الفيلم الأسود

فيلم النوار “الفيلم الأسود”

 

ترجمة مهند الجندي عن موقع ويكيبيديا.

فيلم النوار هو مصطلح سينمائي يُستخدم للتعبير عن أفلام الجريمة والدراما الهوليودية الأسلوبية، خصوصاً تلك التي ترتكز بمحتواها على التصرفات المفعمة بالتهكم والتشاؤم والدوافع الجنسية. وتمتد حقبة أفلام النوار الكلاسيكية الهوليودية من بداية أربعينات القرن العشرين حتى أواخر الخمسينات. وقد لازمها في تلك الفترة تحديداً أسلوب بصري قائم على التصوير القاتم بالأبيض والأسود، حيث يعود بجذوره إلى التصوير السينمائي الخاص بالموجة التعبيرية الألمانية. ويُلاحظ أن الكثير من قصص أفلام النوار الأولى وسلوكياتها استمدت روحها من مدرسة قصص الجريمة المعروفة باسم hardboiled “قصص بوليسية تمزج بين العنف والجريمة والجنس بأسلوب قاسي وجاد” وعرفت هذه القصص نور الشمس في الولايات المتحدة خلال فترة الكساد الاقتصادي.


شخصيتان مظللتان من فيلم (The Big Combo) لعام 1955. جون ألتون، مصور الفيلم، كان المسؤول عن ابتداع الكثير من صور أفلام النوار الشهيرة.

المصطلح “film noir” (فرنسي يعني “الفيلم الأسود”) اُستخدم للإشارة إلى الأفلام الهوليودية لأول مرة من قبل الناقد الفرنسي نينو فرانك في العام 1946، وكان مصطلحاً جديداً على مسامع كافة العاملين في صناعة الأفلام الأمريكية الكلاسيكية آنذاك. وقام المؤرخون السينمائيون والنقاد على حدٍ سواء بتعريف أسس النوار عبر إجراء مسح تاريخي؛ حيث أنه قبل رسوخ هذا المصطلح مع حلول فترة السبعينات، كان يُطلق على أفلام النوار الكلاسيكية مصطلح ميلودراما “مزيج بين العاطفة والدراما”. وما يزال الباحثون في موضع جدل إن كان “الفيلم نوار” مؤهل ليكون نوع سينمائي مستقل بحد ذاته.

يتضمن الفيلم الأسود عدة أنواع من القصص، وعادة ما يكون البطل الرئيسي فيه إما محقق خاص (The Big Sleep)، شرطي متخفي (The Big Heat)، ملاكم مسن (The Set-Up)، محتال سيء الطالع (Night and the City) مواطن مطيع للقانون يندس إلى عالم الإجرام (Gun Crazy) أو ضحية لظروفه الاجتماعية (D.O.A.). وبالرغم من أن أجواء الفيلم الأسود عُرفت أساساً ضمن الأفلام الأمريكية، فقد باتت الكثير من الأفلام حالياً توصف بالنوار وفي كافة أرجاء العالم. فمع بداية فترة الستينات وصاعداً، صدرت العديد من الأفلام التي تشترك بنفس خصائص الفيلم الأسود الكلاسيكي، وتتعامل مع تقاليد الفيلم الأسود غالباً بطريقة الخصوصية الذاتية “نظرية تشير إلى العمل نفسه وتخدمه”. ويُشار كثيراً لهذه الأعمال الأكثر حداثة والمستخدمة لأجواء النوار باسم “نيو نوار – النوار الجديد”. كما ألهمت المعاني المجازية لفيلم النوار فن المحاكاة التهكمية منذ أواسط الأربعينات.

  • صعوبات التعريف

 
لم تقم صحيفة “نيويورك تايمز” باستخدام مصطلح فيلم النوار إلا في فبراير من عام 1973، وذلك لوصف كيف أن “الأجواء والتوتر” في فيلم المحقق البريطاني الساخر والمعنون باسم (Pulp) قد أتت من “المزايا العميقة المتعددة لفيلم النوار”.

لا تزال الأسئلة المتعلقة بماهية تعريف فيلم النوار والفئة التي ينتمي إليها بين بقية الأفلام تثير جدالاً مستمراً حتى يومنا هذا. ضمن الكتاب الذي وضعه الناقدين الفرنسيين رايموند بوردي وإيتيان شوميتون عام 1955 بعنوان “بانوراما فيلم النوار الأمريكي” وهو المعالجة المطولة الشاملة والأولى حول الموضوع، ثمة جملة تستهل المحاولات الكثيرة لتحديد سمات فيلم النوار، وتقول : “سنبسط الأشياء أكثر من اللازم لو وصفنا فيلم النوار بأنه تجربة حالمة، غريبة، شهوانية، متناقضة وقاسية فقط”. حيث يؤكدان بأن ليس كل فيلم نوار يجسد هذه السمات الخمس بنفس القدر، فمنها الذي يشبه الحلم، وغيرها يمكن وصفه بالوحشي. وقد ُاستنسخت تحذيرات وجهود المؤلفين المتعاقبة لتوفير تعريف بديل لفيلم النوار في العديد من الدراسات التي صدرت لاحقاً: يوجد محاولات لا تعد ولا تحصى للعثور على تعريف آخر خلال العقود الخمسة اللاحقة لهذا المصطلح، بيد أن فيلم النوار ما يزال برأي المؤرخ السينمائي مارك بولد: “ظاهرة محيرة… وستبقى خارج نطاق التعريف”.

ومع أن فيلم النوار يتطبع بأسلوب بصري خاص، لا يطابق فضاء هوليوود المعتاد ويكثف من استخدام الإضاءة القاتمة والحبكات المتوهة، إلا أن أفلام النوار عرفت أيضاً تنوعاً كبيراً في أساليبها البصرية، ومن بينها أسلوب يلائم يد الأفلام الهوليودية السائدة كالقفاز. أفلام النوار تضمنت كذلك أنواع مختلفة من الحبكات، من قصص العصابات وإجراءات الشرطة، والرومانسيات السوداء حتى أفلام القضايا الاجتماعية – وعند صدور أي فيلم من هذه الأنواع خلال فترتي الأربعينات والخمسينات، وهي تعتبر الآن حقبة النوار الكلاسيكية، كان يصنف كفيلم “ميلودراما” في ذلك الوقت. وبينما يصف العديد من النقاد فيلم النوار بأنها فئة مستقلة بحد بذاتها بين أنواع الأفلام، نلاحظ مخالفة عدد آخر منهم لذلك الرأي. ومع أن النوار تدور أحداثه كثيراً في الأحياء المدنية، نجد كلاسيكيات أخرى منها قد تدور في بلدات صغيرة أو مناطق ريفية أو على الطرق الواسعة؛ وعليه لا يمكن لزمان ومكان الفيلم أن يحدد نوعيته، حاله كحال أفلام الويسترن. وعلى نفس المنوال، بالرغم من اعتيادية وجود شخصيتي المحقق الخاص والمرأة الغامضة الفاتنة في أفلام النوار، فإن الكثير من أفلام النوار تخلو من هذه الشخصيات؛ وبالتالي لا يمكن الاعتماد على شخصية معينة لنستدل بها كلياً على هذا النوع من الأفلام، تماماً كأفلام العصابات. لا يعتمد فيلم النوار على شيء واضح دائم مثل عنصري الوحوش أو تلك الخارقة للعادة ضمن أفلام الرعب، ولا للإثباتات الفكرية في أفلام الخيال العلمي أو وصلات الرقص والغناء في الأفلام الموسيقية.

نوع مشابه أكثر لفيلم النوار هو ما يُسمى بــ”الكوميديا البلهاء” التي لقيت قبولاً واسعاً من المؤخرين السينمائيين لتشكل “فئة” خاصة بها: لم تحصل هذه الكوميديا الغريبة على هذا التعريف وفقاً لمعايير أساسية فيها، إنما من خلال عُرف عام ومجموعة من المكونات، بعض هذه المكونات موجودة دائماً في مثل هذه الأفلام، لكن نادراً ما تكون كلها مجتمعة في فيلم واحد منها. غير أن تنوع فيلم النوار (أكثر بكثير من الكوميديا البلهاء)، دفع عدد من الباحثين في هذا المجال، مثل المؤرخ الفيلمي ثوماس شاتس، لوصف أفلام النوار بأنها ذات “أسلوب” وليس “نوع” مستقل بذاته. بينما ألين سليفر، أوسع النقاد الأمريكيين انتشاراً فيما يتعلق بدراسات فيلم النوار، يشير لهذا النوع بالوصفين “حقبة خاصة” و”ظاهرة”، مع التأكيد أيضاً على تكون فيلم النوار من مجموعة قواعد بصرية ومواضيع معينة، كبعض أنواع الأفلام الأخرى. نقاد آخرون يعاملون فيلم النوار على أنه ذو “جو محدد” ويمتاز “بنسق معين”، وآخرين قاموا بدراسة مجموعة من الأفلام يرون أنها تنتمي “لمواصفات” فيلم النوار، لكن لا يوجد إجماع قطعي حول هذه المسألة.

  • معلومات أساسية
    مصادر سينمائية

اُستلهمت جماليات فيلم النوار بشكل كبير من الموجة التعبيرية الألمانية، وهي حركة فنية ظهرت في أوائل وعشرينيات القرن الماضي وشملت فنون المسرح والتصوير والرسم والنحت والتصميم المعماري والسينما أيضاً. الفرص المتاحة جراء ازدهار صناعة الأفلام في هوليوود والتهديد الذي جاء لاحقاً من تصاعد القوى النازية أدى إلى هجرة العديد من الفنانين السينمائيين المهمين العاملين في ألمانيا، سواء أولئك العاملين في الموجة التعبيرية أو الذين درسوها إلى جانب زملائهم الممارسين لها. وعمل مخرجون أمثال فريتز لانغ وروبيرت سيودماك ومايكل كيرتز على استخدام أسلوب إضاءة مظلل لحد كبير وطريقة تعبيرية نفسية للتركيبة الفيلم البصرية، أو mise-en-scène بالفرنسية، وتعني كل ما هو معروض على الشاشة، وهذا الأسلوب الذي أحضروه إلى هوليوود جعلهم يصنعون مجموعة من أشهر أفلام النوار على الإطلاق. فيلم (M) الذي صدر عام 1931، قبل سنتين من رحيل مخرجه عن ألمانيا، هو أهم إنجاز قدمه فريتز لانغ، ومن أوائل الأفلام الكبرى ضمن السينما الناطقة التي تحتوي على خصائص الأسلوب البصري الخاص بأفلام النوار وبحبكة مشابه لها، حيث يكون بطلها مجرماً (كحال معظم أبطال أفلام النوار اللاحقين).

وبحلول عام 1931 كان قد مضى على تواجد المخرج كيرتز في هوليوود قرابة الخمس سنوات، مخرجاً لستة أفلام سنوياً. ومن أفلامه التي صدرت في أوائل حقبة السينما الناطقة ويمكن تصنيفها تحت فئة النوار هي على سبيل ذكر لا الحصر (20,000 Years in Sing Sing) لعام 1932 و(Private Detective 62) لعام 1933، وهذا الفيلم الأخير يأخذه الباحث مارك فيرنت كدليل على أن تأريخ بداية أفلام النوار وحصرها بعِقد الأربعينيات أو أية سنة أخرى يُعد أمراً “اعتباطياً”. ونتيجةً لمنح صانعي الأفلام التعبيريين حرية أسلوبية مطلقة، أصدرت شركة يونيفيرسال أفلام رعب مثل (Dracula) لعام 1931 و(The Mummy) لعام 1932، وفيها قام كارل فرويند الذي تدرب في برلين بتصوير الأول وإخراج الثاني، كما أصدرت يونيفيرسال فيلم ثالث بعنوان (The Black Cat) لعام 1934 من إخراج اللاجئ النمساوي إدغار جي. أولمار. وأقرب فيلم رعب أنتجته شركة يونيفيرسال من أجواء أفلام النوار، من ناحيتي القصة والإحساس، هو (The Invisible Man) لعام 1939 وأخرجه الإنجليزي جيمس وايل وصوره الأمريكي آرثر إديسون، وهو أيضاً مصور فيلم (The Maltese Falcon) عام 1941 الذي يعتبره الكثيرون أول فيلم نوار رسمي يصدر في الفترة الكلاسيكية.


“مارلين ديتريتش” الغامضة الفاتنة الأصلية، في صورة دعائية لفيلم الميلودراما الساخرة (The Blue Angel) عام 1930.

