة التي تنتهي معظم الأفلام الحربية: ما بعد المعركة نفسها. ولأن نولان يسعى لإثارة وتحدي بعض الغرائز الجوهرية لدى المشاهد، يتعمد عدم تعريفنا “فعليًا” على خلفية أيٍ من الجنود الشخصية، بل يعتمد على ما نشترك به معهم كبشر من رغبة طبيعية في الحياة والبحث عن حبل نجاة وإن كان قصيرًا جدًا، فيتأمل في وجوه ممثليه وتعابيرهم ويتلقط أنفساهم التي ربما تكون الأخيرة.

إنه شعور مضني أن تنتظر وقوع جحيم قادم لا محالة، رعب نفسي يتربص ويتفاقم حتى وأنت ترى بصيص الأمل يسنو ويتلاشى من موقعك، برًا وجوًا وبحرًا. أما فكرة الانهزام أو الانسحاب العسكري العظيم المؤجّج بنكهة الانتصار، فهي تُشكل حجر الأساس للعمل ككل، فالمشاعر الصارخة المتكررة في الأفلام الحربية محذوفة عمدًا في Dunkirk؛ فلا نداء للوطنية أو حضور للبطولة، إنما هو إحساس متصاعد باللُحمة القومية.

يسرد نولان العمل، المنتمي نوعيًا لأفلام الحرب العالمية الثانية، من خلال تجارب الجنود ونزاعهم للموت وحصارهم، وعليه فإن أسماءهم وخلفياتهم لا صلة لها بالغاية الأساسية التي ابتدع الفيلم لأجلها، المهم هي الرتبة العسكرية والوحدة والمهارة والعملية نفسها بمجمل تفاصيلها، لدرجة أن حتى الأسطر الأولى التي تعرض القصة لا تُعرّفنا على العدو بأنه “ألمانيا النازية”، والمخرج بدوره ربما لم يُخصص سوى أجزاء من الثانية للإشارة له بذلك (منها طلاء الجزء الأمامي للطائرات الألمانية باللون الأصفر لتمييزها عن البريطانية)، لكن الجنود طبعًا يعرفون هوية من يقاتلون ولماذا، لكن العدو في النهاية، أينما كان، هو خصم غريب لا اسم له يُحاول قنصهم وإنهاء حياتهم.

لكن على الرغم من وجهات النظر الثلاث المختلفة والمسهبة التي يستخدمها نولان لتجسيد هذا الانسحاب البطولي كفيلم شبه صامت يعكس أهوال هذه الواقعة، إلا أن تصنيف الفيلم ابتداءً من 13 سنة فما فوق مع الإرشاد الأسري يُعيق استغلال “كامل” قدرات القصة ومواطن قوتها على شاشة الآيماكس العملاقة، فتفاصيل المشاهد الحربية تبقى بسيطة وتفتقد بشدة لدفعة أقوى وأشد وطأة. قد يكون المنظور التسويقي لهذا الفيلم هو العامل الأساسي وراء هذا الاختيار، لكنه إجمالًا يؤطّر العمل ككل ضمن نوعية الإثارة البحتة والتشويق أكثر من الإطار الحربي العام. وبما أن نولان اختار أن يختزل الرابط العاطفي بين الشخصيات والمشاهدين، فإن ذلك قد يُولد لدى الجمهور إحساسًا غريبًا من التحفظ البارد حيال أفراد القصة، لأن المخرج يُركّز على جماعية الموقف ولهثة النجاة ربما في كل ثانية من مجرياته. لكن ذلك، حتمًا، قد يُشعر البعض بقليل من التململ، خصوصًا من يبحث عن استرسال في السيناريو والحوار أو دراسة متعمقة للشخصيات.

أما أهمية الفيلم وإشاراته الضمنية فتتمثل في تبعات هذه الواقعة وانعكاسها على المملكة المتحدة، لاسيما عند استلام ونستون تشرشل لمنصب رئيس الوزراء البريطاني بعد أن أمست بريطانيا وحيدة في مجابهة العدو الألماني، وسماع الجنود لخطابه الشهير في الرابع من يونيو عام 1940 حول هذه “الأزمة العسكرية العظمى”، الذي استقبلهم به بحفاوة التفاني والإخلاص للواجب، وأن هناك نصرًا من هذه الانسحاب ينبثق من إعادة توحيد الصفوف والقتال بشراسة من كل حدب وصوب.

IMDb | RT

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s