المخرج جوزيف فون ستيرنبيرغ، وهو نمساوي المولد وأمريكي النشأة، كان يعمل في هوليوود آنذاك، وأفلامه مثل (Shanghai Express) عام 1932 و(The Devil Is a Woman) عام 1935، بشهوانيتها المرهفة وأسلوبها البصري الباهر، استبقت غيرها بإدخال الكثير من العناصر الرئيسية لأفلام النوار الكلاسيكية. وقد كان النجاح التجاري والنقدي الذي عرفه فيلم ستيرنبيرغ الصامت (Underworld) لعام 1927 سبباً رئيسياً في تحفيز موجة أفلام العصابات الهوليودية. أفلام ناجحة أخرى من نوعية الجريمة مثل (Little Caesar) و(The Public Enemy) لعامي 1931 و(Scarface) عام 1932 أثبتت كذلك انجذاب الجمهور للجريمة الدرامية التي تعرض أبطالاً سيئون أخلاقياً. ثمة حركة سينمائية سابقة مهمة وملهمة للنوار الكلاسيكي وهي الواقعية الشعرية الفرنسية التي ظهرت في الثلاثينات، بسلوكياتها الرومانسية والميالة للقتل واحتفاءها بالأبطال الهالكين. وتعكس الدراما (I Am a Fugitive from a Chan Gang) لعام 1932 من شركة وورنر براذرز خصال هذه الحركة، وهو مثال مهم لنوعية النوار. ومن بين هذه الأفلام جميعها والتي لم يحصل أحدها على تصنيف فيلم النوار، لم يكن لأي منها أثر ملموس في تطوير هذا النوع كما فعل الفيلم الأمريكي الرائد (Citizen Kane) لعام 1941 من إخراج أورسين ويلز؛ فعمقه البصري وتركيبته السردية المعقدة والمبنية على صوت الراوي استنسخت في عشرات أفلام النوار الكلاسيكية.

و كان لموجة الواقعية الإيطالية الجديدة في الأربعينيات باستخدامها المكثف للمصداقية شبه الوثائقية إلهاماً جلياً على الأنماط التي طرأت على فيلم النوار الأمريكي. فيلم (The Lost Weekend) لعام 1945 من إخراج بيلي وايلدر، وهو نمساوي المولد وبرليني النشأة كذلك، أمريكي في حياته الفنية، تدور قصته حول رجل مدمن على الكحول بنسق يعيد الموجة الواقعية الإيطالية للأذهان، ويضرب أمثالاً عن مشاكل الطبقات الاجتماعية: وهو أحد أوائل الأفلام الأمريكية التي صنفت تحت فئة فيلم النوار، قبل أن يُجرد من هذا التصنيف كلياً في وقت لاحق. وذكر جولز داسن مخرج فيلم (The Naked City) عام 1948 أن الواقعية الجديدة ألهمت تصويره في المواقع الحية خارج الأستوديو واستخدامه لأشخاص حقيقيين غير محترفين ليوأدوا أدواراً ثانوية في فيلمه. هذا الأسلوب شبة الوثائقي أثر في عدد كبير من أفلام النوار التي صدرت في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. وإلى جانب الواقعية الجديدة، جسدت أفلام النوار مثالاً على نشأة المرء في وطنه، وهي التي وظفها داسن في أفلامه بكثرة، ويعرض فيلم (The House on 92nd Street) عام 1945 للمخرج هنري هاثاوي تأثراً مماثلاً لهذا الأسلوب السينمائي الواقعي.

  • مصادر أدبية


عدد شهر أكتوبر من عام 1934 لمجلة “Black Mask” نشر أول ظهور لشخصية المحقق، والتي سيولفها رايموند تشاندلر لشخصية فيليب مارلو الشهيرة.

كانت مدرسة المحقق الأمريكي وقصص الجريمة المعروفة باسم hardboiled هي المصدر الأدبي الرئيسي الملهم لأفلام النوار، ومن أهم الكتاب في بداياتها هما داتشيل هاميت (نُشرت روايته الأولى Red Harvest عام 1929) والكاتب جيمس إم. كاين (صدرت روايته The Postman Always Rings Twice بعد خمس سوات) وانتشرت هذه الروايات بشكل واسع في مجلات الـPulp “وهي مجلات رخيصة بثمنها وبنوعية الورق المستخدم لطباعتها” ومثال عليها مجلة Black Mask. واستند فيلما النوار The Maltese Flacon وThe Glass Key لعامي 1942 على روايات للكاتب هاميت، بينما وفرت روايات كاين الفكر الرئيسية لأفلام مثل Double Indemnity عام 1944 وMildred Pierce عام 1945 وThe Postman Always Rings Twice عام 1946 وSlightly Scarlet عام 1956 “مقتبس عن رواية Love’s Lovely Counterfeit”. وفي العقد الأسبق لحقبة النوار الكلاسيكية، تم الاستناد على قصة للكاتب هاميت لتصوير فيلم العصابات الميلودرامي (City Streets) عام 1931 من إخراج روبين ماموليان وتصوير لي غارمز، وهو مصور دائم العمل مع المخرج ستيرنبيرغ. ويُشاع بأن فيلم City Streets بأسلوبه وقصته المشابهتين للكثير من مواصفات أفلام النوار والصادر قبل شهر واحد من فيلم (M) للمخرج لانغ، هو أول فيلم نوار رسمي على الإطلاق.

رايموند تشانلدر الذي بدء مسيرته الروائية بــ(The Big Sleep) عام 1939 هو أشهر مؤلف في مدرسة قصص الجريمة القاسية. ولم يكتفي تشانلدر بتحويل رواياته إلى أفلام نوار مهمة وحسب “مثل Murder, My Sweet عام 1944 والمقتبس عن قصة بعنوان Farewell, My Lovely”، وThe Big Sleep عام 1946 وLady in the Lake عام 1947، فكان أيضاً كاتباً بارزاً لهذه النوعية من الأفلام، خاطاً لسيناريوهات أفلام مثل Double Indemnity وThe Blue Dahlia عام 1946 وStrangers on a Train عام 1951. وعمد الكاتبان تشانلدر وهاميت بتركيز محاور رواياتهما وقصصهما على شخصية المحقق الخاص، بينما كان كاين يقدم أشخاصاً بمواصفات أقل بطولية ويركز على الخلجات النفسية أكثر من الوصول لحل معضلة الجريمة؛ أسلوب كاين هذا خصص له نوع فرعي عن قصص الـhardboiled ويُلقب “قصص النوار” حيث أبطالها إما مجرمين أو ضحايا أو متهمين، وليس محققين خاصين. ومن أنجح المؤلفين وأكثرهم إنتاجاً طوال فترة الأربعينات كان كورنل وولريتش بمنهجه المتهكم في كتابة قصص التشويق (ويُشار له أحياناً بالاسمين الحركيين جورج هوبلي أو ويليام آيريش). لم يُقدم أي كاتب آخر يعمل في الحقبة الكلاسيكية ركائز أساسية لأفلام النوار أكثر من وولريتش: كتب 13 عملاً، من بينها (Black Angel) و(Deadline) لعام 1946 و(Fear in the Night) عام 1947.

مصدر أدبي هام آخر لأفلام النوار آنذاك كان الكاتب آر. بيرنت الذي نشر أولى روايته بعنوان Little Caesar عام 1929، وتحولت لاحقاً إلى فيلم سينمائي ناجح أنتجته شركة وورنر براذرز عام 1931؛ مما سنح لبيرنت في العام التالي أن يكتب حوار فيلم (Scarface)، بينما تم اقتباس سيناريو (Beast of the City) من إحدى قصصه. ويُشار إلى أن مرجع واحد مهم على الأقل يضع هذه الأعمال المذكورة تحت تصنيف فيلم النوار رغم تاريخ إنتاجها الباكر. تقع أساليب بيرنت السردية ما بين رواة قصص الـhardboiled التقليديين وبين زملائهم من كتبة قصص النوار، حيث تتصف شخصياته الرئيسية أحياناً بالروح البطولية لرجل العصابات. أعماله خلال الفترة الكلاسيكية، سواءً كمؤلف أو سيناريست، كانت الأساس الذي قامت عليه سبعة أعمال يتفق عليها الكثيرون بأنها فيلم نوار، ومنها ثلاثة من أشهر الأفلام وهي: (High Sierra) لعام 1941 و(This Gun for Hire) لعام 1942 و(The Asphalt Jungle) عام 1950.

  • الفترة الكلاسيكية
    نظرة عامة

 

ثمة إجماع شبه كامل على أن عِقدي الأربعينيات والخمسينيات يُشكلان “العصر الكلاسيكي” لفيلم النوار الأمريكي. وعلى الرغم من تصنيف فيلمي ميلودراما لما قبل الحرب العالمية الثانية وهما (Fury) لعام 1936 و(You Only Live Once) عام 1937 الذين أخرجهما فريتز لانغ ضمن “أفلام النوار البحتة” في موسوعة ألين سيلفر وإيلازبيث وارد النوارية، إلا أن هناك نقاد آخرون يفضلون وصفهما بمصطلح “النوار الأولي” أو بمصطلحات شبيهه أخرى. أكثر فيلم يُشار له كأول نوار “حقيقي” حالياً وبشكل واسع هو Stranger on the Third Floor لعام 1940 من إخراج بوريس إغستر لاتيفي المولد وسوفييتي التدريب. الممثل والمهاجر الهنغاري بيتر لوري، الذي لعب دور البطولة في فيلم M للمخرج لانغ، كان نجماً كبيراً في ذلك الوقت لكنه لم يظهر في هذا الفيلم، بيد أنه لعب أدوار ثانوية في مجموعة من أهم أفلام النوار أمريكية. ومع أن ميزانية الفيلم كانت متواضعة، بتكلفة تُقارب أبهظ أفلام الدرجة الثانية “B movies”، إلا أن Stranger on the Third Floor ألحق بشركة RKO خسارة تقدر بـ 56,000 دولار أمريكي، حوالي ثلث تكلفته الإجمالية. وقد علقت مجلة Variety على فيلم المخرج إغستر بأنه “مدروس أكثر من اللازم وإبداعه لا يجذب اهتمام المشاهد، فني أكثر من اللازم للمشاهد العادي وممل بنظر الآخرين.” لم يُؤخذ فيلم Stranger on the Third Floor على أنه بداية موجة جديدة من الأفلام أو أنه سيشكل نوعية مستقلة بحد ذاتها إلا بعد مرور عقود كثيرة متعاقبة.


فيلم (Out of the Past) لعام 1947 يعرض الكثير من سمات فيلم النوار الشهيرة: محقق خاص متهكم بدور البطولة، امرأة غامضة فاتنة، استخدام مكثف لخاصية الاسترجاع، تعليق صوتي، تصوير مظلل مثير، وجو متهالك مع القليل من التهكم المستفز. بطلا الفيلم هما روبيرت ميتشم وجاين غرير، من أشهر ممثلي أفلام النوار.

معظم أفلام النوار في الفترة الكلاسيكية كانت أعمال ذات ميزانية بسيطة أو متواضعة ودون وجود نجوم كبار فيها، وبنفس الصفات الأدبية أو الروحية لأفلام الدرجة الثانية. العاملون ضمن هذه الأفلام من كتاب ومخرجين ومصورين وفنانين آخرين كانوا متحررين بدرجة كبيرة من القيود الاعتيادية للأفلام الكبيرة. وقد عرف فيلم النوار محاولات بصرية أكثر من أي نوع آخر في صناعة السينما الهوليودية، فالحركة التعبيرية التي باتت الآن تعمل يداً بيد مع النوار والأسلوب شبه الوثائقي الذي اُستخدم لاحقاً أثمر عن وجود أمرين متناقضين: احتواء البناء السردي للفيلم أحياناً لخاصة استرجاع معقدة غير شائعة في الأعمال التجارية غير النوارية، ومن ناحية مضمون الفيلم، فإن “قانون العمل” منع أي شخصية سينمائية أن تتملص من جرمها بأي شكل أو أن تشارك الفراش مع أحد سوى مع الزوج أو الزوجة؛ لكن حتى مع العمل وفق هذه القيود، كانت الكثير من الأفلام المصنفة حالياً تحت فئة النوار تعرض قصصاً وحوارات جريئة للغاية بالمقارنة مع معايير ذلك العصر.

من ناحية المواضيع، عرفت أفلام النوار تميزها الأكبر بتكرار تسليطها الضوء على النساء وطهارتهن المشكوك بها، وهو المحور الذي أضحى نادراً في الأفلام الهوليودية بعد منتصف الثلاثينات ونهاية حقبة ما قبل “قانون العمل”. الفيلم الأكثر تميزاً في هذا السياق كان (Double Indemnity) من إخراج بيلي وايلدر؛ وشخصية فيليس ديتركسن الغامضة الفاتنة الشهيرة التي أدتها الممثلة باربرا ستانويسك وضعت الركائز الأساسية لهذه الخصلة في أفلام النوار، وهي تحية مباشرة للممثلة مارلين ديتريتش التي بنت مسيرتها الفنية بلعب مثل هذه الشخصيات في أفلام المخرج ستيرنبيرغ. ونظراً لأن فيلم Double Indemnity كان فريداً من نوعه في كل شيء، ونجاحه التجاري وحصوله على سبعة ترشيحات أوسكار، فهو يُعد أكثر أفلام النوار الأولى تأثيراً على هذا النوع. وتلت شخصية الغامضة الفاتنة مجموعة من أدوار “الفتيات الشريرات” المشهورات، مثل تلك اللواتي لعبنهن كل من ريتا هايوورث في (Gilda) لعام 1946، ولانا تيرنر في (The Postman Always Ring Twice) وآفا غارنر في (The Killers) لعامي 1946، وجاين غرير في (Out of the Past) لعام 1947. وقد سطع نجم العلاقة المتناظرة الإبداعية بين الغامضة الفاتنة والمحقق الشخصي في مجموعة من الأفلام المهمة مثل (The Maltese Falcon) لعام 1941 من بطولة هامفري بوغارت وسام سبايد، وفيلم (Murder, My Sweet) لعام 1944 من بطولة ديك باويل وفيليب مارلو. أفلام شبه نوارية بوليسية أخرى أظهرت على الشاشة مؤسسات رسمية أكبر، مثل محقق الشرطة الذي أداه دانا أندرو في فيلم (Laura) لعام 1944، ومحقق التأمين من تمثيل إدموند أوبراين في فيلم (The Killers) والوكيل الحكومي الذي لعبه إدوارد جي. روبنسون في فيلم (The Stranger) لعام 1946.

تضاءل عدد أدوار المحقق الخاص الرئيسي التي كانت طاغية في العِقد الأسبق بين أفلام نوار لفترة الخمسينيات، وقد ذكر عدد من النقاد أن فيلم النوار في عقد الخمسينيات بات عموماً يعاني من المبالغة ويركز كثيراً على خلجات أبطاله النفسية الدفينة. مثال أساسي على ذلك هو فيلم (Kiss Me Deadly) لعام 1955 مستنداً على رواية للكاتب ميكي سبيلان، وهو أنجح روائي لقصص الـhardboiled على الإطلاق، وفيه البطل مايك هامر يعمل كمحقق خاص. يصف الكاتب والمخرج والناقد بول شريدر الفيلم بالآتي “إخراج روبيرت إلدريتش المستفز ينقل النوار إلى أرخص مكان وأكثره انحطاطا للأخلاق. يقلب هامير العالم السفلي في البحث عن “شيء عظيم” والنتيجة هي مهزلة كاملة، أشبه بقبلة نووية مدوية”.

فيلم (Touch of Evil) لعام 1958 من إخراج أورسين ويلز المبتكر في أسلوبه يُستشهد به دائماً على أنه آخر نوار للحقبة الكلاسيكية. ويرى بعض الباحثين أن فيلم النوار لم ينتهي أبداً، إنما استمر بالتطور على رغم أن الأسلوب البصري لفيلم النوار بدأ يصدأ قليلاً وتغيرت ظروف إنتاجه مما دفع هوليوود للعمل على وجهات فنية أخرى، وبناءً على ذلك، فإن الأفلام التي صدرت ما بعد عِقد الخمسينات وتحمل في طياتها نفس أسلوب النوار لا تزال تحافظ على تنصيفها تحت أفلام نوار وكجزء لا يتجزأ من هذه الحقبة الكلاسيكية. غير أن النسبة الأكبر من النقاد ترى أن هذه الأفلام المُقارنة بالنوار والصادرة بعد الحقبة الكلاسيكية تنتمي لتنصيف آخر بعيد عن الفيلم النوار البحت؛ حيث يرون أن فيلم النوار الصحيح ينتمي لدائرة وفترة زمنية معينة ومحدودة جغرافياً، ويصنفون أفلام ما بعد الحقبة الكلاسيكية المشابهة لتلك الأفلام الكلاسيكية بأنها مختلفة جوهرياً عنها بسبب النقلات الكبرى في أسلوب الصناعة الفيلمية والوعي المعاصر لوجود النوار الكلاسيكي كمصدر تاريخي لإلهام تلك الأعمال الحديثة.

  • مخرجو أفلام النوار وتجارتها


مشهد من فيلم (In a Lonely Place) عام 1950 إخراج نيكولاس راي ومقبتس عن رواية لكاتبة قصص النوار دوروثي بي. هيوز، ويعرض اثنان من أبرز ممثلي أفلام النوار وهما غلوريا غراهم وهمفري بوغارت، ويلعبان في الفيلم دوري عاشقين منحوسين.

مع أن أول فيلم نوار حقيقي وهو Stranger on the Third Floor كان بمواصفات أفلام الدرجة الثانية وبمخرج غير معروف تقريباً، إلا أن الكثير من أفلام النوار الشهيرة كانت ذات معايير إنتاجية من الدرجة الأولى وبصانعي أفلام ذوي أسماء لامعة. وبعد أن بدء جون هيوستن مسيرته السينمائية بفيلم (The Maltese Falcon) لعام 1941، أخرج فيلمين من أبرز أفلام النوار وهما (Key Largo) عام 1948 و(The Asphalt Jungle) عام 1950. واختلفت الآراء حول درجة النوار في مجموعة من أفلام ألفريد هيتشكوك المثيرة الصادرة في تلك الحقبة؛ حيث حظيت أربعة من أفلامه على الأقل بإجماع حول انتمائها لتصنيف النوار وهي: (Shadow of a Doubt) لعام 1943 و(Notorious) لعام 1946 و(Strangers on a Train) لعام 1951 و(The Wrong Man) لعام 1956. بينما رسّخ المخرج أوتو بريمينغر اسمه عبر فيلم (Laura) لعام 1944 وساهم في إقناع شركة 20th Century-Fox بإنتاج أفلام النوار بميزانية سخية. بريمينغر كان من أهم مخرجي هوليوود في ذلك الوقت، وربما أكثر مخرجي عصره عملاً بأجواء النوار، ومن كلاسيكياته الأخرى: (Fallen Angel) لعام 1945 و(Whirlpool) لعام 1949 و(Where the Sidewalk Ends) لعام 1950 “جميعها من إنتاج شركة فوكس” و(Angel Face) لعام 1952. وأخرج بيلي وايلدر فيلمي (Sunset Boulevard) لعام 1950 و(Ace in the Hole) لعام 1951 بعد خمس سنوات من تقديمه فيلمي Double Indemnity وThe Lost Weekend، وهي من أفلام النوار البعيدة عن عنصر الجريمة وقريبة من هجاء وسخرية هوليوود ووسائل الإعلام. بينما كان فيلم (In a Lonely Place) لعام 1950 هو الانطلاقة الحقيقية للمخرج نيكولاس راي، أفلامه السوداء الأخرى تضم باكورة أعماله (They Live by Night) لعام 1948 و(On Dangerous Ground) لعام 1952، واشتهرت هذه الأفلام بتعاطفها مع شخصيات منعزلة عن المجتمع السائد المحيط بها.

عرف أورسين ويلز مشاكل عويصة بخصوص تمويل أفلامه، لكن أفلام النوار التي أخرجها كانت بميزانيات جيدة: حصل فيلمه (The Lady from Shanghai) لعام 1947 على دعم كبير و”فاخر”، بينما فيلمي The Stranger، واحد من أفلامه العادية القليلة، وTouch of Evil الواضح بأنه يمسه شخصياً، حصلا على تمويل أقل إنما بميزانية مساوية لأهم الإصدارات آنذاك تقريباً. وكان فيلم فريتز لانغ (The Woman in the Window) لعام 1945 كحال فيلم The Stranger من إنتاج شركة الأفلام المستقلة الدولية، أما فيلم لانغ التالي (Scarlet Street) لعام  1945 فهو أيضاً يُعد من الأفلام النوار الكلاسيكية القليلة التي يتم وضعها تحت الرقابة رسمياً: ُمنع مؤقتاً من العرض في ميلووكي وأتلانتا ونيويورك لاحتوائه الكثير من التلميحات الإباحية. وكان فيلم Scarlet Street فيلم شبه مستقل ساهمت بتمويله شركة يونيفيرسال وشركة لانغ الخاصة واسمها Diana Productions، حيث ظهرت فيه الممثلة جوان بينيت لتكون بطلة الفيلم المساعدة، وهي كذلك ثاني أكبر المساهمين في الشركة. وبنفس الطريقة الفنية والإنتاجية، قام كل من لانغ وبينيت وزوجها ووولتر وانغر، أحد أعضاء شركة يونيفيرسال القدامى ورئيس شركة Diana، بإنتاج فيلم (Secret Beyond the Door) عام 1948.

وقدم المخرج جولز داسن قبل تهجيره خارج البلاد لأسباب سياسية فيلمي نوار كلاسيكيين سلكا نفس الخط للعملية الإنتاجية الكبيرة والمستقلة وهما: (Brute Force) لعام 1947 وفيلم (The Naked City) المهم والمُلهم بأسلوبه الوثائقي، وكلاهما من توليف وإنتاج مارك هيلينغر الذي كان يعمل وفق عقد حُر مع شركة يونيفيرسال كما فعل وانغر. وقبل ذلك بسنوات وأثناء عمله في شركة وورنر براذرز، أنتج هيلنيغر ثلاثة أفلام للمخرج راؤول وولش، النوار الأولي (They Drive by Night) لعام 1940 و(Manpower) و(High Sierra) لعامي 1941، وهي أفلام تعتبر حالياً من الأعمال الأساسية في تطوير فئة النوار. لم يكن وولش من الأسماء المهمة خلال عمله كمخرج طوال نصف قرن من الزمان، لكن أفلام النوارية كـ(White Heat) لعام 1949 و(The Enforcer) لعام 1951 تميزا بطاقم من الممثلين النجوم ويعتبران من الأمثلة هامة لتلك الفترة. وإلى جانب الأسماء التي ذكرت سابقاً، ثمة مخرجون آخرون قدموا أعمال نوار هوليودية باهظة التكلفة ومنهم أدوارد ديميترك بفيلميه (Murder, My Sweet) لعام 1944 و(Crossfire) لعام 1946، وهو أول مخرج معروف يقع ضحية للائحة هوليوود السوداء، والمخرج هنري هثواي بفيلميه (The Dark Corer) لعام 1946 و(Kiss of Deah) لعام 1947، وجون فارو الذي أخرج (The Big Clock) و(Night Has a Thousand Eyes) عامي 1948.

ورغم ما تم ذُكر أعلاه، إلا أن معظم أفلام النوار الهوليودية التي تُعد الآن كلاسيكية كانت تصنف بشكل كبير ضمن فئة “أفلام الدرجة الثانية”. وكان بضعها رخيصاً بكل معنى الكلمة، وأُنتجت بغية عرضها كفيلم ثاني ضمن ظاهرة “فيلمان بتذكرة واحدة” وتم تصويرها بوحدة إنتاج قليلة التكلفة من قبل الاستوديوهات الكبيرة أو تلك الصغيرة المسمى بـ”تجهيزات صف الفقراء”، ومن أمثلتها شركة “Monogram” الغنية نوعاً ما، وأخرى هاوية بمشاريعها مثل “Producers Releasing Corporation”. وكان جاك تيرنر قد أخرج 30 فيلم من الدرجة الثانية في هوليوود (بعضها بات الآن ذو قيمة عالية، وغيرها ذهب مع الريح) قبل أن يُخرج فيلم من الدرجة الأولى وهو Out of the Past، الذي يصفه الباحث روبيرت أتوسون بأنه “قمة أفلام النوار الصادرة في الأربعينيات”. وتُعرف الأفلام التي صعدت قليلاً بسلم ميزانيتها داخل فضاء هوليوود بمصطلح “الأفلام المتوسطة”، وقد تُصنف تحت فئة الدرجة الأولى أو الثانية وفقاً لظروف إنتاجها، حينها قامت شركة  Monogram بإنشاء وحدة عمل جديدة اسمها Allied Artists لتركز على هذا النوع من الأفلام. وكان يُشار لهذه الأفلام بمصطلح “الدرجة الثانية” أيضاً ولمدة طويلة من الزمن لشيوع استخدامه بين العامة. ومن أمثلتها الأخرى قيام كل من روبيرت وايز وأنثوني مان بإخراج أفلام مبهرة “متوسطة التصنيف” مثل (Born to Kill) لعام 1947 و(The Set-Up) لعام 1949، و(T-Men) لعام 1947 و(Raw Deal) لعام 1948 على التوالي، قبل التدرج للعمل باستقرار في أفلام بميزانيات ضخمة. أخرج مان أهم أعماله بالتعاون مع المصور جون ألتون، وهو متخصص بما يصفه الناقد جيمس نيرمور “اللحظات القاتمة لإضاءة الظلام”. فيلم (He Walked by Night) لعام 1948 الذي صوره ألتون دون أن يذكر اسمه ضمن طاقم العمل إلى جانب المصور ألفريد ويركر، وأخرج مان معظم أحداثه، يعرض أستذتهما التقنية ويعرض موجة الأربعينيات بتقديم قصص “إجراءات الشرطة” ضمن قصص الجريمة. يُعد هذا الفيلم وغيره من إخراج الثنائي مان وألتون خلال عملهما مع الشركة الصغيرة Eagle-Lion الإلهام المباشر لإنتاج سلسلة (Dragner) التي أُذيعت للمرة الأولى على الراديو عام 1949 وعلى التلفاز عام 1951.


فيلم (Detour) عام 1945 كلّف 117,000 دولار في الوقت الذي كانت فيه أكبر استوديوهات هوليوود تنفق حوالي 600,000 دولار على الفيلم العادي. أنتجته شركة Producers Releasing Corporation، وتخطت ميزانيته 30% عن تلك المحددة له.

تمكن العديد من مخرجي أفلام النوار بتلك الفترة من بناء مجموعة مميزة من الأعمال تحت تصنيف الدرجة الثانية أو المتوسطة. أفلام المخرج سامويل فولر العنيفة والمفعمة بالحيوية البصرية مثل (Pickup on South Street) لعام 1953 و(Underworld U.S.A.) لعام 1961 منحاه سمعة فريدة به؛ وتلقى مديحاً من محبيه بأنه “فنان بالفطرة” و”متوحش”. في حين أن المخرج جوزيف إتش. لويس قدم أفلام نوار متنوعة من (Gun Crazy) لعام 1950 و(The Big Combo) لعام 1955، الأول الذي كتبه دالتون تروبمو والمدرج باللائحة السوداء، تميز بمقدمته التي تعرض سرقة بنك بمشهد طوله ثلاثة دقائق تم تصويره كاملاً دون أي تقطيع، وكان له تأثير كبير لاحق. الفيلم الثاني الذي صوره جون ألتون أعطى أسلوب النوار الغني بالظلال معانٍ جديدة لها. أما أبرز أفلام المخرج فيل كلارسون مثل (The Phenix City Story) لعام 1955 و(The Brothers Rico) لعام 1957 فتدور حول الدعارة المنظمة بحجمها الهائل. في حين أن أعمال بعض المخرجين الآخرين العاملين في هذا الإطار الفني مثل فيلكس إي. فيست وفيلميه (The Devil Thumbs a Ride) للمخرج 1947 و(Tomorrow Is Another Day) لعام 1951 كانت تنتظر أن يكتشفها النقاد. وقد أمضى إدغار جي. أولمير معظم فترات مسيرته المهنية الهوليودية في العمل داخل استوديوهات الدرجة الثانية، وأحياناً في أعمال تصل للدرجة المتوسطة؛ لكن مسيرته ككل تمحورت بين أفلام الدرجة الثانية. وفي العام 1945 خلال عمله في شركة PRC، أخرج أولمير واحد من أهم أفلام النوار الكلاسيكية بعنوان (Detour). ومن أعماله السوداء الأخرىStrong Illusion) ) عام 1945 من إنتاج PRC أيضاً، و(Blond Ice) عام 1948 من توزيع شركة Film Classics الصغيرة، و(Murder Is My Beat) عام 1955 لشركة Allied Artists.

صدرت مجموعة من أفلام النوار بميزانية منخفضة ومتوسطة من إنتاج شركات مستقلة غالباً ما يملكها ممثلين بالتعاقد مع واحدة من وحدات التوزيع الكبرى. هيوغو هاس، المنتج والكاتب والمخرج والممثل بأجر مرتفع، قدم عدة أفلام على هذا النحو ومن بينها (Pickup) لعام 1951 و(The Other Woman) لعام 1954. وبنفس هذه الطريقة، تمكنت ممثلة النوار إدا لوبينو من برهنة نفسها لأن تكون المخرجة الوحيدة في هوليود بأواخر الأربعينات حتى منتصف الخمسينيات. لم تظهر كممثلة في أشهر أفلامها كمخرجة وهو (The Hitch-Hiker) لعام 1953 الذي أنتجته شركاته الخاصة واسمها The Filmakers بدعم وتوزيع من شركة RKO؛ وهو واحد من سبعة أفلام نوار كلاسيكية تم إنتاج معظم أحداثه خارج الولايات المتحدة عبر أحد الاستوديوهات الكبيرة واختير للدخول في سجل الأفلام الوطني الأمريكي. ومن بين هذه الأفلام السبعة كان هناك عمل واحد صادر عن شركة صغيرة وهو: Detour. أربعة منها كانت أعمال مستقلة وزعتها شركة United Artists، أو ما يُعرف بظاهرة “أستوديو بدون أستوديو” وهي: Gun Crazy وKiss Me Deadly وD.O.A, لعام 1950 وأخرجه رادولف ماتي وSweet Smell of Succes لعام 1957 من إخراج أليكسندر ماكندرك. وآخر مستقل وزعته شركة MGM، أهم شركة في تلك الفترة وهو: Forces of Evil لعام 1948 من إخراج ابراهام بولونسكي وبطولة جون غارفيلد، وكلاهما تم إدراجهما لاحقاً في خمسينات اللائحة السوداء. وعادةً ما تعمل الأفلام المستقلة بشروط محددة، لكن ثمة بعض الاستثناءات، فيلم Sweet Smell of Success مثلاً ورغم الخطط الأولى التي وضعها فريق إنتاجه، كان من الواضح أنه لم يكن زهيد التكلفة، لكنه يبقى من أفلام النوار ذات الدرجة الأولى بميزانيته ومن الدرجة الثانية بروحه.

ربما لم يتمكن أي مخرج من الإفصاح عن هذه الروح أكثر من ألماني المولد روبيرت سيودماك، الذي كان قد قدم مجموعة من الأفلام الجيدة قبل حلوله إلى هوليود في الأربعينيات. وجراء إخراجه لأفلام عديدة من الدرجة الأولى، فقد قدم ثمانية أفلام على الأقل باتت الآن تعتبر من أفلام النوار الكلاسيكية (رقم لم يساويه إلا لانغ ومان). وبالإضافة لفيلم The Killers، وظهور بيرت لانكاستر لأول مرة على شاشة وتعاون شركتي Hellinger وUniversal بإنتاج مشترك واحد، فإن إضافات سيودماك الهامة الأخرى لهذا النوع من الأفلام تشمل (Phantom Lady) لعام 1944 ” من أفضل مستويات الدرجة الثانية ومستوحى عن رواية للكاتب وولريتش” وفيلم (Christmas Holiday) لعام 1944 بعنوانه التهكمي وفيلم (Cry of the City) لعام 1948. كما يوضح فيلم (Criss Cross) لعام 1949 من بطولة لانكاستر أيضاً، كيف تمكن سيودماك من نقل مزايا أفلام نوار ذات الدرجة الثانية وتقديمها في تلك ذات الدرجة الأولى. علاوة على قلة القيود الموضوعة على شخصيات ورسالة أفلام الدرجة الثانية ذات الميزانيات المنخفضة، فإن طبيعة المعايير الإنتاجية لأفلام الدرجة الثانية أدلفت بظلالها على أسلوب النوار لأسباب اقتصادية مباشرة: فالإضاءة الخافتة لم توفر تكاليف الكهربائية وحسب إنما ساهمت في التستر على ديكوراتها الرخيصة (الضباب والدخان ساعد في ذلك أيضاً)؛ وكان التصوير ليلاً أمراً اضطرارياً للسير وفق برامج الشركات الممتلئ، والحبكات المنطوية على الدوافع الغامضة والمفاجآت المخادعة المبهمة كانت سببها أحياناً عجلة كتابة سيناريوهاتها، ناهيك عن قلة توفر المال أو الوقت لتصوير الكثير من مشاهدها. وقد تعمد المخرج سيودماك في فيلم Criss Cross أن يستغل جميع هذه العوامل، وبإحاطتها حول الممثلة فوني دي كارلو بأدائها لأشهر شخصيات القاتلات الفاتنات واسمها دان دوريي، من أكثر أدوار الشر شعبيةً بين أفلام المخرج، وكذلك حول الممثل لانكاستر، بات حينها نجماً معروفاً، بدور العامل التقليدي الذي تحول إلى لص مسلح، وكُتب له الهلاك لهوسه الرومانسي.

  • خارج الولايات المتحدة

يرى بعض النقاد بأن أفلام النوار الكلاسيكية هي حقبة تقتصر فقط على الولايات المتحدة؛ ألين سيلفر وإليزابيث وورد على سبيل المثال يؤكدان بأن “نوعية الفيلم الغربي “الويسترن” يشترك مع النوار بميزة ولادتهما في الولايات المتحدة… وأنهما ذو أسلوب أمريكي بحت.”. بينما يعتقد غيرهما بأن النوار ظاهرة عالمية، فحتى قبل بداية الفترة الكلاسيكية المتفق عليها، كان هناك مجموعة من الأفلام الصادرة بعيداً جداً عن هوليوود والتي يُمكن تصنفيها كأفلام نوار، ومنها الفيلمين الفرنسيين Pépé le Moko لعام 1937 من إخراج جوليان دوفيفير وLe Jour se lève لعام 1939 من إخراج مارسيل كارنيه.

ثمة العديد من الأفلام التي أُنتجت خلال الفترة الكلاسيكية خارج الولايات المتحدة، خصوصاً في فرنسا، وتشترك مع أفلام النوار الأمريكية بعناصر الأسلوب والمواضيع والإحساس، ومن الجائز لها أن تنصف تحت خيمة هذا النوع. وتتضح العلاقة المتبادلة بين تلك الأفلام والنوار الهوليودي أحياناً: المخرج أمريكي المولد جولز داسين رحل إلى فرنسا في أوائل الخمسينيات نتيجةً للائحة السوداء الهولوودية وأخرج هناك واحد من أفلام النوار الفرنسية تحت عنوان (Rififi) لعام 1955. ومن الأفلام الفرنسية المعروفة المصنفة تحت نوع النوار هناك (Quai des Orfèvres) لعام 1947 و(Le Salaire de la peur) لعام 1953 “صدر في الدول المتحدثة باللغة الإنجليزية تحت عنوان The Wages of Fear” و(Les Diaboliques) لعام 1955 وثلاثتها من إخراج هنري-جورجز كلوزوت، وفيلمي (Casque d’or) لعام 1952 و(Touchez pas au grisbi) لعام 1954 من إخراج جاك بيكر، وفيلم (Ascenseur pour l’échafaud) لعام 1958 من إخراج لويس مالي. المخرج الفرنسي جون بيير ميلفيل معروف بأفلامه النوارية المأساوية البسيطة، ومنها في الفترة الكلاسيكية فيلم (Bob le flambeur) لعام 1955، وأتبعه بالأفلام التالية: (Le Doulos) لعام 1962 و(Le deuxième soufflé) عام 1966 و(Le Samouraï) عام 1967 و(Le Cercle rouge) عام 1970.

فيلم (Stray Dog) لعام 1949 أخرجه وساعد في كتابته أكيرا كوروساوا، يحتوي على العديد من العناصر التصويرية والسردية الملازمة لأفلام النوار الأمريكية الكلاسيكية.

ويجد الباحث أندرو سبايسر أن فيلم النوار البريطاني يدين بالكثير للواقعية الشعرية الفرنسية أكثر من الموجة التعبيرية الأمريكية الكامنة في الفيلم الأسود. ومن أمثلة أفلام النوار البريطاني الصادرة في الفترة الكلاسيكية: (Brighton Rock) لعام 1947 من إخراج جون بولتينغ و(They Made Me a Fugitive) لعام 1947 إخراج ألبيرتو كافالانتي، وفيلم (The Small Back Room) لعام 1948 من إخراج كل من مايكل باول وإمريك بريسبيرغر، و(The October Man) لعام 1950 إخراج روي وورد بيكر، و(Cast a Dark Shadow) لعام 1955 إخراج لويس غيلبيرت. وأخرج تيرينس فيشر مجموعة من أفلام الإثارة بميزانية متواضعة ضمن أجواء النوار تحت إدارة شركة Hammer Film Productions، ومن بينها أفلام (The Last Page) “معروف أيضاً باسم Man Bait عام 1952” و(Stolen Face) لعام 1952، و(Murder by Proxy) “له اسم آخر كذلك وهو Blackout عام 1954”.

وكان جولز داسين ملزماً بضغوط سياسية، قبل توجهه إلى فرنسا، لكي يصور فيلمه الأخير الناطق باللغة الإنجليزية ضمن فترة النوار الكلاسيكية في بريطانيا وهو: Night and the City لعام 1950. وعلى الرغم من إنتاجه في الولايات المتحدة وإخراجه من قبل رجل أمريكي وبطولته من ممثلين أمريكيين وهما ريتشارد ويدمارك وجين تيريني، إلا أنه كان في الواقع فيلم بريطاني ممول عن طريق وحدة إنتاج بريطانية فرعية لشركة 20th Century-Fox الأمريكية. أكثر أفلام النوار البريطانية كلاسيكيةً هو فيلم (The Third Man) للمخرج كارول ريد لعام 1949، وهو مقتبس عن رواية لغراهام غرين حاله من حال فيلم Brighton Rock. وتدور أحداثه في فيننا عقب الحرب العالمية الثانية، ولعب بطولته ممثلان أمريكان وهما جوزيف كاتن وأورسين ويلز، اللذان اشتركا سوياً ببطولة فيلم Citizen Kane.

وبالانتقال إلى دولة أخرى، هناك اقتباس المخرج الإيطالي لوكينو فيسكونتي لرواية كاين The Postman Always Rings Twice لفيلم (Ossessione) عام 1948، وهو يُعد أحد أفضل أفلام النوار ومن أكثرها تأثيراً في تطور الموجة الواقعية الجديدة “ليست المرة الأولى التي تُقتبس بها رواية كاين، فقد سُبقت بالفيلم الفرنسي Le Dernier tournant عام 1939). في اليابان، أخرج أكيرا كوروساوا مجموعة من الأفلام التي تحسب من النوار وهي (Drunken Angel) عام 1948 و(Stray Dog) عام 1949 و(The Bad Sleep Wall) عام 1960 و(High and Low) عام 1963. ومن بين أوائل الأفلام التي يُشار إليها بمصطلح “نيو نوار – الفيلم الأسود الجديد”، وهو مصطلح ينطبق عادةً على الأفلام التي تتعمد الاستلهام بأعراف النوار الكلاسيكي، هو الفيلم الفرنسي (Tirez sur le pianiste) للمخرج فرانسوا تريفو والمقتبس عن رواية لديفيد غوديز، واحد من أشد كتاب قصص النوار الأمريكيين سوداويةً. وقد أُنتجت أفلام من جريمة النوار والميلودراما داخل العديد من الدول الخارجية ما بعد الفترة الكلاسيكية، وتحتوي بعض هذه الأفلام وبشكل متعمد على معايير النوار الجديد، ومن أمثلتها: الإيطالي (Il Conformista) عام 1969، والألماني (Der Amerikanische Freund) عام 1977، والدانمركي (The Element of Crime) عام 1984، والأرجنتيني (El Aura) عام 2005. وتشترك أفلام أخرى ببعض العناصر السردية وتميل لاستخدام إحساس قصص الـhardboiled الملازمة للنوار الكلاسيكي ومنها: الياباني (The Castle of Sand) عام 1974، والنرويجي (Insomnia) عام 1997، والإنجليزي (Croupier) عام 1998، والصيني (Blind Shaft) عام 2004.

  • النوار الجديد وتبعات الفترة الكلاسيكية
    الستينيات والسبعينيات

بالرغم من صعوبة الفصل بين أفلام نوار الصادرة في أوائل الستينيات مثل (Blast of Silence) لعام 1961 و(Cape Fear) لعام 1962 وبين أفلام النوار لأواخر الخمسينيات، فقد طرأت أساليب جديدة في الفترة التي تلت تلك الكلاسيكية. أفلام مثل (The Manchurian Candidate) للمخرج جون فرانكنهامير و(Shock Corridor) للمخرج سامويل فولر لعامي 1962 و(Brainstorm) عام 1965 من إخراج الممثل ويليام كونارد، الخبير بشخصيات أفلام النوار، جميعها عالجت موضوع الاستحواذ العقلي بتركيبة أسلوبية تلميحية خاصة مشتقة عن أفلام النوار الكلاسيكية. وعمل مسلسل (The Fugitive) ما بين أعوام 1963 إلى 67 على استلهام مواضيع وأجواء النوار الكلاسيكي إلى شاشة التلفزيون لمدة عرض مطولة.


الممثل جون-بول بلموندو بدور لص السيارات مايكل بويكارد، أو لازلو كوفاكس كما في فيلم Breathless أو À bout de soufflé لعام 1960، يحيي شخصية هامفري بوغارت السينمائية ويتطبع بها. وهو يقوم في هذا المشهد بتقليد واحدة من إيماءات بوغارت الشخصية، وهي من أفكار الفيلم الرئيسة.

وفي سياق آخر، بدأت الأفلام تصدر وهي على دراية بتقاليد فيلم النوار الكلاسيكي كمثال تاريخي إما لإحيائه أو لرفضه أو لإعادة تصوره بطريقتها الخاصة. وتمثل هذه الجهود ما بات يُعرف بالنوار الجديد. وعلى الرغم أن مجموعة من أفلام النوار باتت تُعرف لاحقاً بأنها من الكلاسيكيات، وكانت تستند بجوهرها على التقليدية الكلاسيكية وتتعمد فعل ذلك، فيلم Kiss Me Deadly خصيصاً، إلا أنها لم تعلن نفسها أمام النقاد الأمريكيين آنذاك حتى يشيروا لها بأنها من الكلاسيكيات فعلاً. أول فيلم رئيسي يدخل هذه الزاوية كان فيلم À bout de soufflé للمخرج جون-ليك غودار “Breathless لعام 1960″، الذي يُبدي احترامه لبوغارت ولأفلامه الإجرامية ويقدم في نفس الوقت أسلوب جديد معاصر. في الولايات المتحدة، استلهم آرثر بين في فيلمه (Mickey One) لعام 1964 من فيلم (Tirez sur le pianiste) للمخرج تروفو ومن أفلام أخرى للموجة الفرنسية الجديدة، ولحقه المخرج جون بورمان بفعل ذلك في فيلمه (Point Blank) لعام 1967، وتعمق أكثر باستخدام الموجة الفرنسية، كما أن المخرج ألان جاي. باكولا صاحب فيلم (Klute) لعام 1971 قدم مجموعة من الأعمال تعمدت الإشارة ضمنياً لأفلام النوار الأصلية، وبدعوة المشاهدين للمشاركة في ذلك.

ثمة ارتباط واضح آخر بتقاليد فيلم النوار يتيح المجال بحكم طبيعته لاستخلاص مختلف أنواع التعليقات، ويمكن أن يوفر الأساس لانتقادات صريحة تعود على تلك التقاليد. في العام 1972، قلب المخرج روبيرت ألتمان الطاولة على نزاهة فئة النوار بفيلمه (The Long Goodbye)، والمقتبس عن رواية لرايموند تشانلدر، حيث يقدم واحدة من أشهر شخصيات بوغارت، لكن بأسلوب متمرد بدور فيلبيب مارلو، المحقق التقليدي من قصص الـhardboiled يُقدم هنا كشخص وحيد منحوس، يكاد يكون غريباً عن العادات والأخلاقيات المحيط به. وفي الوقت الذي كان فيه تدمير ألتمان لخرافة فيلم النوار لاذعاً جداً وأغضب الكثير من النقاد المعاصرين له آنذاك، عمد وودي آلين بتقديم إعجابه – يبدو حباً أعماً أحياناً – لأجواء النوار الكلاسيكي في فيلم (Play It Again, Sam) لعام 1972.

أكثر أفلام النيو نوار المحتفى بها في هذه الفترة كان فيلم (Chinatown) للمخرج رومان بولانسكي لعام 1974، الذي كتبه روبيرت تاون وتدور أحداثه في ثلاثينات لوس أنجلوس، وهو فيلم نوار محض يعود بقصته إلى الوراء ببضعة سنوات بطريقة تجعل نقطة الفيلم المحورية حول فقدان البراءة تبدو أكثر وحشيةً وقسوة. وبينما قام بولانسكي وتاون برفع النوار لنقطته الأوج سوداويةً بالعودة القصوى إلى الماضي، أدخل مارتن سكورسيزي مع كاتب السيناريو بول شريدر صفات النوار السلوكية في ثنايا اليوم المعاصر ضمن فيلم (Taxi Driver) لعام 1976، وهو تعليق بمنهج دموي لاذع حول المئوية الأمريكية الثانية. وفي العام 1978، كتب وولتر هيل وأخرج فيلم (The Driver)، وهو فيلم مطاردات يبدو وكأنه خرج من مخيلة المخرج جون-بيير ميلفيل وفي أجواء تجريدية خالصة.

كان للكاتب والمخرج هيل اسماً أساسياً في نوار السبعينيات نظراً لأسلوبه البسيط والواضح، فقد كتب سيناريو فيلم (The Getaway) للمخرج سام بكنباه عام 1972 مقتبساً رواية لجيم ثومبسون من قصص الـPulp، كما قدم الآتي لفيلمين يدوران حول محقق خاص قاسي: سيناريو أصلي لفيلم (Hickey & Boggs) عام 1972 وآخر مقتبس عن رواية لروس مكدونالد، وهو يعتبر خليفة لكل من هاميت وتشانلدر، أستاذا قصص النوار الأدبية، لفيلم (The Drowning Pool) عام 1975. مجموعة من أفضل أفلام النوار كانت في واقع الأمر عملية إعادة إنتاج غير مباشرة لأفلام أخرى كلاسيكية، ويُطلق عليها “نيو” غالباً بشكل تلقائي: فيلم (Thieves Like Us) المؤثر لعام 1973 من إخراج ألتمان كان من نفس المصدر الأدبي لفيلم (They Live by Night) للمخرج نيكلاس راي، وفيلم (Farewell, My Lovely) لعام 1975 المستوحى عن رواية للكاتب تشانلدر كان قد قُدم كلاسيكياً في فيلم (Murder, My Sweet)، الذي أعاد تقديمها مع الممثل روبيرت ميتشم في أهم أدواره السوداء. وعملت مسلسلات المحقق التي انتشرت تلفزيونياً في تلك الفترة على تطوير تقليد قصص الـhardboiled على أكثر من مستوى، لكن المسلسل الأكثر توظيفاً لنسق النوار كان “Kolchak: The Night Stalker” وهو مزيج بين الرعب والفكاهة الغريبة وبأسلوب مشابه لفيلم Long Goodbye، ويعرض مراسل صحفي من شيكاغو وهو يحقق في وقائع غريبة وخارقة للعادة.

  • الثمانينيات والتسعينيات

 
لقطة خلقية للممثل روبيرت دي نيرو من فيلم (Heat) تعرض استخدام اللون “الأزرق – Blue” لوصف الحالة الاكتئابية الانعكاسية ضمن أفلام النوار الجديد.

أصدر مارتن سكورسيزي بعد نهاية عِقد السبعينات فيلمه (Raging Bull) المصور بالأبيض والأسود “ساعد بول شريدر بكتابته”؛ وهو تحفة متفق عليها، حيث يصنفه المعهد الأمريكي للأفلام كأفضل فيلم لحقبة الثمانينات وفي المركز الرابع بين قائمة أفضل الأفلام على الإطلاق، الفيلم الذي يحكي قصة ملاكم يدمر أخلاقياته بيده، يُمثل كذلك عودة واسترجاع لمواضيع ومحيط بعض أفلام الدراما النوارية مثل (Body and Soul) عام 1947 و(Champion) عام 1949. في العام 1981، تمكن فيلم (Body Heat) لكاتبه ومخرجه لورانس كاسادان أن يستحضر مجموعة مختلفة من عناصر النوار الكلاسيكية، هذه المرة في فلوريدا الرطبة والمشحونة بالإغراء، وأثبت نجاح الفيلم الفعالية التجارية لتطبيق النوار الجديد، وذلك في وقت باتت استوديوهات هوليوود الكبرى تبتعد بشكل تدريجي عن المجازفة بمشاريعها. ويتضح هذا الأسلوب السهل والواضح للنوار الجديد في أفلام مثل (Black Widow) لعام 1987، و(Shattered) لعام 1991، و(Final Analysis) عام 1992. لكن قليلة هي أفلام النوار الجديد التي حققت أرباحاً أكثر من فيلم (Basic Instinct) لعام 1992 أو ساهمت بتطوير عُرف غموض النوار كما فعل هذا الفيلم الذي أخرجه بول فارهفين وكتبه جو إستراز، أضف إلى ذلك أن الفيلم أوضح كيف يمكن لاستخدام الألوان المتعددة أن توفر الكثير من المؤثرات التعبيرية التي كانت حكراً على النوار الكلاسيكي المصور بالأبيض والأسود.

ومن بين الفنانين العاملين ضمن الميزانيات الضخمة، عمل مايكل كين مراراً في أجواء النوار الجديد بأفلام مثل (Thief) لعام 1981 و(Heat) لعام 1995 والمسلسلين التلفزيونيين (Miami Vice) بين أعوام 1984 إلى 89 و(Crime Story) ما بين 1986 إلى 88. وتجسد أعمال مان أسلوب النوار الجديد الرئيسي؛ حيث العودة للمواضيع الكلاسيكية ومجازياتها ضمن إطار عصري بنمط بصري تقني حديث وموسيقى تصويرية تعتمد على نوعي الروك والهيب-هوب. ويتناول فيلم (L.A. Confidential) الأوسكاري لعام 1997 للمخرج كيرتس هانسن، كحال سابقه فيلم (Chinatown) الأكثر تعقيداً، راوية لجيمس إلروي لكن من ناحية مناقضة، حيث يتعمد نهج أجواء فيلم النوار القديم، ويسرد حكاية رجال شرطة فاسدين وفيه تبدو شخصية الغامضة الفاتنة وكأنها قادمة مباشرةً من فيلم صدر عام 1953، وهو العام نفسه الذي تدور به أحداث الفيلم. كما أتبع ديفيد فينشر فيلمه الناجح (Se7en) لعام 1995، بعمل آخر بات مفضلاً لدى جمهوره الخاص عقب إصداره الأول المخيب بعنوان (Fight Club) لعام 1999، وهو مزيج فريد من نوعه بين فنية النوار والكوميديا المشاكسة والمحتوى الفكري والرسائل الساخرة.

من جهة أخرى، قدم الأخوين جويل وإيثان كوين في أعمالهما التي عادةً ما تكون بميزانيات أقل تكلفة مجموعة من أكثر الأفلام تأثراً بالنوار الكلاسيكي، بأفلام مثل (Blood Simple) لعام 1984 و(Fargo) لعام 1996 اللذان يعتبرهما البعض من الأعمال المتفوقة ضمن أجواء النوار الجديد، بالإضافة لتوظيفهما للنوار في ميادين أخرى مثل الدراما الإجرامية (Miller’s Crossing) لعام 1990 والمستوحى عن الروايتين “Red Harvest” و”The Glass Key” للكاتب داشيل هاميت، والكوميديا (The Big Lebowski) لعام 1998 وهو تحية للكاتب تشاندلر وتقديراً لفيلم The Long Goodbye للمخرج ألتمان. وتجمع فحوى أعمال المخرج ديفيد لينش بين مجازيات النوار وبين سيناريوهات مغمورة بشخصيات مضطربة مثل المجرم المختل الذي لعب دوره الممثل دينيس هابر في فيلم (Blue Velvet) لعام 1986 والبطل المتوهم في (Lost Highway) لعام 1996. وقام ديفيد لينش من خلال قصص The Twin Peaks التلفزيونية ما بين 1990 إلى 91 وعبر فيلمها السينمائي، وكذلك في فيلم (Fire Walk with Me) لعام 1992، بزرع حبكة بوليسية في ثنايا سلسلة من النوبات الجنونية الغريبة. ديفيد كرونينبيرغ أيضاً زاوج بين السريالية والنوار في فيلم (Naked Lunch) لعام 1991 مستنداً على رواية ويليام إس. باروز.

ربما لا يوجد أي من أفلام نوار الجديدة تصف ظاهرة النوار الكلاسيكي “المتفوقة بإنتاجها والرخيصة بروحها” مثل تلك الأعمال التي أخرجها وكتبها كوانتن ترانتينو، حيث تعرض أفلام النوار الجديد التي قدمها مثل (Reservoir Dogs) لعام 1992 و(Pulp Fiction) لعام 1994 شعوراً خاصاً قاسياً يتسم أحياناً بالفكاهة، ومشابها لأعمال موجة المخرجين الجدد وأعمال الأخوين كوين. ومن الأفلام الأخرى في هذه الفترة والتي يمكن تصنيفها بسهولة ضمن النوار الجديد (منها ذات جو نوار الكلاسيكي وغيرها العصري): أفلام (Kill Me Again) عام 1989 و(Red Rock West) عام 1992 و(The Last Seduction) عام 1993 للمخرج جون دال، وأربعة أفلام مقتبسة عن روايات للكاتب جيم ثومبسون وهي (The Kill-Off) عام 1989 و(After Dark, My Sweet) عام 1990 و(The Grifters) عام 1990، والإعادة لفيلم (The Getaway) عام 1994، والكثير غيرها، مثل الاقتباسات الفيلمية لمجموعة من أهم كتاب قصص النوار: (The Hot Spot) عام 1990 من رواية Hell Hath No Fury للكاتب تشارلز ويليامز، و(Miami Blues) عام 1990 من رواية لتشارلز ويلفورد، و(Out of Sight) عام 1998 عن رواية لإلمور لينرد.

على الشاشة التلفاز، قدمت سلسلة (Moonlighting) ما بين عام 1985 إلى 89 تحيةً للنوار الكلاسيكي ووضحت تقديرها غير العادي لحس الفكاهة الحاضر عادةً في الحقبة الأولى لأفلام النوار. وما بين أعوام 1983 إلى 89، لعب الممثل ستايسي كيش بحيوية ساخرة دور المحقق الخاص مايك هامر حاد الطباع الذي كتب شخصيته ميكي سبيلن في عدة مسلسلات وأفلام تلفزيونية (كما تم إنتاج إعادة غير ناجحة للمسلسل بين عامي 1997 و98). ويدور المسلسل البريطاني القصير بعنوان “The Singing Detective” لعام 1986 الذي كتبه دينيس بوتير حول كاتب غامض اسمه فيليب مارلو، ويعتبر بنظر الكثيرين كأحد أفضل أعمال النوار الجديد، ويصنفه بعض النقاد بين أفضل المسلسلات التلفزيونية على الإطلاق.

  • أفلام الألفية

 آخر تحية قدمها الأخوين كوين لتقليد النوار كانت في فيلم (The Man Who Wasn’t There) لعام 2001، وهي جريمة ميلودرامية مصورة بالأبيض والأسود وتدور أحداثها في العام 1949، ويحوي على مشهد قُدم قصداً ليحاكي مشهد آخر من فيلم Out of the Past والمعروضة صورته أعلاه. واستمر ديفيد لينش في فيلمه (Mulholland Drive) لعام 2001 حالته الخاصة بجعله لوس أنجلوس السوداء الكلاسيكية كمسرح لأحداث هذه الأحجية النفسية المتشابكة والمتأثرة بالنوار. ومن بين أبرز المخرجين الهوليوديين العاملين في حقل النوار للعِقد الفائت، هو كريستوفر نولان بأفلام محتفى بها مثل (Memento) لعام 2000 والإعادة (Insomnia) لعام 2002، وفيلميه الداكنين حول البطل الخارق الرجل الوطواط وهما (Batman Begins) لعام 2005 و(The Dark Knight) لعام 2008.

وعلى الرغم من اقتباس شون بين لرواية فريدرك دورينمات الشخصية جداً في فيلمه (The Pledge) لعام 2001، إلا أنه قدم النوار بأسلوب واضح وبسيط كلياً، ومفجع إلى حد ما. وقام السيناريست ديفيد آير بتطوير قصص النوار الكلاسيكية حول الشرطي الفاسد، باستعانته بخصائص أفلام مثل (Shield for Murder) و(Rogue Cop) لعامي 1954 ليكتب سيناريوهات أفلامه مثل (Training Day) لعام 2001، واقتباسه قصة للكاتب جيمس إلروي في فيلم (Dark Blue) لعام 2002، ثم قام لاحقاً بكتابة وإخراج فيلم أكثر سوداويةً وهو (Harsh Times) لعام 2006. ويحتوي فيلم (Collateral) عام 2004 للمخرج مايكل مان على أداء من الممثل توم كروز بدور القاتل الذي يُذكر بنمط فيلم (Le Samourai). كما أن العذاب في فيلم (The Machinist) عام 2004 للمخرج براد أندرسون يعيد للأذهان أفلام مثل Fight Club وMemento. في العام 2005، أخرج شين بلاك فيلم (Kiss Kiss, Bang Bang) مستنداً على جزء من رواية إجرامية للكاتب بريت هاليداي الذي كان قد نشر أولى قصصه في عشرينيات القرن الماضي، الفيلم لا يستعين بروح النوار الكلاسيكي وحسب، بل يُعبر عن السمات الشخصية للنوار الجديد أيضاً.

وبفيلميه العنيفين للغاية (Sympathy for Mr. Vengeance) لعام 2002 و(Thirst) لعام 2009، يُعد المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك من أبرز المخرجين الأجانب العاملين بشكل متكرر ضمن أجواء النوار خلال الألفية الجديد. أما أنجح أفلام النوار الجديدة الصادرة مؤخراً هو فيلم (Sin City) لعام 2005، حيث أخرجه روبيرت رودريغز بأسلوب مبهرج جمع بين الأبيض والأسود وألوان قليلة غريبة. الفيلم مقتبس عن مجموعة من روايات الكوميك التي كتبها فرانك ميلر (يُشار له كمخرج مساعد في الفيلم) وهي بدورها تدين بالكثير لأعمال الكاتب سبيلن وغيره من مؤلفي قصص الـPulp الغامضة. وعلى نفس المنوال، وفرت الروايات المصورة جوهر قصص أفلام مثل (Road to Perdition) عام 2002 للمخرج سام مينديز، وفيلم (A History of Violence) عام 2005 للمخرج ديفيد كرونينبيرغ، وهو الذي اختير كأفضل فيلم لذلك العام في استفتاء أقامته صحيفة Village Voice اليومية. ويعرض فيلم (Brick) عام 2005 لكاتبه ومخرجه ريان جونسون مجموعة من طلبة المدارس في يومنا المعاصر وهم يتحدثون باللغة الخاصة لواحدة من روايات النوار التي كانت تصدر في الثلاثينيات، كنا نال الفيلم جائزة لجنة التحكيم لـ”لرؤيته المبتكرة” ضمن مهرجان صاندانس السينمائي. وأخيراً المسلسل التلفزيوني (Veronica Mars) بين أعوام 2007 حتى 2009 استخدم كذلك حيل الشباب عبر فيلم النوار.

    • نوار الخيال العلمي

هاريسون فورد بدور المحقق ديك ديكارد في فيلم (Blade Runner) لعام 1982. كالكثير من أفلام النوار الكلاسيكي، تدور قصة الفيلم في لوس أنجلوس الممطرة دوماً، والبخار البارز في مقدمة الصورة هو مجاز تعبيري مألوف في النوار، بينما الدخان المائل للزرقة في الخلفية هو تحديث لأجواء الأبيض والأسود.

في فترة ما بعد الكلاسيكية، عُرف الخيال العلمي بأنه أكثر المجالات التي دخلها النوار. في الفيلم الفرنسي (Alphaville) عام 1965 للمخرج جون-لوك غودا، ليمي كوشن هو اسم المحقق الخاص صاحب الأساليب العتيقة في مدينة الغد. فيلم (The Groundstar Conspiracy) لعام 1973 يتمحور حول محقق عنيد آخر وفاقد للذاكرة اسمه ويلز. فيلم (Soylent Green) لعام 1973، وهو أول فيلم خيال علمي أمريكي كبير يحتذي بالنوار، يقدم صورة مستقبلية قاتمة عن العالم من خلال قصة نوار استكشافية، من بطولة تشارلتن هيستون (بطل فيلم Touch of Evil) بالإضافة لعدد من أشهر ممثلي النوار الكلاسيكي وهم جوزيف كوتن وإدوارد جي. روبنسون وويت بيسيل. أخرج الفيلم ريتشارد فليشر الذي كان قد قدم قبل عقدين من الزمن مجموعة من أقوى أفلام الدرجة الثانية للنوار ومنها (Armored Car Robbery) عام 1950 و(The Narrow Margin) عام 1952.

وكان هذا المنظور المتهكم والأسلوبي لأفلام النوار قد شكل أثراً جلياً على نوع متفرع من فئة الخيال العلمي والمعروف بـ”cyberpunk” وهو نظرة متهكمة كئيبة مستقبلية بزغت في أوائل الثمانينات، وأكثر هذه الأفلام أهمية هو (Blade Runner) عام 1982 للمخرج ريدلي سكوت، وهو وقفة إجلال لأجواء النوار الكلاسيكي (أخرج سكوت لاحقاً كذلك فيلم Someone to Watch Over Me عام 1987 وهو من النوع الميلودراما السوداء الإجرامية المؤثرة). ويُلاحظ الباحث جمال الدين بن عزيز كيف أن “طيف شخصية فيليب مارلو لا يزال موجود” في أفلام أخرى من “نوار المستقبل” مثل (Twelve Monkeys) لعام 1995 و(Dark City) لعام 1998 و(Minority Report) لعام 2002. أضف إلى ذلك أن باكورة أعمال المخرج ديفيد فينشر (Alien 3) قد استحضر روح فيلم النوار الكلاسيكي (Brute Force) الذي تدوره أحداث في السجن.

فيلم (Crash) عام 1996 للمخرج ديفيد كرونينبيرغ، وهو اقتباس لراوية جاي. جي. بالارد الخيالية، تم وصفه بأنه “فيلم نوار بنسق موجع”. والبطل هو الهدف من التحقيق في فيلم (Gattaca) لعام 1997، الذي يدمج مواضيع النوار بحبكة تستعين بفيلم (Brave New World) بإسهاب. فيلم (The Thirteenth Floor) لعام 1999 هو كحال Blade Runner، تحية للنوار الكلاسيكي، وهذه المرة من خلال طرحه لتساؤلات حول الواقع الافتراضي. كما تم المزج بين الخيال العلمي والنوار والرسوم المتحركة في أفلام يابانية مثل (Ghost in the Shell) لعام 1995 و(Ghost in the Shell 2: Innocence) لعام 2004 وكلاهما للمخرج مامورو أوشي، وعبر السلسلة التلفزيونية “Noir” لعام 2001.

  • أشكال المحاكاة

 عرف فيلم النوار أشكالاً مختلفة من المحاكاة، وبمحاولات عديدة. في العام 1945، لعب داني كاي بطولة أول فيلم دولي يحاكي النوار بعنوان (Wonder Man). وبنفس السنة، كانت ديانا ديربن المغنية الرئيسية في النوار الكوميدي (Lady on a Train)، الذي يسخر من أسلوب وولرش الحزين ومنهجه الكئيب. واستهل بوب هوب محاكاة نوار للمحقق الخاص في فيلم (My Favorite Brunette) لعام 1947، بتأديته مصور للأطفال يُعتقد أنه محقق متشدد عن طريق الخطأ. في العام 1947 أيضاً، ظهرت مجموعة ممثلي The Bowery Boys في فيلم (Hard Boiled Mahoney) الذي يعرض كذلك حبكة مضللة مشابه، كما سخرت المجموعة النوار مرة أخرى في فيلم (Private Eyes) لعام 1953. فيلمان من إنتاج شركة RKO من بطولة روبيرت ميتشم نقلا النوار إلى مرحلة المحاكاة الذاتية وهما: (The Big Steal) عام 1949 للمخرج دون سيغل و(His Kind of Woman). وصلة البالية واسمها “مطاردة الفتاة” في فيلم (The Band Wagon) عام 1953 للمخرج فينسينت مينيلي هي رقصة طولها عشرة دقائق كمثال وتقليد للرقص في أفلام النوار. فيلم (The Cheap Detective) لعام 1978 من بطولة بيتر فالك يعرض تهكم كبير على مجموعة من الأفلام ومنها فيلمي بوغارت الكلاسيكيين The Maltese Flacon وCasablanca. وفيلم (Dead Men Don’t Wear Plaid) عام 1982 للمخرج كارل رينر والمصور بالأبيض والأسود يجمع عدة مقاطع من أفلام نوار كلاسيكي ليقدمها ضمن مزيج ساخر عنها. أما فيلم (Who Framed Roger Rabbit?) عام 1988 للمخرج روبيرت زيميكس فوضع حبكة نوار في أربعينيات لوس أنجلوس وتدور حول غفر من شخصيات كرتونية.

“لقد لازمتني الوحدة طوال حياتي، في كل مكان، في الحانات والسيارات والأرصفة والمحلات، في كل مكان. لا مفر منها. أنا رجل الله الوحيد.” روبيرت دي نيرو بدور ترافيس بيكل في فيلم (Taxi Drvier) وهو بطل نوار جديد غير تقليدي.

ثمة محاكاة أخرى للنوار وبأساليب أكثر سوداوية. كفيلم (Murder by Contract) عام 1958 للمخرج إرفينغ ليرنر، وهو استهزاء على النوار عن طريق الكوميديا التعبيرية الجافة “deadpan دون أي تعابير على الوجه”، وبخاتمة أكثر بؤساً حتى من الأفلام الحقيقية التي تسخر منها. الفيلم الذي أنتجه شركة كولومبيا بميزانية قليلة جداً، يُمكن وصفه كأول مثال عالمي لما يُسمى بفيلم النوار الجديد؛ وعلى الأغلب أنه كان مصدر إلهام لفيلمي Le Samouraï وTaxi Driver للمخرجين ميلفيل وسكورسيزي على التوالي. وعلى الرغم من نزعة فيلم The Long Goodbye في محاكاة النوار، إلا أن فصله الأخير كان جدياً إلى حد كبير. وقد أعاد فيلم Taxi Driver بناء فيلم الجريمة “السوداوي” بطريقة متشائمة، حيث أنه أخذ هذه النوعية من الأفلام إلى مكان مدقع غريب ومن ثم قدم خاتمة استطاعت أن تضرب جميع النهايات المتوقعة في عرض الحائط، سواء الظافرة بالانتصار أو المأساوية أو تلك المتناقضة بدهاء، وتمكنت من المزاوجة بينها كلها في آن واحد. كما قام الأخوين بالعبث بمكانة أفلام الرعب الدموية بطريقة أكثر مباشرة، حيث جمع فيلمهما Blood Simple بمحاكاة جادة ومبالغة قاسية حول أفلام النوار. واقتبس المخرج روبينسون ديفور راوية للكاتب تشارلز ويلفورد ليقدم فيلم (The Woman Chaser) عام 1999 ليسخر ليس فقط من جو النوار بل من صناعة الأفلام الهوليودية ككل أيضاً، وفيه تم تصوير كل لقطة لتكوين مشاهد بصرية ساخرة ولاذعة لأعمال كاتب قصص النوار فيليب مارلو.

أما في النوافذ الفنية الأخرى، يسخر المسلسل التلفزيوني “Sledge Hammer!” ما بين عامي 1986 إلى 88 من النوار ومواضيع أخرى مثل عقوبة الإعدام وهوس المسدسات وكذلك من فيلم Dirty Harry. ويعرض مسلسل “Sesame Street” (بدء عرضه عام 1969 حتى يومنا هذا) شخصية الضفدع كارميت أحياناً بدور محقق خاص، وهي إشارة لبعض المواضيع المعروفة لأفلام النوار، وخاصةً التعليق الصوتي فيها. وفي برنامج غاريسون كيلور الإذاعي “A Prairie Home Companion” ثمة شخصية متكررة الحضور اسمها غاي نوار، وهو محقق جاد ينجرف بمغامراته دائماً حتى يحرج نفسه (يظهر غاي كذلك في الفيلم الذي أخرجه ألتمان استنادا عن برنامج كيلور). وسلك نيد دانغر من فريق “Firesign Theatre” الإذاعي ذات الطريق الساخر من خلال الراديو والألبومات الكوميدية. أفلام الكرتون مثل “Garfield’s Babes and Bullets” لعام 1989 وشخصيات المجموعة الكوميدية البريطانية “comic strip” مثل ترايسر بوليت من قصص الكوميك “Calvin and Hobbes” سخرت من فيلم النوار ومن تقليد المحقق الجاد، وهو من المصادر التي اتبعتها أفلام النوار وباتت حالياً في طي النسيان.

  •   تحديد الخصائص 

(Vertigo) لعام 1958 يعتبره البعض من أفلام النوار بناءًا على حبكته ونسقه ومواضيعه الرئيسة المختلفة، بينما يرى غيرهم أن مزجه للألوان وخصوصية رؤية المخرج ألفرد هيتشكوك تستثنيه من نوعية أفلام النوار.

وضع الباحثان رايموند بوردي وإتيان شوميتون 22 فيلماً هوليودياً صدرت ما بين 1941 و1953 كأمثلة محضة على فيلم النوار في قائمتها الأصلية عام 1955؛ وقد أدرجا فيما بعد 59 فيلماً أمريكياً في نفس الفترة لانتمائها الواضح إلى فئة النوار. وبعد مرور نصف عقد من الزمان، اتفق الباحثون والنقاد على لائحة تجمع قرابة 300 فيلم ما بين أعوام 1940 إلى 1958. غير أن هناك أفلام من نفس الحقبة لا تزال تشهد اختلافاً حول انتمائها لفئة النوار، ومن بينها أفلام معروفة جداً. فيلم (The Night of the Hunter) على سبيل المثال، من بطولة روبيرت ميتشم بأداء الشهير، يراه بعض النقاد كأحد أفلام النوار، لكن لا يوجد إجماع للرأي حول ذلك، حاله من حال فيلم (Suspicion) عام 1941 للمخرج ألفرد هيتشكوك. ونادراً ما يتفق النقاد حول انتماء الأفلام الصادر قبل أو بعد الفترة الكلاسيكية أو تلك الصادرة خارج الولايات المتحدة في أي وقت كان إلى نوعية أفلام النوار.

ولدعم تصنيفهم لأفلام معينة ضمن فئة النوار ورفضهم لأفلام أخرى، يشير العديد من النقاد إلى مجموعة من العناصر التي يرونها كعلامات بارزة لأجواء النوار. فالسؤال حول مكونات خصائص النوار الرئيسية هو مصدر أساسي لهذا الجدال. على سبيل المثال، النقاد يميلون لتعريف نوعية فيلم النوار باحتوائها على خاتمة مأساوية أو كئيبة، لكن الكثير من الكلاسيكيات المعروفة لهذا النوع تحتوي على نهايات سعيدة (ومنها Stranger on the Third Floor وThe Big Sleep وDark Passage وThe Dark Corner)، بينما ثمة تناقض في نهايات الكثير من أفلام النوار الأخرى وأساليبها. ويرى نقاد آخرون أن السمة المميزة للنوار الكلاسيكي هي في أسلوبه البصري الخاص، وغيرهم، يجدون تنوعاً في تلك الأساليب بين أفلام النوار، ويشددون على تميز هذا النوع بنوعية الحبكة وشخصياتها، مجموعة أخرى كذلك ركز على الحالة والسلوك في هذه الأفلام. وعليه لا يمكن اعتبار أي دراسة حول الخصائص الرئيسية للنوار الكلاسيكي بأنها دقيقة وحاسمة تجاه ذلك. في التسعينيات والألفية، انتقل اهتمام النقاد تدريجياً لتنوع مجال الأفلام التي يُطلق عليها بالنوار الجديد، ومرة أخرى، الإجماع حول تحديد سمات هذه الأفلام الصادرة خارج الفترة الكلاسيكية قليل جداً.

  • الأسلوب البصري

ظلال ستائر النافذة تتدلى فوق المحقق جيك غيتيز، ويؤديه جاك نيكلسون في فيلم (Chinatown) لعام 1974.

أساليب الإضاءة القاتمة التي تعرضها أفلام النوار الكلاسيكية يُلازمها انعكاسات ساطعة وداكنة قوية وطرق تظليل مثيرة، وهو أسلوب معروف باسم “الوضوح والعتمة” (ينحدر أصل المصطلح من رسوم عصر النهضة الفنية الأوروبية). إن ظلال الستائر الإيطالية أو قضبان الدرابزين المنعكسة على ممثل أو حائط أو على موقع بأكمله تعد أساليب بصرية شهيرة في أفلام النوار وتحولت إلى شيء مكرر حتى قبل فترة كبيرة من حقبة النوار الجديد. فقد تُحجب وجوه الشخصيات جزئياً أو كلياً بالعتمة، وهي خاصية يندر وجودها في صناعة الأفلام الهوليودية الاعتيادية. ومع أن الكثيرون يعتبرون أن التصوير بالأبيض والأسود كأحد الخصائص الأساسية للنوار الكلاسيكي، إلا أن أفلام الملونة مثل (Leave Her to Heaven) لعام 1945 و(Nigara) لعام 1953 عادةً ما يُدرجان ضمن قوائم أفلام النوار، بينما أفلام ملونة أخرى مثل (Slightly Scarlet) لعام 1956 أو (Party Girl) أو (Vertigo) لعامي 1956 يصنفهما عدد متفاوت من النقاد تحت فئة أفلام النوار.

ويُعرف عن فيلم النوار كذلك استخدامه لزوايا الكاميرا المنخفضة والعريضة، واللقطات المائلة أو المعتمة. وثمة تقنيات خاصة أخرى شائعة الاستخدام في أفلام النوار مثل تلك التي تعكس أجسام الشخصيات عبر مرآة واحدة أو مجموعة من المرايا، وأخرى من اللقطات المأخوذة من وراء كأس زجاجي مقوس أو مجمد، أو غيرها من خلال أغراض محطمه (مثل مشهد الخنق في فيلم Strangers on a Train)، ومشاهد تعرض مؤثرات خاصة وبنوعية غريبة منها. وعادة ما يقتصر تصوير أفلام النوار على الليل عوضاً على طريقة التصوير الهوليودية المعتادة التي تجمع النهار بالليل، كما تزايد تصوير أفلام النوار في المواقع الحقيقة منذ عقد الأربعينات وصاعداً.

في تحليلٍ له حول المنهج البصري لفيلم Kiss Me Deadly، وهو مثال أسلوبي واضح وحديث بالنسبة للفترة الكلاسيكية، يوضح الباحث ألين سيلفر كيف أن اختيارات التصوير السينمائي في الفيلم تزيد من حدة مواضيع القصة وأجوائها. في أحد المشاهد، تُعرض الشخصيات عبر “خيالات ذات زوايا غامضة” وبالتالي تبدو وكأنها “محبوسة في دوامة حقيقة أو فخ مغلق بإحكام”. ويشير سيلفر لكيفية “استخدام الضوء الجانبي… لتوضيح تناقض الشخصية” بينما اللقطات التي تعرض الشخصيات بإضاءة سفلية “فهي تعمل وفق أسلوب التعبير البصري الذي يستخدم الظلال المتدلية فوق وجه الشخصية الغامض والمتشائم”.

  • التركيبة والأساليب القصصية

باربرا ستانويسك وبيرت لانكاستر كانا من أكثر الممثلين ظهوراً في أفلام النوار الكلاسيكية. تحتوي التركيبة المعقدة لفيلم Sorry, Wrong Number عام 1948 على قصص متشابكة ومتزامنة وعدد من الرواة ومجموعة متداخلة من الاسترجاع.

تميل أفلام نوار لعرض حبكات معقدة غير تقليدية، وعادةً ما تحتوي على عدد من الاستراجاعات وأساليب مونتاج أخرى تعمل على تضليل وزيادة غموض المشاهد، كما أن تصوير الحبكة الأساسية بأكملها على شكل خاصية الاسترجاع هو أمر تقليدي في فيلم النوار. وقد صار التعليق الصوتي للراوي، الذي يُستخدم أحياناً كوسيلة لسرد القصة، أحد السمات الخاصة بالنوار، في حين أن النوار الكلاسيكي عادةً ما يُقدم من وجهة نظر البطل، ويشير ستيفن نيل إلى أن السرد القصصي عن طريق الراوي هو أسلوب شائع الاستخدام في النوار شبه الوثائقي. أفلام النوار الجديد المختلفة مثل The Element of Crime (السريالي) وAfter Dark, My sweet (بأسلوبه القديم) وKiss Kiss Bang Bang (الشخصي) مزجت بين تقنيتي الاسترجاع والتعليق الصوتي.

شهدت الفترة الكلاسيكية بعض المحاولات الجريئة في السرد السينمائي ومنها: Lady in the Lake الذي تم تصويره كاملاً من وجهة نظر بطله فيليب مارلو، ولا نُشاهد وجه البطل (وهو مخرج الفيلم أيضاً) روبيرت مونتغموري إلا من خلال المرايا. ويأخذ فيلم (The Chase) لعام 1946 موضوعي السير أثناء النوم والقدر كأساس لأسلوبه السردي الوهمي، مستعيناً بقصص بعض أفلام الرعب، لكنه أيضاً لا يقدم شيء غير مسبوق من واقعية مزعومة لهذا النوع من الأفلام. بينما يقوم رجلين ميتين بسرد حكاية فيلمي (Sunset Boulevard) و(D.O.A.). أما النوار الحديث فكان في طليعة التجارب السردية السينمائية، كما هو موضح في أفلام مثل Pulp Fiction وFight Club وMemento.

  • الحبكات والشخصيات والأزمنة والأمكنة

يعد عامل الجريمة، وخصوصاً جرائم القتل، من ركائز كافة أفلام النوار؛ حيث تكون المواضيع المعتادة مثل الجشع والغيرة هي الدافع وراء الإجرامي. وكثيرا ما تحتوي حبكة النوار، لكن ليس دائماً، تحقيق تفصيلي حول جريمة ما، سواء من قبل محقق خاص أو شرطي تحقيق (وهذا أحيانا ما يتولى مهام التحقيق لوحده) أو من مبتدئ ذو علاقة بالقضية. وتعرض حبكات أخرى شائعة في النوار تورط البطل في عمليات للسطو أو ألاعيب النصب والاحتيال، أو جرائم القتل التي تسبب بها العلاقات المحرمة. كما تتكرر الشبهات المغلوطة والاتهامات بجرائم القتل في أفلام النوار، حالها من حال الخيانات وخداع المقربين. ويقول جاي. ديفيد سلوكم أن: “الأبطال يكتشفون هوية الرجل الميت بنسبة 15% من أفلام النوار.” وحسب المؤرخ لي سيرفر فإن: “حالة فقدان الذاكرة المؤقتة هي نسخة أفلام النوار الشائعة عن الأنفلونزا.”

بحلول أواخر الأربعينيات، بات النوار يُلقي بظلاله على أنواع أخرى من الأفلام، ومثال مهم على ذلك هو فيلم الويسترن (Pursued) لعام 1947 المليء بالحدة النفسية الجنسية والتفاصيل السلوكية المستمدة من نظرية فرويد.

تدور أفلام النوار عادةً حول أبطال ذوي عيوب ومشكوك بأخلاقياتهم أكثر من أولئك الاعتياديين المخطئين ضمن أنواع الأفلام الأخرى. ويصف عدد من النقاد خصال أبطال النوار بأنهم “معزولين”، وحسب الباحثين سليفر وورد فهم “مليئين بمرارة الوجود على الأرض”. وثمة مجموعة من الشخصيات اعتادت الحضور في الكثير من أفلام النوار مثل المحققين الأشداء والغامضات الفاتنات والشرطي الفاسد والأزواج الغيورين ومقدري تأمين جسورين وكتاب معدومي الحال. ويعد تدخين السجائر شيء ثابت بين جميع هذه الشخصيات. من المؤخرون إلى أفلام النوار الجديدة وحتى ثقافة البوب، جميعها تعتبر شخصيتي المحقق الخاص والغامضة الفاتنة على أنهما الركيزة الأساسية لفيلم النوار، مع أنهما لا يظهران إلا في قلة من أفلام النوار الكلاسيكي. من بين الأفلام الثلاثة والعشرين المسجلين في سجل الأفلام الوطني، أربعة منها فقط يكون بطلها محقق خاص وهي : The Maltese Falcon وThe Big Sleep وOut of the Past وKiss Me Deadly، وأربعة أخرى يُمكن تصنيفها قصص تحقيق وهي: Laura وThe Killers وThe Naked City وTouch of Evil.

تدور أحداث فيلم النوار غالباً في الأحياء وبعض المدن خاصة لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو ونيويورك وشيكاغو، وهي موقع مجريات الكثير من أفلام النوار الكلاسيكي. ويرى الكثير من النقاد أن مدينة تُقدم في النوار على شكل “المتاهة” أو “العقدة”. وعادةً ما تكون الحانات والاستراحات والنوادي الليلية وقاعات القمار هي مسرح الأحداث. وتقع خاتمة عدد كبير من أفلام النوار داخل مواقع ضخمة بصرياً وأحيانا بخلفية صناعية مثل المصافي والمصانع وساحات سكك الحديد ومحطات الكهرباء، ومن أشهرها الخاتمة التفجيرية لفيلم White Heat التي جرت في مصنع كيماوي. ودائماً ما تحدث نهاية أفلام النوار في ليلة ماطرة.

وظهرت موجة قوية ضمن أفلام النوار اللاحقة، أطلق عليها الناقد دي. كي. هولم اسم “الفيلم الملتهب”، وأخذت منحناً مختلفاً تماماً عن تلك السابقة، حيث احتوت قصصها على الخداع والإغواء واستغلال الفساد والمواقع المشمسة سواء في الصحراء أو المياه المفتوحة، ووظفت هذه المواضيع لأشد تأثير ممكن. ومن الأمثلة على تلك المواضيع التي صدرت في الفترة الكلاسيكية وأوائل فترة ما بعد الكلاسيكية هي أفلام مثل The Lady from Shanghai وInferno عام 1953 للممثل روبيرت راين واقتباس رواية The Talented Mr. Ripley للكاتبة باتريشا هايسميث في فيلم (Plein Soleil)، وبالإنجليزية Purple Noon “التي تم تقديمها بشكل أفضل كذلك في فيلمي Blazing Sun وFull Sun لعام 1960″، ونسخة المخرج دون سيغل من فيلم (The Killers) عام 1964. عرفت هذه الموجه ذروتها في الثمانينات والتسعينيات في أفلام مثل (Dead Calm) لعام 1989 و(After Dark, My Sweet) و(The Hot Spot) و(Delusion) لعام 1991، و(Red Rock West) والمسلسل التلفزيوني Miami Vice.

  • النظرة العالمية والجانب الأخلاقي والأسلوب

يوصف فيلم النوار كثيراً بالتشاؤم، والقصص التي تميزه تدور حول أشخاص وقعوا في مواقف عصيبة (لم يتسببوا بها لكنهم مسؤولين عن تفاقمها)، أو يواجهوا مصير مجهول قاسي وهالك في أغلب الأحيان. وتنقل هذه الأفلام صورة عن عالم متأصل بالفساد. ويرى الكثير من النقاد أن فيلم النوار الكلاسيكي يلازمه محور المجتمع الأمريكي السائد في تلك الفترة، بشعور من القلق الشديد والعزلة التي قيل أنها نجمت عن الحرب العالمية الثانية. وحسب الكاتب نيكولاس كريستوفر وكأن “الحرب وتبعاتها الاجتماعية الوخيمة قد أطلقت الشرور التي كانت محبوسة في نفسية الأمة”. أفلام النوار، وخاصة تلك الصادرة في الخمسينات وكذلك في أوج الفترة الثانية لمحاربة الشيوعية، يُقال كثيراً أنها تعكس جنون ارتياب الحضارة الأمريكية؛ وعادةً ما يُشار إلى فيلم Kiss Me Deadly كدليل على هذه المسألة.

“تحفوكِ لمسة من الرقي، لكني لا أعرف لأي مدى يمكنكِ أن تصلي.” “يتوقف الأمر على الفارس.” الممثلان بوغارت وبيكيل في فيلم The Big Sleep.

وعادةً ما يتم تعريف فيلم النوار بمصطلحي “الالتباس الأخلاقي”، بيد أن قانون الإنتاج ألزم جميع أفلام النوار الكلاسيكية أن ترفع يد العفة والطهارة في نهاياتها، مع غياب للعار والإصلاح، وأن تُعاقب الرذيلة فيها (مهما كانت قسوة أساليب تطبيق القانون). وقد ضربت مجموعة كبيرة من أفلام النوار اللاحقة هذا العُرف بعرض الحائط: حيث باتت الرذيلة ذات حضور بارز بأفلام مختلفة من Chinatown المروع وHot Spot البذيء.

يتسم جو فيلم النوار عموماً بالكآبة، وبعض النقاد يجدونه أكثر عتمة من ذلك، والناقد روبيرت أوتسون يصفه بـ”الأسود الدامس”. كتب بول شريدر، الناقد وصانع الأفلام المهم، مقالة ملهمة عام 1972 تُفيد بأن “فيلم النوار يُحدد بأسلوبه” ويصف هذا الأسلوب بالـ”بائس”. وضمن شرحه لفيلم Double Indemnity، ينوه المحلل فوستر هيرش إلى “الأسلوب البائس الملازم بالنوار” الذي يقدمه صانعيها ويُعبر عن نظرته عن نوع أفلام النوار بشكل عام. من جهة أخرى، فإن أفلام النوار البارزة مثل The Big Sleep وThe Lady from Shanghai وDouble Indemnity تعتبر مشهورة لفكاهتها البوليسية، وعرضها لإيحاءات جنسية وروح دعابة أسلوبية خاصة بها، وهي من الأساليب الأخرى لفيلم النوار إضافةً لعنصر الكآبة.

المصدر

8 thoughts on “الفيلم الأسود

  1. الاخ مهند لك منى جزيل الشكر على جهود واختيارك الموفق دائمآ , فقط اريد التطرق الى الممثلة العالمية ايزابل ادجانى , اكرر شكرى وبانتظار جديدك .

  2. انا من هواة مشاهدة افلام النوار
    صادف زمان دورت اش معنى فيلم noir مستغرب ان الان لا يوجد افلام نوار !!
    الان انا عرفت بالتفصيل واكثر
    شكرا استاذ مهند ع التقارير الرائعه وبالتوفيق دائما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s